الحكومات الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، صدرت الحروب وطورت أجيالها وأدواتها، بما يعفي جيوشها من خوض غمار وميادين تلك الحروب بشكلها المباشر إلى كل بقاع المعمورة وجعلوا منها منصة للاستيلاء على ثروات الشعوب، لتمويل رفاهية التوحش الإمبريالي والإجهاز على الحضارات، بوابة لتركيم الثروات وأداة لتحييد الخصوم الجيوسياسيين وجزء من ضمان مكانيزمات السوق الصامتة لإزاحة الخصوم والمنافسين من الأسواق العالمية وتعزيز الاحتكارات وضمان التسيد الرقمي والتكنولوجي.
أوروبا التي تتباكى على حقوق الإنسان التي سلحتها بالمعايير المزدوجة والعنصرية بالتمييز على أساس اللون والعرق والدين والعبودية للحضارة الاستعمارية الغربية، للإجهاز على أمن وسلم المجتمعات المنافسة والمقاومة لتلك للثقافة والسياسات الإمبريالية الأوربية، فالبكاء والعويل هو أقصى ما يمكن أن تقدمه أوروبا لعبيدها حول العالم، لا لأجل آلاف البشر الذين يذهبون ضحايا تلك الحروب التي تمولها وتصدرها حكومات القارة العجوز، ولكن تباكيا على تعاظم التكاليف لتلك الحروب على خزينة حكوماتها ورفاهية جمهورها كلما اقتربت تلك الحروب من حدودها.
صحيح الحرب في اوكرانيا ما بين مراكز قوى امبريالية، ما بين طامح باستعادة وتعزيز مكانة، مع آخر يخشى صعود منافس يقوض مكاسب عالم القطب الواحد، يدفع بالفقراء للحرب بالإنابة عنه ليدفع الفقراء أثمان تسيده وتوحشه الإمبريالي في زمن الاستغلال، كما في زمن الحرب، فمن يدفع أثمان الحرب هم الفقراء، فأغنياء أوكرانيا غادروا حتى قبل أن تبدأ الحرب.
ما يميز روسيا في هذه الحرب بأنها تقود الحرب بجيشها وأبناؤها دفاعا عن مصالحها الأمنية والاقتصادية من وجهة نظرها التي تحمل كثير من الواقعية والوجاهة، في ظل سعي الناتو للتوسع شرقا اتجاه حدودها ونزعات النظام الحاكم وإجراءاته بمعاداة روسيا، ومن يتحدث الروسية داخل أوكرانيا ذاتها وما يتعرضون له من تمييز على أساس عرقي.
لا أحد مع الحرب التي تدفع أثمانها جموع الفقراء والعمال والكادحين، فرغم مآسي الحروب وكوارثها الإنسانية والبيئية، خصوصا عندما يكون عماد ومحرك هذه الحرب مصالح مراكز رأس المال الإمبريالي، ولكن ما يمكن أن تكسبه البشرية من هذه الحرب تحديدا هو الخلاص من العالم وحيد القطب إلى عالم متعدد الأقطاب، سيعطي الشعوب والفقراء والعمال هامش أوسع من الحركة التحررية.
الاهم والذي يجب أن تلتقطه الشعوب هو أن هذه الإمبريالية الأوربية الاستعمارية، بنت رفاهيتها من ثروات الشعوب المنهوبة وتحارب اليوم حتى آخر فرد من تلك الشعوب دفاعا عن رفاهيتها وتستأجر أمراء الحروب، مرتزقة يحاربون بالإنابة عن جيوشها، وهو ما جرى في الكثير من الحروب حول العالم وأكثرها في الشرق الذي اكتوى وشعوبه بالحروب الصليبية وحروب الرق وحروب الاحتكارات السوقية وصولا لحروب الفوضى وغزوات التكفيريين والنازيين الجدد، هذه الإمبريالية التي تواجه اليوم أزمات الطاقة والغاز والغذاء وتؤسس خططها على تدفيع الشعوب المستضعفة أثمان هذه الأزمات، سواء بدفع عبيدهم من أنظمة الاستبداد لرفع منتوجها من الطاقة بترولية أو غاز لتعويض نقص المعروض منها بفعل الحرب أو العقوبات على روسيا، بينما تشدد إجراءاتها لاحتكار الحبوب والمواد الغذائية الأساسية، تعزيزا لأمنها الغذائي فيما تترك تلك الشعوب ذاتها لمواجهة المجاعات واهتزازات الأمن الغذائي.

