Menu

ردًا على د. ناصر اللحام.. اللقاح فاسد

ثائر أبو عياش

في مقال بعنوان "حوار الجزائر – الجرعة رقم 11 لمكافحة فيروس الانقسام"، يكتب د. ناصر اللحام في محاولة منه لمقاربة بين فايروس "كورونا" وفايروس "الانقسام"، ويقول في هذا الصدد: فيروس الانقسام قتل وأصاب منا أكثر مما فعل فيروس كورونا، ولم ينفع معه كمامات ولا أقنعة ولا مصل ولا تطعيم، بقي التباعد هو الواقع المرّ في كل المشهد.

وقعت المقال بين يدي عن طريق الصدفة على الرغم أنها منشوره بتاريخ 17.1.2022، وقمت بقراءتها مرات عديدة في محاولة لفهم المغزى الذي يريد كاتب مثل د. ناصر اللحام ايصاله للقارئ، الأمر الذي أدهشني كما أدهش د. ناصر هو السؤال الأكثر قسوة الذي تم طرحه في نهاية المقال: هل تريد التنظيمات والقوى الفلسطينية حقا إنهاء الانقسام؟

قبل الحديث عن المقاربة علينا إدراك حقيقة مهمة جداً وهي تعرف بتحصيل الحاصل "أن الاحتلال هو المستفيد الأول والأخير من بقاء الانقسام كما هو عليه"، وهذه الحقيقة التي يجب أن تدعم فكرة إنهاء وجود الانقسام الذي يساعد الاحتلال على البقاء أطول فترة ممكنة وهو هدية قدمت له لأنه المؤمن الأول والأخير بقاعدة "فرق تسد".

علينا في البداية الاعتراف أن فايروس "الانقسام" لم يكن يشكل غموض للشعب الفلسطيني كما يشكل فايروس "كورونا"، فالخوف من المجهول هي صفة لم تلاحق "الانقسام" وعلى العكس تماماً أصبح فايروس "كورونا" يشكل حالة خوف شديدة لدى الشعب الفلسطيني، الأمر الذي جعل الحكومة الفلسطينية تقول: "إذا أردت تسجيل عقد زواج يجب أن تقوم بأخذ التطعيم من الفايروس"، ولكن لم تقل هذه الحكومة "إذا أردنا التحرر يجب إنهاء الانقسام".

 أيضاً التباعد الذي حصل بسبب فايروس "كورونا"، يختلف عن التباعد الحاصل بسبب "الانقسام"، فالتباعد بسبب فايروس "كورونا" هدفه الأساسي البعد عن الموت الذي يهدد به العلماء بقولهم "انقراض البشر"، أما فايروس "الانقسام" هو تباعد سياسي يسبب موت "الحرية" للشعب الفلسطيني، والعيش طويل الأمد للاحتلال، وذلك يعني موت الشعب الفلسطيني، ولذلك تباعد عن تباعد بفرق.

 إن الجرعة رقم "11" والتي سبقها عشرة جرعات لإنهاء فايروس "الانقسام" كانت جميعها فاسدة، لأن الهدف الأساسي لم يكن إنهاء "الانقسام"، بل كان الهدف الأساسي هو الحفاظ على السلطة السياسية، ولننبش في التفاصيل أكثر يوجد في فلسطين مشروعين: "مشروع يؤمن بالسلام ومشروع يؤمن بالمقاومة"، هاذين المشروعين متناقضين تماماً وكل الجهود التي من الممكن أن تبذل والتي بذلت في سبيل البحث عن نقطة لقاء بينهما هي مضيعه للوقت، ولذلك تعتبر "المصالحة" هي الفايروس التي يجب أن نجد لها لقاح.

يعيش الشعب الفلسطيني الكثير من الفايروسات منها النفسي والاجتماعي...، والأصعب هو فايروس "الاحتلال" الذي يجب أن يكون له لقاح حقيقي، لأنه الفايروس الوحيد الذي ينهك الجسد الفلسطيني سواء من الداخل أو من الخارج، ولذلك سواء تريد الجزائر إنهاء الانقسام أو مصر أو السعودية أو قطر، أو موسكو، أو الأردن، أو تركيا...،  على الرغم من أن الإجابة "نعم"، على الشعب الفلسطيني أن يسأل هل نحن نريد إنهاء "الاحتلال"؟ لأن جزء من الدول التي تبحث عن إنهاء الانقسام الفلسطيني، قامت بالتطبيع مع "الاحتلال" وهذا فايروس يحتاج إلى لقاح من نوع أخر.

قضية فايروس "الانقسام" هي قضية فلسطينية بالأساس ويحتاج إلى قرار فلسطيني داخلي قبل الهروب إلى حلول بالخارج، وأول هذه الحلول هي التطعيم باللقاح المعروف باسم "المقاومة" لقتل فايروس "السلام"، لأن الأخير هو فايروس سياسي يقتل القضية الفلسطينية وهدفها الأهم الحرية، وهو لقاح يساعد الاحتلال على بناء دولته والاستمرار بها.

ربما لا يدرك الكثير من الشعب الفلسطيني أن فايروس "الانقسام" هو الأخطر عليه من فايروس "كورونا"، لأن الفايروس الأول كما قال د. ناصر اللحام: لا ينفع معه كمامات ولا أقنعة ولا مصل ولا تطعيم، لأنه فايروس لا ينتقل كعدوة مرضية عبر التنفس، بل يتنقل كواقع سياسي واجتماعي ونفسي... سيؤدي بالنهاية إلى المحرقة والهلاك، وخصوصاً أن جميع اللقاحات 11 لم تكن علاجاً مناسباً للمرض، ونستطيع القول بأن اللقاحات كانت مرضا أخر أصعب من المرض نفسه.

اللقاح فاسد، لماذا هذا القول؟

يقول المثل الفلسطيني: "اللي يجرب المجرّب عقله مخرب"، وذلك يعني الذهاب إلى اللقاح "11" وقد تم تجريب "10" لقاحات سابقة، تحمل معها نفس المصل لن تأتي بنتيجة أفضل، والذهاب إلى المرة الحادية عشر بنفس الأسلوب والخطوات وانتظار نتائج مختلفة هذا يعتبر نوع من الجنون السياسي.

معضلة الانقسام يدرك حقيقتها جميع من هم في المضمار السياسي، ولها سببها المعروف أيضاً للجميع، لأن لا وجود لمعضلة دون سبب، والجميع أيضاً لم يخرج من دائرة الحديث عن المشكلة والسبب، ولم يتجرأ أحد بالبحث عن حل جذري للمعضلة، بالإضافة إلى إدراك حقيقة عدم وجود حلول سحرية، ولذلك علينا العمل بمبدأ ساعة الرمل وهو سقوط حبات الرمل من الزجاجة العلوية إلى الأسفل، وعلينا أيضاً قياس سرعة تدفق جسيمات الرمل وحجمها ولتكن الجسيمات صغيرة، ولكن الفتحة التي تسقط منها لتكن كبيرة الحجم لأن المدة الزمنية التي يجب أن تكون محددة، مهمة للغاية.