وجهت إيران والحرس الثوري ردا قويا صاعقا ومحكما في الأيام الماضية ضد العدو الصهيوني.. ردا لم يقتصر على جهة واحدة، بل طال جهات عدة، حيث وجهت إيران صواريخها الدقيقة إلى وكر التجسس الصهيوني، (الموساد) في مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان، هذا الوكر الذي دأب على التخطيط والعمل ضد القوى الوطنية العراقية والتجسس عليها، وليس هذا فقط، بل قام بالتجسس على محور المقاومة، خاصة إيران، حيث تم توجيه عدة ضربات سابقة لها من هذا الموقع وكان آخرها انطلاق الطائرات المسيرة التي ضربت كرمنشاه وألحقت بها الضرر.
لقد جاء الرد الإيراني قويا وغير متوقع، حيث ظنت "إسرائيل" أن إيران مشغولة بمفاوضات الملف النووي، وبالتالي الوقت ليس مناسبا للرد من قبلها، واستطاعت هذه العملية الشجاعة أن تلحق خسارة كبيرة في صفوف العدو، حيث أعلنت إيران أن العملية أصابت أهدافها بدقة وأدت إلى مقتل ٤ ضباط من الموساد، بالإضافة إلى جرح ٧ آخرين، بينهم ٤ أصيبوا بجروح خطيرة.
ولم تكتفِ ايران بهذا فقط، بل حققت نصرا آخر على العدو، عندما استطاعت تفكيك واعتقال أعضاء شبكة التجسس الصهيوني التي أرادت أن تنفذ عملية ضد مفاعل فوردو النووي، من خلال الوصول لأجهزة الطرد المركزي IR6 وتفجيرها، وليس هذا فحسب، بل سجلت أيضا يوم أمس تفوقا على العدو في المعركة السيبرانية، حيث وجهت ضربات قوية ومدروسة لمكتب رئيس الوزراء ووزارة الداخلية والصحة والعدل وغيرها من المؤسسات وعطلتها عن العمل.
لقد جاءت هذه الضربات ثلاثية الأبعاد لتلحق خسارة كبيرة في صفوف العدو وتفشل مخططاته وكي تؤكد مجموعة من الحقائق وتوجه مجموعة من الرسائل في اتجاهات مختلفة:
الحقيقة الأولى: أن شمال العراق، وخاصة أربيل، أصبح مركزا للمخابرات الصهيونية والوجود الأمريكي، يسرحون ويمرحون فيه بالتنسيق مع السلطات المحلية بزعامة البرزاني، هذا الموضوع لم يعد خافيا على أحد وأصبح معلنا في الصحافة والإذاعات وقبل كل ذلك مكرسا على الأرض. ومن يعود للتاريخ يرى ويستنتج بوضوح حجم هذه العلاقة من أيام الملا مصطفى البرزاني، والتي أورثها لعائلته، وهو المشهود له بإقامة التحالف وفتح معسكرات التدريب والعمل المشترك ضد العراق والدفع باتجاه تقسيمه، وهذا ما حصل في الاستفتاء الأخير حول استقلال إقليم كردستان، وكان من أكبر المشجعين له والمحتفلين بنتائجه هم الصهاينة الذين ارتفعت أعلامهم ورقصوا في شوارع كردستان، وتحولت مع الأسف كردستان البرزاني إلى خنجر في ظهر العراق والأمة العربية وقاعدة للولايات المتحدة و "إسرائيل" وأصبحنا بلا مبالغة أمام مشروع قيام "إسرائيل" ثانية في المنطقة.
الحقيقة الثانية: أن هذه القواعد المنتشرة في شمال العراق تحت سمع وبصر الحكومة المركزية، باتت تشكل خطرا وتهديدا، ليس على العراق فحسب، بل على مجمل المنطقة، وخاصة إيران و سوريا وهذا ما نشاهده اليوم.
الحقيقة الثالثة: الحكومة العراقية الرسمية في بغداد، لم تتخذ موقفا حاسما مما يجري، ولم تقم بواجبها إزاء ذلك، ولم تتصدَ له، بل سكتت عنه وهذا يشكل إدانة كبيرة لموقفها، بحيث مطلوب من الحكومة المركزية في العراق، أن تقوم ببسط سيادتها على أراضيها وعدم قبول استخدامها ضد دول الجوار قبل أن تتحدث عن السيادة.. والسؤال هنا برسم الحكومة المركزية: أين هي سيادة العراق؟! هل سيادة العراق تكمن في قيام دولة داخل الدولة؟! هل سيادة العراق ممكنة في ظل انتشار القواعد الامريكية وأوكار الموساد، خاصة في الشمال؟! هل سيادة العراق تكمن في تهديد دول الجوار من أراضيه؟
وهنا نقول قبل الحديث عن سيادة العراق (وكلنا معها)، وقبل الحديث عن إدانة الضربات الصاروخية الإيرانية للمواقع التي تهدد الأمن الإيراني، كان يتوجب على الحكومة أن تضع حدا لهذه الأعمال وتنهي هذا التواجد، حفاظا على استقلال قرارها وإرادة شعبها التي لم تكن يوما إلا ضد العدو الأمريكي والصهيوني وهم من ارتكبوا المجازر بحق الشعب العراقي، ليس لها مثيلا في التاريخ ومازالت حية في ذاكرة الشعب.
الحقيقة الرابعة: أن هذه القواعد ومراكز التجسس المنتشرة في شمال العراق، باتت تشكل خطرا وتهديدا على الأمن العراقي ومصالح العراق أولا، وعلى أمن جيرانه ومصالحهم ثانيا، خاصة إيران صاحبة المشروع المقاوم. وهنا نؤكد أنه يتوجب على القوى الوطنية العراقية أن تقوم بالرد على هذه القواعد، وهذا التواجد كما من حق إيران أيضا أن تقوم بالرد لحماية أمنها ومصالحها ودفاعا عن النفس في جه هؤلاء، خاصة أنها سبق وحذرت من هذا الخطر.
الحقيقة الخامسة: إيران تصبر وتتمتع بسياسة الصبر الاستراتيجي، لكنها تمهل ولا تهمل ولديها القدرة والشجاعة على اتخاذ القرار بالرد، وهذا ما حصل وشاهدناه عبر مسيرة إيران، حيث ضربت قاعدة عين الأسد الأمريكية، ردا على اغتيال سليماني والمهندس وفي عهد ترامب واحتجزت السفن، ردا على احتجاز سفنها والأدلة كثيرة على ذلك.
أما الرسائل التي وجهتها هذه الردود الإيرانية كانت في اتجاهات متعددة ومنها:
الرسالة الأولي: رسالة للعدو الصهيوني أن إيران قوية وتملك القدرة على الرد، وهي تمارس ذلك ولا تخشى أحد، وهي من يحدد مكان الرد وزمانه.
الرسالة الثانية: لقيادة إقليم كردستان، تقول: نحن نعرف ونتابع وجود المخابرات الصهيونية والأمريكية بطرفكم، ولن نسمح لأحد بتهديد امننا وأراضينا وسيكون ردنا مؤلما.
الرسالة الثالثة: للدولة العراقية والسلطة المركزية عليكم القيام بواجبكم بمنع تهديد إيران من أراضيكم، وقد حذرناكم من خطورة ذلك ولنا الحق أن ندافع عن أنفسنا ونضرب المراكز التي ينطلق منها العدوان على أراضينا ونملك من القوة والإرادة بما يسمح لنا القيام بذلك.
الرسالة الرابعة: موجهة لدول التطبيع في الخليج تحذرهم فيها وتقول لهم: إذا كانت "إسرائيل"، غير قادرة على حماية نفسها، فكيف لها أن تحميكم وما عليكم إلا مراجعة مواقفكم الاستجابة لمصلحة شعوبكم؟
الرسالة الخامسة: موجهة للجميع، أن ايران قوية وقادرة على الرد بنفسها، وأنها لا تربط الرد بعملية المفاوضات الجارية حول الملف النووي، وتؤكد ان الموضوعات منفصلة وهذا ما أكدت عليه دوما، وتؤكد أن اعتقاد البعض بعدم قيام أيران بالرد في هذ الوقت هو اعتقاد خاطئ منه.
لقد استطاعت إيران من خلال عملياتها الأخيرة الناجحة أن ترسم معادلات ردع جديدة لصالحها وصالح محور المقاومة، خاصة أنها تأتي في ظل احتدام الصراع ما بين روسيا وحلف الأطلسي في أوكرانيا والمعارك الجارية هناك والتي ترسم ملامح عالم جديد.. عالم متعدد الأقطاب لا قطبية احادية فيه عالم، عالم تتراجع فيه أمريكا والأطلسي ومن معهم وتتقدم فيه روسيا والصين ومن معهم، ولن بكون بعيدا اليوم الذي نرى فيه الجيش العربي السوري وهو يرد على غارات العدو ويضرب تل أبيب كما تضرب دمشق.. العالم يتغير.. والمنطقة تتغير.. والنصر لمحور المقاومة وهزيمة أعداء الشعوب، بات أقرب من أي وقت مضى.

