ليست محاولاتُ منعِ حزبِ النهجِ الديمقراطيّ من عقدِ مؤتمرِهِ الوطنيّ الخامس أمرًا مستجدًّا، فقد خبر حزبنا 9 سنوات من العمل العلني قبل أن ينتزعَ صفتَهُ القانونيّة عقبَ مؤتمره الوطني الأوّل المنعقد في يوليوز 2004، وذلك بعد مواجهةٍ قويّةٍ مع المخزن، منها المظاهرة الحاشدة وغير المسبوقة في تاريخ المغرب أمامَ وزارة الداخليّة، مسنودًا في ذلك على وجه الخصوص، من طرفِ عددٍ من القوى التقدميّة في بلادنا.
واليومَ، يخوضُ النهجُ الديمقراطيّ، معركةً أخرى من أجل انتزاع حقّه في عقد مؤتمره بشكلٍ حضوريٍّ في قاعةٍ عموميّة، مدعومًا من طرفِ القوى الحيّة في بلادنا وعبرَ مختلِفِ بقاعِ العالم، في إفريقيا والعالم العربي وآسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينيّة. لا تقدّم السلطات التابعة لأمّ الوزارات واليد الطولى للمخزن، وزارة الداخليّة، التي سبق لها أن هدّدت بحلّ النهج الديمقراطيّ، سوى مبرراتٍ تافهةٍ متذرّعةً بحالةِ الطوارئ الصحيّة التي حوّلتها إلى طوارئ سياسيّةٍ على القوى المناضلة أو وجود أشغالٍ في القاعات موضوع الطلب، بينما تستفيدُ الأحزابُ الملتفّة حولَ المخزن من القاعات العموميّة لتنظيم أنشطتها وعقد مؤتمراتها.
غيرَ أنّ هذا المنع ليس أمرًا فريدًا، بل يطالُ بشكلٍ متفاوتٍ عددًا مهمًّا من الفئات التنظيمات المناضلة، التقدميّة والحيّة، المعارضة للنظام. بل إنّ الشعبَ المغربيّ برمّته يعاني من هجومٍ كاسحٍ ومنسّقٍ من طرفِ هذا النظام المستبدّ، بعدما تمكّن من إخمادِ حركة 20 فبراير، وذلك على 3 واجهاتٍ مترابطة.
* التقشّف والغلاء الفاحش والدوس على حقوق العمّال وعموم الشغّيلة والإجهاز على المرافق العموميّة الحيويّة وعلى رأسها الصحّة والتعليم والتبعيّة للدوائر الإمبرياليّة، وتتفاقم المديونيّة سنةً بعد أخرى لتقترب حاليًّا من نسبة 100 في المائة من الناتج الداخلي لبلادنا التي تتقاذفها دوامةُ المديونيّة حتّى أصبحت تقترضُ من أجل تسديد الديون، هكذا سيقترض المغرب هذه السنة 105 مليار درهم ليسدد 90 مليار درهم من الديون السابقة وفوائدها. هذا وتمعن الدولة في رفض أيّ إصلاحٍ ضريبي، الذي من شأنه أن يكون جزءًا من حلِّ معضلةِ المديونيّة، بل تواصل تقديم هدايا على شكلِ إعفاءاتٍ جبائيّةٍ كبيرة، وكلّ هذا إرضاءً وخدمةً لمصالح الكتلة الطبقيّة السائدة التي تستندُ إليها.
لقد سبق للملك، رئيس الدولة، أن صرح رسميًّا بفشل النموذج التنمويّ للمغرب وشكّل لجنةً خاصّةً من الموالاة التكنوقراط لصياغة نموذجٍ تنمويٍّ جديد، وكذلك كان، فقدّمت له منتوجها (25 ماي 2021) وتمّ طبعًا إقراره دونَ أيّ نقاشٍ عموميٍّ أو حتّى في البرلمان بغض النظر عن كونه مزوّرًا ولا يمثّلُ الإرادةَ الشعبيّة. واتّضح أنّ النموذجَ الجديدَ هو القديمُ نفسُهُ، أيّ النموذج النيوليبراليّ أو الليبراليّ المتوحّش والباقي حشو وإطناب وكلام فارغ، وبسبب هذه الاختيارات الطبقيّة، إضافةً إلى التأثير السلبيّ لجائحةِ كورونا، تتسعُ دائرة البطالة، خاصّةً وسط حاملي الشهادات ويتفاقمُ الفقر (حوالي ثلثي السكان يعانون من الفقر والهشاشة) وتتفشّى الرشوة، حيث انتقل المغرب من الرتبة 80 سنة 2011 إلى الرتبة 87 سنة 2021 من بين 181.
* تزوير الإرادة الشعبيّة ومسخها والتلاعب بها، فقد تمّ تنظيم الانتخابات الجماعيّة والبرلمانيّة في 8 شتنبر 2021 في ظلّ شروطٍ أبعد ما تكون عن الحدّ الأدنى من النزاهة والمصداقيّة عرفت مقاطعة عارمة (حوالي 70 في المائة). ومن نتائجها الأبرز اندحارٌ كبيرٌ لحزب العدالة والتنمية الذي ترأس الحكومات المتعاقبة من 3 يناير 2012 إلى تاريخ إجراء الانتخابات المشار إليها.
صحيحٌ أن تراجع، بل خسارة هذا الحزب للانتخابات كان أمرًا منتظرًا بسبب تنفيذه بحماس للسياسات المعادية لمصالح وطموحات أوسع الجماهير الشعبية (ضرب صندوق المقاصة والمكتسبات المتعلقة بالتقاعد وإقرار العمل بالعقدة وخوصصة التعليم والصحة وشرعنة الاقتطاع من أجور المضربين عن العمل...)، وأيضًا بسبب توقيع أمينه العام في 22 دجنبر 2021 على اتفاقية التطبيع مع العدوّ الصهيوني، وهذا ضدًّا على خطاب الحزب بخصوص القضيّة الفلسطينيّة. كلّ هذا وغيره يجعل من حزب العدالة والتنميّة المغربي حزبًا رجعيًّا بامتياز، لكن لا أحد كان يتوقّع اندحارًا من هذا المستوى، بحيث حصل على فقط 12 مقعدًا في مجلس النواب مقابل 125 مقعدًا في آخر انتخابات عام 2016. ولا تفسير منطقي لما جرى سوى تدخل اليد الخفية لوزارة الداخلية صاحبة الباع الطويل في صنع الخرائط، حيث تخلص منه المخزن بعدما استعمله أحسن استعمال خلال العشرية المنصرمة، لأنّ المخزن كما عودنا على ذلك لا يطيق حزبًا قويًّا حتى ولو كان يمينيًّا قد ينافسه في الشرعيّة السياسيّة، وربّما الدينيّة أيضًا في حالة العدالة والتنمية، وكما كان منتظرًا تم تعيين صديق الملك، الملياردير عزيز أخنوش رئيسًا للحكومة، وهو أحد أبرز رموز الاحتكار والتبعية والفساد.
* من الطبيعي والحالة هذه أن تشتعل نيران الصراع الطبقي، فالعشرية المنصرمة هي عشرية حركة 20 فبراير والحركات الشعبيّة والمقاومة العماليّة والشعبيّة عمومًا، وهذه النضالات الغنية والمتنوعة يواجهها المخزن بالحديد والنار تارةً وبالقمع الناعم تارةً أخرى، قمع يطال الفئات الاجتماعيّة المناضلة والحراكات الشعبيّة التي تم سحقها ويطال سائر الحريات، خاصة حريات التظاهر والتنظيم والتعبير والحريات النقابية، وخاصة في القطاع الخاص، حيث العمل النقابي أصبح عمليًّا ممنوعًا. ويطال القمع التنظيمات المناضلة كونها ترفع صوتها وتقف إلى جانب الفئات المناضلة، فهذه التنظيمات وفي مقدمتها النهجُ الديمقراطيّ محرومةٌ من استعمال القاعات العموميّة ومن الإعلام العمومي والخاص ومن وصولات الإيداع عندما تضع ملفاتها القانونيّة لدى السلطات عقب تأسيس أو تجديد هياكلها في محاولةٍ للنيل منها والتشكيك في شرعيتها القانونية، بل تتعرّض للتشهير والتشويه من طرف الإعلام الرسمي وشبه الرسمي الذي تحرّكه المخابرات. أكثر من ذلك يتم قطع أرزاق مناضليها بترسيبهم في المباريات من أجل الشغل وبوضع أسماء العمال من بينهم في لوائح سوداء.
باختصار أصبح الطابع البوليسي للدولة جليًا ساطعًا، حتّى أن ميزانية الأمن والدفاع الوطني هذه السنة تستحوذ على 30 في المائة من ميزانية الدولة وعلى ثلثي مناصب الشغل المستحدثة في إطار هذه الميزانية، وهذا هو المخزن الذي تبلّور في عهد السعديين بدايةَ القرن السادس عشر فهو نظامٌ يتطوّر في الشكل مع الحفاظ على جوهره. المخزن اليوم قائمٌ على ازدواجيّة وجود مؤسّساتٍ "منتخبة" تلعب دور الواجهة الديمقراطيّة لا سلطة فعلية لها ومؤسّسات غير منتخبة تمتلك وتحتكر السلطة الحقيقية وعلى رأسها المؤسسة الملكية التي تتمتع بصلاحياتٍ مطلقةٍ ولا محدودة. إنّ المخزن أداةٌ ضروريةٌ للكتلة الطبقيّة السائدة لقمع وإركاع وإخضاع الشعب وقواه المناضلة وتزوير الانتخابات وتفريخ الأحزاب، وقد قال باحماد، الحاجب الملكي للسلطان عبد العزيز أن المخزنَ خيمةٌ كبيرةٌ دعامتها هو السلطان وأوتادها التي تحيط بها هم رجال السلطة. الأوتاد اليوم هم وزارة الداخليّة والأجهزة السرية والموازية ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تؤدي دور وزارة الدعاية الإيديولوجيّة لتدويخ الشعب وضمان احتكار الدين من طرف الملك باعتباره أميرًا للمؤمنين.
القمع بمختلف أنواعه لصيق بطبيعة النظام وهو قمعٌ معمّمٌ وترتبطُ حدته بطبيعة موازين القوى ومستوى تقدم أزمة المشروع المخزني وطبيعة القوى المستهدفة، لذا نفهم أن النهج الديمقراطي ينال النصيب الأكبر من القمع، كونه يعمل من أجل بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين والجبهة الشعبيّة الموحّدة، ويناضل من أجل إسقاط المخزن وبناء نظامٍ ديمقراطيٍّ يقرّر الشعب المغربي شكله وطبيعته في إطار مجلسٍ تأسيسي، وكونه يناضل من أجل تغييرٍ ثوريٍّ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ شعبيٍّ يرسي سلطة الطبقة العاملة ويقضي على الكتلة الطبقيّة السائدة (البرجوازيّة الكبيرة وملاكي الأراضي الكبار) ويحرّر المغرب من السيطرة الإمبرياليّة ويفتح طريق الانتقال الطويل نحو الاشتراكيّة، ولأنّ النهج الديمقراطي، أخيرًا وليس آخر، يمثّل امتدادًا فكريًّا وسياسيًّا لمنظّمة إلى الأمام الماركسيّة - ال لينين يّة وكفاحاتها المجيدة.
ومهما تجبّر هذا النظام وطغى، فإنّه لن يفلح في وقفِ حركةِ التاريخِ وزحفِ الربيع.

