Menu

ليلة الثلج نفسها ليلة الاعتقال!

ثائر أبو عياش

السجين لا يفكر بما هو داخل السجن، بل بما هو خارجه، ربما هذه الكلمات تحتاج أن نقوم بقراءتها مرات عديدة، لندرك حقيقة أن السجين حتماً عليه أن يفكر في نفسه قبل كل شيء، يعني ذلك عندما يطرق جنود الاحتلال أبواب البيت في البرد القارص، يحتاج السجين أن يطرق خزان الإرادة والقوة على المواجهة، السجين حتماً عليه أن يفكر في نفسه عندما يعتقله الجنود مشياً على الأقدام حتى الوصول إلى المعتقل، إنها طريق أقرب إلى المقصلة وتحتاج أكثر إلى التحرر من الخوف الذي يسبق العقوبة.
كان الأسير "نور الزعاقيق" يقول دائماً: "في الليالي الباردة علينا عدم النوم في البيت"، وهو الذي كان يدرك ماذا يعني الاعتقال في الليالي الباردة؟ فقد خاض هذه التجربة في اعتقاله الأول وهو قد عاش مع البرد صديقاً إلى المعتقل، ولكن ذلك لم يمنع جنود الاحتلال من العودة مرى أخرى واعتقاله  في ليلة وصلت درجة الحرارة إلى الصفر، إنها ليلة الثلج المتساقط من السماء يبعث البهجة في القلوب بلونه الأبيض، ولكن هذا الثلج المتساقط على أكتاف السجناء ليلة الاعتقال، سيبعث "القهر" في نفوسهم وسيصبح لعنة، فالاحتلال يريد منهم أن يكرهوا حتى فرحة الشتاء.
يقول غسان كنفاني : "خيمة عن خيمة تفرق"، ونحن علينا أن نقول: ليلة عن ليلة تفرق! في مكان ما يعيش فيه البشر بكل أنواع الحرية سيفرحون ويلعبون عندما يتساقط الثلج، إلا عائلات السجناء الذين أيقظهم الخوف المتراكم على الأحذية العسكرية للجنود الذي يركضون كالوحوش على درجات البيت، تلك العائلات سوف تعيش الحزن القادم من الفكرة التي تقول: هل من الممكن أن يشعر بالبرد؟ هل تكفي الملابس التي ارتدادها أن تحميه من المطر والثلج؟... إنها أسئلة تحمل معها حكاية أخرى من الحسرة الفلسطينية!
تجلس أم الأسير نور الزعاقيق على شباك المنزل وتنظر إلى الثلج المتساقط وتحلم أن يعود ابنها كما يعود بخار الثلج إلى السماء، هذه الأم جلست على هذا الشباك فرحة بالثلج ليالي كثيرة، ولكن هذه الليلة 15.3.2022 ستبقى تفرق عن أي ليلة أخرى.. إن الاحتلال جاء مع الثلج هنا الأعجوبة وهنا السؤال: كيف يلتقي من يأتي بالفرح مع من يأتي بالحزن؟ 
أم نور هي شقيقة أم سعد التي أخبرنا عنها غسان كنفاني الذي قال فيها: "أم سعد تقف تحت سقف البؤس الواطئ في الصف العالي للمعركة، وتدفع، وتظل تدفع أكثر من الجميع".
لم يتوقف مشهد ليلة الاعتقال عند هذا الحد فوالد الأسير نور هو الآخر يقف على شرفة المنزل يحاور سيجارته التي اعتاد عليها وينظر إلى الثلج، ويبدو أنه كان يعاتب الثلج ويسأله: لماذا هذه الليلة؟ ولكن ربما كان عليه أن يسأل: متى يتحرر الثلج من الأسئلة؟ ومتى نتحرر نحن من الأسئلة التي تقاوم "الحرية"؟ 
إن الثلج ليس هو المشكلة، ولكن نحاول الهروب إلى أي سؤال يجيب عن الاختناق الذي جاء به الجنود ليلة الاعتقال، ذلك الاختناق الذي يحرم الأسير من التقاط حبات البلوط والذهاب بها إلى مدفأة الحطب ويقوم بشوائها لأنه لا تستطيع شراء حبات الكستناء، إن هذا الاختناق سيصبح لوالد نور "حطب الشتاء".
يقول محمود درويش في قصديته ملحمة الظل العالي: "كنت وحــــدك، كم كنت وحـــــدكْ"، تلك هي ليلة الاعتقال وحدك تكون كما حبات الثلج وحدها تكون، ولكن ربما ما زال في  رأس الأسير نور قصة عشق لفتاة برأسه يتذكرها على بوابة السجن، ويعيد صياغة الحكاية من جديد محاولاً البحث عن إجابة لسؤال قد تحاور معه كثيراً: لماذا لم أقوم بشراء وردة لها عندما التقينا المرة الأخيرة؟ يقوم بدفن كل الإجابات غير المنطقية بقلبه ويقول لنفسه: سأزرع لها الكثير من بذور الورد عندما أخرج من السجن، ربما تكون هذه الإجابة هي "الأمل" الذي من خلاله سوف يتحمل الغياب خلف أسوار السجن.
إن الكلمات وحدها لا تستطيع من خلالها وصف ليلة الاعتقال، ولا تستطيع أن تصف اللون الأحمر الذي يأتي من خلف الجبال مصاحباً معه الصباح البارد، ومصاحباً معه الأسئلة: هل عذبوه؟ هل وصلوا الآن المعتقل؟ أين هو الآن؟ هل هو قوي أم خائف؟ هل من الممكن أن يتم الإفراج عنه اليوم؟ كم سيبقى في السجن؟ 
إن الكلمات لن تستطيع أن تأتي لك بالإجابة، سيبقى المجهول وحده يرافق ليلة الاعتقال، المجهول الذي يعاكس المصير، تلك هي ليلة الاعتقال الخوف من المصير... ليلة الثلج نفسها ليلة الاعتقال، تلك حكاية الأسير نور الذي يرفض أن يختنق في خزان سجنه، والذي يفهم ما قاله غرامشي  في رسالته المؤرخة بتاريخ 12 ديسمبر 1927 إلى أمه من السجن: "إن السجن أيضاً يعتبر وسيلة للمواجهة، إن لم يكن وسيلة للترفيه أو على الأقل ضرورة، بحكم أنه لا يخيفني كفرضية ولا يحبطني كواقع"، ويدرك تماماً ماذا قال الشاعر محمود دروش في قصيدته "السجن":
تغيَّر عنوانُ بيتي
وموعدُ أكلي
ومقدار تبغي تغيَّر
ولون ثيابي، ووجهي، وشكلي
وحتى القمر
عزيزٌ عليَّ هنا
صار أحلى وأكبر
ورائحة الأرض: عطرٌ
وطعم الطبيعة: سُكّرْ
كأني على سطح بيتي القديم
ونجم جديد..
بعيني تسمَّرْ.