Menu

لماذا تدخل بوتين فى أوكرانيا؟

مصطفى السعيد

ثلاث قمم للاتحاد الأوروبى وحلف الناتو والدول السبع الكبرى انعقدت فى بروكسل الخميس الماضى للاصطفاف فى مواجهة روسيا، دون أن تتوصل إلى جديد بشأن سبل كسب المعركة، حتى لا تضطر للقبول بعالم متعدد الأقطاب، بعد أن بذلت الكثير من الجهد لتأخير ظهوره، لهذا قررت المضى فى حرب الاستنزاف على أرض أوكرانيا، التى يتقدم فيها الجيش الروسى ببطء، لكن بثقة فى تحقيق أهدافه، بينما أنظار العالم تترقب بقلق نتيجة النزال، الذى سيغير مسار التاريخ، لهذا بلغ التحفز ذروته، لأن أى خطأ فى الحسابات قد يفجر العالم. وكانت دول حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة قد اتفقت على المضى فى ثلاثة مسارات، الأول عسكرى، ويقتصر على تقديم أقصى دعم للقوات الأوكرانية بالأسلحة والمتطوعين والدعم اللوجيستى دون الاشتباك المباشر، والثانى اقتصادى بتنفيذ أكبر قدر من العقوبات والحصار، بما يقوض جبهة روسيا الداخلية، والثالث مواصلة الضغط السياسى والإعلامى لعزل روسيا، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، ولهذا دعت بعض الأطراف المتشددة داخل الحلف إلى تشكيل قوة عسكرية تحت غطاء «حفظ السلام» لتدخل أرض المعركة، وتعديل موازين القوى التى تميل لمصلحة روسيا، أو فرض حظر طيران على تحليق الطائرات الروسية فوق أوكرانيا، لكن كلا الاقتراحين قوبل بالرفض، لأنهما سيؤديان، إلى الصدام العسكرى المباشر، الذى سيتحول إلى حرب عالمية مدمرة.

وكان الرئيس الروسى بوتين قد استبق انعقاد القمة بقرار فرض على الدول الأوروبية المستوردة للغاز سداد القيمة بالروبل الروسى، مما أدى إلى ارتفاع قيمة الروبل، معوضا انخفاضه عند تطبيق العقوبات، كما ارتفعت بورصة موسكو بنحو 20%، لأن الدول المستوردة للغاز الروسى ستكون مضطرة إلى شراء الروبل من البنك المركزى الروسى، وبالتالى ستلغى المقاطعة، ويمكن إجبارها أيضا على إلغاء تجميد الاحتياطيات الروسية فى بنوكها، بالإضافة إلى إنعاش الروبل الروسى برفع الطلب عليه، ليضع بوتين قادة الناتو وأوروبا فى وضع صعب، خاصة فى ظل فشل كل الجهود الرامية إلى إيجاد بديل للنفط والغاز الروسى، حتى بطرق أبواب فنزويلا وتسريع الخطى نحو توقيع الاتفاق النووى مع إيران. ظهرت قوة روسيا بشكل صادم لدول حلف الناتو، وشعر بها العالم كله، رغم أن روسيا لم توقف تدفق النفط ولا الغاز، وتلتزم حتى الآن بضخهما، وارتفعت أسعار النفط والغاز والقمح والغذاء، وموجات التضخم تضرب العالم من مشرقه إلى مغربه لمجرد توقع توقف أو انخفاض الصادرات الروسية نتيجة العقوبات التى فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا، ولم تبادر بها روسيا أو تستخدمها حتى الآن، وتركت حبل العقوبات يلف على رقاب من قرروها.

لا تقتصر القوة الروسية على ما لديها من غاز ونفط وقمح، بل لديها أيضا الأخشاب والكثير من المعادن النادرة وأكبر فائض فى العالم من المياه العذبة، لكن الأهم هو التطور المذهل فى التكنولوجيا العسكرية، والتى ظهر القليل منها فى الحرب الأوكرانية، بإطلاق صاروخ كينجال وهو أول صاروخ فرط صوتى يجرى استخدامه فى المعارك، والأسرع من الصوت عشر مرات، والقادر على تدمير التحصينات والسفن الحربية، وقدرته التدميرية هائلة، ولا يمكن لأى منظومة دفاع جوى اعتراضه حتى الآن.

وإذا كانت روسيا تمتلك العديد من الأسلحة الأكثر تطورا، فإن مخابرات دول الناتو امتلكت سلاح الثورات الملونة، وهو منتج فعال، مكون من خليط يجمع بين العمل المخابراتى والإعلامى والنفسى والسياسى، وضرب بنجاح فى أكثر من مكان، على رأسهم روسيا وعدد كبير من حلفائها المقربين، واحتاجت أوكرانيا إلى ثورتين ناجحتين فى 2004 و2014 لكى تتحول من دولة شقيقة إلى خصم لدود.

المؤكد أن بوتين كان يعلم أن أوكرانيا قد تهيأت لتكون فخا لاستنزاف قواه، فالشواهد كثيرة على تهيئة الفخ الأوكرانى منذ ثورة 2004 الملونة، والتى انتعشت أثناءها الجماعات القومية المتطرفة، مثل جماعة القاع الأيمن وكتيبة آزوف وغيرهما، والأسلحة تتدفق بغزارة على الجيش الأوكرانى، وخبراء حلف الناتو يتولون التدريب والتخطيط، لأنهم يدركون استحالة هزيمة روسيا فى حرب تقليدية، ولهذا رأوا استدراجها إلى حرب غير تقليدية أمام جماعات عقائدية، لكن بوتين قرر التحدى، والاندفاع إلى معركة يصعب تجنبها، لأنه يعتقد أن أوكرانيا تستحق، وأن الجائزة كبيرة، وأن روسيا قادرة على كسبها.