Menu

الحرب في أوكرانيا من زاوية أخرى

التيتي الحبيب

لو لم تتوفر الرأسمالية على بضاعة ما لسارعت إلى إنتاجها. في السنتين الأخيرتين عاشت المنظومة الرأسمالية أخطر لحظاتها مع جائحة كورونا -كوفيد 19 التي عرت على حقيقة هذه المنظومة الاقتصادية والاجتماعية السياسية.

لقد فشلت في توفير أبسط وسائل مواجهة الوباء من كمامات وأسرة طبية وأجهزة التنفس… هل ستنسى البشرية مثلا أن الصناعة الرأسمالية تخلفت عن أن تنتج الكمامات وعن أن تلبي الحاجيات الهائلة من هذه الوسيلة البدائية للوقاية من العدوى؟ ألم تمارس الدول الكبرى من جديد القرصنة وسرقة الكميات المعبأة في مخازن المطارات في انتظار شحنها لأصحابها، فاذا بالقوى العسكرية والطائرات المسخرة تستولي على تلك الكميات وتشحنها لوجهات أخرى غير الوجهات ذات الحق، من منظور قوانين التجارة الدولية والقانون المنظم لها؟ رجعت الإمبريالية إلى أصلها العدواني المكشوف وطوحت بأقنعة حقوق الإنسان وقوانين المنتظم الدولي.

خلال الشهور الأولى من اندلاع الجائحة عاشت شعوب البلدان الإمبريالية، لحظات لن تنمحي من ذاكرتها، لما تخرج من تأثير الجائحة، فإن هذه الشعوب ستطالب بالحساب.

إن الطبقات المهيمنة وأجهزة دولتها، تعلم بأنها ستتعرض إلى حتمية كشف الحساب عن كل الجرائم المرتكبة وعن مسؤولية هدر آلاف الأرواح، إبان الجائحة، ولأنها تخاف مثل هذه المواجهة: فكيف خططت للخروج منها؟ ما يقع اليوم من حرب على أوكرانيا هو جزء لا يتجزأ من الجواب، حيث شكلت الحروب منفذا رحبا للدول الإمبريالية، ساعدها على تحقيق أمرين اثنين: الأول تحقيق وحشد الإجماع الوطني وراء شعاراتها لمواجهة العدو الخارجي.

ساعد ذلك على عزل المعارضة والتنكيل بها واضعاف القوى الحزبية والمجتمعية، وبالتالي إعطاء نفس جديد للمشروع الإمبريالي العدواني. والهدف الثاني وهو أساسي في منطق وبنية نمط الإنتاج الرأسمالي وهو اعتماد الصناعات الحربية وتوابعها، من أجل إنعاش الدورة الصناعية وإعادة ترتيب العجلة الاقتصادية والصناعية، من خلال حاجيات الحرب وسوقها.

هكذا يجب علينا فهم هذه الاصطفافات حول الحرب في أوكرانيا، إنها مناسبة ضخ دماء الشوفينية والنزعة العدوانية بين الشعوب، حتى يتسنى لأمراء الحرب الانقضاض على القوى الثورية عبر العالم، ومن جهة أخرى، إلهاء الشعوب المكتوية بآثار جائحة كوفيد وتعطيل كشف الحساب أو التقليل من أهمية الجرائم ودفنها تحت أنقاض حرب عالمية غير معلنة، تجري أحداثها على أرض أوكرانيا، ويؤدي ثمنها الشعب الأوكراني وشقيقه الشعب الروسي، خدمة لمصالح قوى يهمها نفوذها ومغانمها المباشرة وغير المباشرة.

إن النضال من أجل وقف الحرب هو نضال من أجل السماح لشعوب المنطقة، وفي العالم لكي تحاسب المنظومة الإمبريالية وأنظمتها عن مخلفات كوفيد وعن كون هذه المنظومة لا تصلح إلا لمزبلة التاريخ. إن هذه الحرب هي هدية يمنحها المستبدون لأنفسهم لتعطيل سير التاريخ، نحو القضاء على الرأسمالية وبناء الاشتراكية مستقبل البشرية.