على مر تاريخ شعوب هذا العالم والبشرية جمعاء، وخصوصا تاريخ الثورات التحررية، لم يُكتب ولم نقرأ أن جميع هذه الثورات قد كللت بالنجاح، فهناك ثورات نجحت في تحقيق الأهداف التى انطلقت من أجلها وهناك ثورات قد فشلت، والنجاح أو الفشل هنا، يرجع لمجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية، ويبقى العامل الذاتي هو الأساس والمحرك لنجاح أو فشل الثورة.
في الجزائر على سبيل المثال استمر الاستعمار أكثر من مئة وثلاثون عاما، اندلعت خلالها العديد من الثورات، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ثورة عبد القادر الجزائري من عام 1832 إلى عام 1847، وثورة القبائل بقيادة لاله فاطمة نسومر من عام 1851 إلى عام 1857، وثورة أولاد سيدي الشيخ من عام 1864 إلى عام 1880، وثورة الطوارق من عام 1881 إلى عام 1919، وأخيرًا، الثورة الجزائرية الكبرى والتى كللت بالنصر والتحرير من عام 1954 والانتصار في عام 1962.
القصد من هذا السرد التاريخي للثورات الجزائرية هو أن معركة التحرر الوطني لا تقاس بعدد السنين، بل تقاس بالعزيمة والإصرار وطول النفس مهما طال الزمن، وتاريخ الثورات الجزائرية خير مثال على ذلك، مائة وثلاثون عاما استمرت الثورات وتتالت إلى أن كللت بالنصر والتحرير، أما السبب الثاني لذكر الجزائر بالذات هو التشابه النسبي بين الاستعمار الفرنسي للجزائر، والاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين، فالاستعمار الفرنسي كان استعمار استيطاني، وكانت فرنسا تعتبر الجزائر قطعة من فرنسا، والاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين هو استعمار استيطاني احلالي، وتشابه الاستعمار الصهيوني مع الاستعمار الفرنسي، يعني أن معركتنا مع هذا الاستعمار وللخصوصية الاستيطانية الاحلالية، هي معركة طويلة وتحتاج إلى نفس طويل، من هنا كانت مقولة حكيم الثورة والشعب الفلسطيني، القائد الخالد جورج حبش – معركتنا مع العدو قد تستمر مئة عام او اكثر وعلى قصيري النفس التنحي جانبا - فلسطينيًا، ابتدأت المقاومة الفلسطينية منذ بدء الغزو الاستيطاني لأرض فلسطين، فكانت ثورة 1920، وثورة يافا 1921، وثورة البراق 1929، والثورة الفلسطينية الكبرى 1936، وصولا إلى النكبة، ثم قيام منظمة التحرير الفلسطينية والثورة الفلسطينية الحديثة، في ستينيات القرن الماضي، وجميع هذه الثورات انتهت بالفشل، والفشل الأخير ما زلنا نعيش آثاره في اتفاق الذل والعار: أوسلو، ولم تحقق هذه الثورات الأهداف التي انطلقت من أجلها، وكان للعامل الذاتي الأثر الأكبر في فشل هذه الثورات، خصوصا القيادة البرجوازية الإقطاعية لمعظم هذه الثورات.
إن مؤشرات الفترة الأخيرة، تبشر بولادة الثورة الجديدة او الحقبة الجديدة في التاريخ الثوري الفلسطيني، ثورة تستفيد من دروس وعبر الثورات السابقة، وخصوصا الدروس المتعلقة بالعامل الذاتي، والشيء المؤكد هنا: أن النصر والتحرير قادم، فهذه حتمية تاريخية وإن طال الزمن.

