Menu

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان

سعاده مصطفى أرشيد

ليس بالخبز وحدة يحيا الإنسان، ولكن الخبز أولا كان لعبد الرحمن بن خلدون الريادة في مجالات متعددة من المعرفة والفكر، ومنها انه أول من تحدث في النظريات السكانية، ثم علاقتها بالتطور والغذاء، ذلك في مقدمته الشهيرة، فقد نظر ابن خلدون للازدياد السكاني المنظم بشكل ايجابي، وربط بين النمو العددي للبشر، على انه دافع لتنظيم العمل وتقسيمه، وللتخصص في المهن و الصنائع.

بعد قرون من رحيل ابن خلدون، فاق الازدياد في عدد السكان تقديراته، وعادت، مسألة الازدياد بمتوالية هندسية تطرح للنقاش باعتبارها، مسألة اجتماعية واقتصادية وفلسفية، وأنها مسألة امن قومي وإنساني بالمفردات المعاصرة، ولم تستطع الاكتشافات الجغرافية لعالم جديد إيجاد حل لهذا النمو المسارع، وكان أول من تصدى وتحدث في ذلك الفيلسوف الانكليزي مالثوس، إذ لاحظ أن الازدياد في عدد السكان لا يتناسب، لا بل يفوق رقعة الأرض الصالحة للزراعة وتلك التي يمكن استصلاحها لإنتاج الغذاء والتي تبقى لها حدود لا تستطيع تجاوزها، فيما الزيادة السكانية مفتوحة على مصراعيها، وهو أمر غير متناسب لصالح الزيادة السكانية.

على هذا الأساس أقام مالثوس نظريته، والتي درس بها التاريخ أيضا، وتحديدا تواريخ الأوبئة ومنها الطاعون الشهير الذي أصاب العالم ما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر والذي أودى بحياة ثلث سكان المعمورة، وكانت حساباته انه لولا تلك الكارثة التي أبادت عشرات الملايين من البشر لكان الغذاء المنتج لا يكاد يكفي لمن يكونوا أحياء في زمن مالثوس، بموجب ذلك يعود للقول أن التزايد المستمر للبشر لا بد وأن يصل إلى مرحلة أن لا تكفي مصادر الغذاء لإقامة أود البشر، اثر التقدم في العلوم والطب وانتشار الوعي الصحي وزيادة الخصوبة البيولوجية للإنسان، ارتفع معدل الأعمار وانخفضت وفيات الأطفال، وتم القضاء على أوبئة خطيرة، فيما لم تستطع الأوبئة المستحدثة الفتك بأعداد كبيرة من البشر، فاخذ عدد سكان العالم يزداد بطريقة مرعبة مما أعطى مصداقية وأكد أسباب قلق مالثوس، فقد كان عدد سكان العالم عند بدء التقويم الميلادي مائة وخمسين مليونا، وبعد ألف عام ارتفع ليصل إلى ما بين مائتين وخمسين إلى ثلاثمائة مليون، وعند مطلع القرن العشرين وصل العدد إلى مليار ونصف، أما اليوم فهو على حافة الثمانية مليارات إنسان ومرشح لزيادات مخيفة في كل عقد قادم.

في محاولة أممية لمعالجة، مسألة الغذاء تأسست وكاله تابعه للأمم المتحدة باسم منظمة الأغذية والزراعة ( F.A.O )، وبالرغم من تواضع انجازاتها، إلا أنها المصدر الأهم للمعلومات المتعلقة بمجالها، حسب مصادرها انه بسبب التغيرات المناخية وجائحة كورونا حصلت في العامين الماضيين ارتفاعات خارجة عن السيطرة في أسعار الغذاء العالمي، فارتفع سعر فول الصويا بنسبة 52% كذلك الذرة والقهوة والسكر وبالطبع القمح والشعير بنسب متفاوتة ولكن عالية، لكن مع اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية شهدت الأسعار ارتفاعات سريعة وكبيرة، فروسيا وأوكرانيا تنتجان 30% من كل من القمح والشعير بالعالم و 23& من الذرة وما يزيد عن 50 % من بذور دوار الشمس، سيعمل القتال الدائر على تعطيل موسم زراعة كثير من المحاصيل، فيما يضع ما يزرع تحت خطر الاحتراق والتدمير بسبب العمليات القتالية، فيما المزارعون ما بين منخرطين بالقتال او هاربين منه بالهجرة، ومن الجدير ذكره أن 70% من استهلاك العالم العربي من القمح والشعير يأتينا من روسيا وأوكرانيا.

حكوماتنا وشعوبنا ستكون الأكثر تأثرا بالحرب الروسية – الأوكرانية، لا في السياسة فحسب وإنما في أمنها الغذائي، الذي سيصاب بجراح فادحة، لأسباب بنيوية تتعلق بالحكم غير الرشيد والإدارة الفاشلة للموارد، وللأسباب المتعلقة بالحرب والتي أدت إلى ارتفاع كبير في الأسعار ومخاطر ضعف الإمداد، عالمنا العربي أفرط بالاعتماد بتلك النسبة العالية على قمح روسيا وأوكرانيا، هذا ما سيضعنا في وقت غير بعيد أمام أزمة غذاء حادة و قد تصل إلى حواف المجاعة، يضاف إلى ذلك أن روسيا وهي الأقل تضررا بالحرب قد تشترط على الدول التي أخذت مواقف سلبية منها شراء القمح بالروبل الروسي لا بالعملات التي تعتبرها غير صديقة مثل الدولار الأميركي أو اليورو أو الجنيه الإسترليني، وهو أمر أوقع ألمانيا القوية في ذات المأزق عندما أصرت موسكو على بيع الغاز بعملتها القومية.

تظهر الأحداث المتعلقة بالغذاء والطاقة أننا أمام تحول جديد في التعاطي مع نظرية القوة، فهذه الحرب أرتنا أن القوة ليست فقط بالجنود والآليات القتالية والطائرات و الصواريخ وما إلى ذلك، وإنما القوة هي بامتلاك مصادر الغذاء والطاقة، كم هي واضحة قدرة دولة مثل روسيا اليوم على استعمال هذه القوة دون دوي السلاح وفي أماكن بعيدة، عن طريق تجويع من تريد أن تخاصم أو إطعام من تريد أن تحالف، قدرتها على تعطيل دورة الحياة الصناعية والاقتصادية لا بل والإنسانية لمن لا يستطيع الاستغناء عن غازها أو نفطها، كما بدت ألمانيا القوية تتلعثم في مواقفها، هذا بعض ما حاول المقال الإشارة إليه.

يقول المسيح: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، وذلك قول لا مراء فيه، ولكن المسيح يؤكد في ذات القول ( الآية )، أن الإنسان لا يحيا بدون الخبز وأن الخبز أولا، فهو الذي يمثل أساس الشعور بالأمن الغذائي.