منذ تأسيسِ النظامِ الدوليّ الحديث وَفْقَ ما أرسته خريطةُ توازن القوى العالميّة بعدَ انتهاء الحرب العالميّة الثانية عام 1945، وهذا النظامُ يتعرّض لاختراقاتٍ وأزماتٍ متتاليّةً نالت كثيرًا من توازنه الهندسيّ الذي تضمّنه ميثاقُ الأمم المتّحدة من أهدافٍ ومبادئ.
كانت أهمَّ معالمِ هذا النظام هو أنّه أضحى نظامًا ثنائيَّ القطبيّة تقوده قوّتان عالميّتان؛ الولايات المتّحدة، والاتّحاد السوفييتي؛ تعبّر كلٌّ منهما عن كتلةٍ ضخمةٍ من الأمم والشعوب، انخرطت في تحالفٍ حزبيّ، وهكذا ظهر حلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ معبّرًا عن كتلةٍ غربيّةٍ تقودانها الولاياتُ المتّحدة، وحلف وارسو؛ معبّرًا عن الكتلة الشرقيّة أو الشيوعيّة. من أبرز الأزمات التي واجهت هذا النظام العالمي الثنائيّ القطبيّة، وكانت أشبه باختباراتٍ شديدةِ القسوة، لقدرته على الصمود والتكيّف، الحرب الكورية عامي 1950 – 1951، والأزمة الكوبية عام 1960، ثمّ حرب فيتنام، لكن أخطر هذه الأزمات أو الأحداث على الإطلاق كان سقوط الاتّحاد السوفييتي، وتفكّك حلف وارسو، الذي أسدل الستار نهائيًّا عن النظام الدولي الثنائي القطبية، وأطلق العنان للقوة الأمريكية كي تفرض نفسها "قوّة إمبراطوريّة"؛ تقود العالم متفرّدة بعد تداعى الاتّحاد السوفييتي وانفراطه.
الآن، وبتفجير الحرب في أوكرانيا التي بدأت بدخول القوّات الروسيّة يوم 24 فبراير 2022 إلى أوكرانيا، يمكننا أن نقول: إنّ هذهِ الحرب، بكلّ ما تشهده من تطوّراتٍ وما تحدثه من تداعيات، سوف تضع نهايةً للنظام الأحادي القطبيّة الأمريكي، أو على الأقل نقول: إنّها يمكن أن تعجّل بنهاية هذا النظام، أي بنهاية السيطرة والتسلّط الأمريكي على العالم لصالح نظامٍ آخرَ بديل، قد يكون "نظامًا لا قطبيًّا" بمعنى عدم حسم التشكّل الهندسيّ بين القوى المتصارعة على الزعامة الدوليّة، وقد يصبح نظامًا متعدّد الأقطاب يضمّ الولايات المتحدة ويضمّ أوروبا قوّةً عالميّةً، ويضم روسيا والصين قوّتين عالميّتين، وقد يصبح ثلاثي القطبيّة وَفْقًا لما سوف تؤول إليه الأزمة الأوكرانيّة من توحّدٍ أوروبيّ- أمريكيّ من ناحية، وتفوّقٍ روسيٍّ من ناحيةٍ أخرى، انتظارًا لما يمكن أن يؤول إليه الصراع الهائل الآخر، المؤجّل مؤقّتًا حول تايوان بين الصين والولايات المتّحدة الذى يمكن أن يعلن عن تبوء الصين موقع زعامةٍ عالميّةٍ مشاركةٍ في الزعامة الدوليّة لنظامٍ عالميٍّ جديد.
حربُ أوكرانيا والأحاديّةُ القطبيّة:
في سنوات الحرب الباردة، التي مثّلت أوج الصراع الأمريكيّ – السوفييتي على الزعامة الدوليّة في النظام الدولي الثنائيّ القطبيّة، كان خطر اندلاع حربٍ كونيّةٍ يمكن أن تتطوّر إلى "حربٍ نوويّة" محور اهتمام الاستراتيجيّات الأمنيّة الأمريكيّة والسوفييتيّة. وكان هذا الوضع يستدعي أن تركّز كلٌّ من القوّتين العظميين اهتماماتها لاحتواء مساعي السيطرة التي تقوم بها كلٌّ منهما على المستوى العالمي. وفى ظلّ ذلك المناخ كانت التطوّرات التي تجرى، حتى في أقصى المناطق النائية، تؤثّر في المكانة العالميّة للولايات المتّحدة والاتّحاد السوفييتي، وكان من المتعذّر على كلٍّ منهما تجاهل تلك التطوّرات، لكن بسقوط هذا النظام بانتهاء الحرب الباردة، وتفكّك الاتّحاد السوفييتي وسقوط حلف وارسو ابتداءً من عام 1991، الذى شهد قيادة الولايات المتّحدة لتحالفٍ دوليٍّ ضخمٍ خاضت به حربًا ضروسًا ضدّ العراق تحت شعار "تحرير الكويت من الاحتلال العراقيّ"؛ أخذت اسم "عاصفة الصحراء"، بدأت الولايات المتّحدة السعي لفرض هيمنتها وتفرّدها الكامل ليس على الخليج العربيّ وحده، بل على العالم كلّه.
لقد وصل غرورُ القوّة بالولايات المتّحدة إلى حدّ التلميح بتجاوز الأمم المتّحدة للدفاع عن مصالحَ أمريكيّةٍ مهدّدة، وبالسعي لفرض الزعامة الأمريكيّة حتى على حساب القوى الغربيّة الحليفة. فقد هاجمَ هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق تعويل إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون على الأمم المتّحدة لاستصدار قرارٍ باستعمال القوّة للدفاع عن مصالحَ أمريكيّة، وطالب بأن تتولّى الولايات المتّحدة، بنفسها، الدفاع عن مصالحها، لذلك عندما قامت الولايات المتّحدة بتوجيه ضربةٍ جويةٍ لمقر المخابرات العراقيّة ردًّا على ما أسمته بالمحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس الأسبق جورج بوش، قالت مادلين أولبرايت، وقت أن كانت رئيسة للوفد الأمريكي بالأمم المتحدة: "نحن لم نطلب موافقة أحد للقيام بتلك الغارة، ولم نطلب مساعدة فيها، وقمنا مستخدمين قواتنا وحقنا في الدفاع عن النفس"، أما التشاور والتنسيق فيكون، كما ذكرت: "أينما يكون تهديدٌ لسلامٍ دوليٍّ يؤثّر علينا ولا يهدّد بصورةٍ فوريّةٍ مواطنينا وأراضينا، سيكون من مصلحتنا أن نتحرّك بمشاركة آخرين".
وقد حدد التقرير الذي أعدّته وزارة الدفاع الأمريكيّة، في ظلّ سيطرة جناح المتشدّدين اليمينيين أمثال: بول ولفوفيتز، معالم إطار الإدارة الأمريكيّة للنظام العالميّ في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، وسقوط حلف وارسو، وبزوغ القوّة الأمريكيّة قوّةً عالميّةً "إمبراطوريّةً" مهيمنة، على النحو الذي كان يصفها به تيار المحافظين الجدد، الذي جاهد من أجل فرض الولايات المتّحدة قوّةً "إمبراطوريّة" تقود العالم بتفرّد، دون مشاركةٍ من الآخرين. فقد احتوى هذا التقرير على خمس مهمّاتٍ أساسيّةٍ يجب أن تقوم بها الولايات المتّحدة لضمان زعامتها المتفرّدة على العالم هي:
- أن يجرى منع اليابان وأوروبا – وقائيًّا – أن تتحوّلا إلى قوّةٍ عسكريّةٍ كبرى، أو إلى قوّةٍ عالميّةٍ منافسةٍ لأمريكا، وذلك من خلال إبقائهما داخل المناطق الأمنيّة الواقعة تحت السيطرة الأمريكيّة.
- تتمُّ إعاقة تشكيل تحالفٍ أمنيٍّ أوروبيٍّ مستقلّ؛ لأنّ حلفًا كهذا سيؤدى إلى تقويض "الناتو" الذي يعد بمثابة أداة لاستمرار الهيمنة الأمريكيّة في أوروبا.
- منع الانتشار النووي، وإذا دعت الضرورة بتدخّلٍ عسكريٍّ أمريكيٍّ منفرد، حتّى في أوروبا، وفى دول الاتّحاد السوفييتي السابق.
- ردع المنافسين المحتملين حتى من التفكير والطموح بتأدية دورٍ إقليميٍّ أو عالميٍّ أكبر.
- تستمرُّ القوّاتُ الأمريكيّةُ النوويّةُ الأمريكيّةُ في اعتبار أنّ روسيا هي مصدرُ التهديد النووي الوحيد للولايات المتّحدة، وسيتمُّ توجيهُ السياسة الأمريكيّة لمنع تلك الدولة أن تصبح، مرّةً ثانية، قوّةً تكنولوجيّةً من الطراز الأوّل.
وَفْقَ هذه المهام الخمس أدار الأمريكيّون النظام بحافز "القوّة الإمبراطوريّة" أحاديّة الالتزام بمصالحها دون أي التزامٍ بمصالح أحدٍ حتّى لو كان حليفًا، سواءً في أوروبا أو اليابان، لكن روسيا هي التي نالها القدرُ الأكبرُ من عمليّات الإذلال والتهميش والإهانة المتعمّدة، ابتداءً بتفكيك الاتّحاد السوفييتي إلى جمهورياتٍ، والبدء باحتواء هذه الجمهوريات، وقبلها كان احتواء دول شرق أوروبا (دول حلف وارسو سابقًا) ثمّ بدأت عمليّات حصار روسيا للحيلولة؛ دون عودتها مرّةً ثانيةً قوّةً عالميّةً قادرةً على المنافسة الدوليّة، ناهيك عن التنكّر الأمريكيّ – الأطلسيّ المتعمّد عن أية اتفاقياتٍ أو مواثيق يتمّ التوصّل إليها مرحليًّا مع روسيا.
كانت البداية هي تفكيك الاتحاد السوفييتي وفق ما اتفق عليه بين الرئيسين السوفييتي ميخائيل جورباتشيف ووزير خارجيته إدوارد تشيفارد نادزه والرئيس الأمريكي جورج بوش (الأب) ووزير خارجيّته جيمس بيكر، حيث تمَّ الاتفاقُ رسميًّا من حيث المبدأ على أنّ الاتّحاد السوفييتي القديم سوف يتفكّك إلى "جمهوريّات" متعدّدة ومختلفة، في مقابل أن يلتزم حلف الأطلسي (الناتو) بعدم التوسّع إلى ما وراء حدوده الحالية (آنذاك) أي أن يتعهّد حلف "الناتو" بعدم اتّخاذ أي إجراءٍ يمكن اعتباره معاديًّا ومهينًا بشكلٍ مباشرٍ لروسيا الاتّحاديّة في أيٍّ من دول الكتلة الشرقيّة السابقة (بولندا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا ودول البطليق الثلاث على سبيل المثال)، لكن ما حدث كان العكس تمامًا.
فعلى الرغم من أنّ سقوط حلف وارسو وتفكّك الاتّحاد السوفييتي، قد أنهى مبرّرات وجود وبقاء حلف الناتو، حيث تأسّس هذا الحلف لمحاصرة الاتّحاد السوفييتي والكتلة الشيوعيّة التي ضمّها "حلف وارسو"، فإنّ حلف الناتو ازداد توحّشًا ضدَّ روسيا. لم يكتفِ الغربُ بإلغاء أيّ التزامٍ باتفاق "شيفارد نادزه – جيمس بيكر"، حيث تمَّ دمجُ إسقاط نظم الحكم في دول شرق أوروبا عبرَ "ثوراتٍ ملوّنة" أدارتها المخابرات الغربيّة، والمجيء بنظم حكم مواليةٍ للغرب ومعاديةٍ لروسيا، وبعدها تمّ دمجُ دول شرق أوروبا في الاتّحاد الأوروبيّ ثمّ في حلف الناتو، وبعدها حدث الشيء نفسه في جمهوريات البلطيق الثلاث التي كانت عضوًا سابقًا في الاتحاد السوفييتي، وبقيت أوكرانيا وجورجيا تستعدّان للانضمام إلى المركب الغربي؛ فضلًا عن ذلك لم يقبل الغرب بروسيا الجديدة التي أنهت كلّ علاقةٍ لها بالحكم الشيوعيّ السابق، بل عمد القادة في واشنطن وبروكسل إلى انتهاج سياسة إذلالٍ للقيادة الروسيّة، ومطالبة روسيا بالتخلّي عن أيّ سياسةِ استقلالٍ حقيقيٍّ أو المطالبة بأيّ نوعٍ من الشراكة الحقيقيّة مع الغرب، على نحو ما حدث من إنكارٍ غربيٍّ لـ "مذكّرة بودابست" بشأن الضمانات الأمنيّة المؤرخّة في 5 ديسمبر 1994.
فمن خلال هذهِ الاتّفاقيّة أكّدت كلٌّ من روسيا والولايات المتّحدة وبريطانيا اعترافها بأنّ بيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا أصبحوا أطرافًا ممثّلين في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوويّة، وبأنّ هذه الدول قبلت التخلّي، وبشكلٍ فعّالٍ عن ترسانتها النوويّة لصالح روسيا، وفى المقابل اعترفت روسيا بسلامة أوكرانيا المحايدة وسيادتها، غير العسكريّة وغير المعادية. لكن واشنطن لم تحترم أبدًا هذه الاتفاقية، ولم تعتبر أنّها ملزمةٌ قانونيًّا باحترامها، وعملت على إسقاطها شعبيًّا داخل أوكرانيا عبرَ تمويل انقلابٍ سياسيٍّ ودعمه، قد أنهى الحكم الأوكراني الموالي لروسيا (ثورة فبراير 2014) وفرض نظام حكم موال للغرب ومعاد لروسيا، وحريص على ضم أوكرانيا إلى حلف "الناتو"، وممعن في انتهاك كل الحقوق السياسية والإنسانية للمواطنين الأوكرانيين (من أصل روسي) في شرق أوكرانيا (إقليم دونباس)، حيث تم إقصاء كل من له علاقة مع روسيا من العملية السياسية، وانتهج قادة أوكرانيا سياسة شديدة الاستفزاز في عدائها مع روسيا، وارتباطها بالغرب والسعي الدؤوب للالتحاق بحلف الناتو، وتبنى قوانين عدائيّة استفزّت موسكو على غرار ما يسمى بـ "قانون الشعوب الأصليّة في أوكرانيا" الذى عدّ كل ذوى الأصول الروسية ليسوا من شعوب أوكرانيا، ولا يحق لهم التمتع بميزات خاصة فيما يتعلق باللغة والثقافة، وإلزام جميع موظفي الدولة باستخدام اللغة الأوكرانية حصرًا، وتغيير أسماء المدن التاريخيّة التي بناها القياصرة الروس، ناهيك عن تصريحات الرئيس الأوكراني بالرغبة في الحصول على أسلحةٍ نوويّة، وإغلاق مصانع محرّكات الطائرات والسفن التي يعتمد عليها الجيش الروسيّ في إطار سياسة التكامل بين البلدين.
الوثيقة التي أعلن العثور عليها وقت اجتياح القوات الروسية لأوكرانيا المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية الميجور جنرال ايجور كوناشينكوف، كشفت مدى خطورة ما كان يدبر من حكومة كييف للروس في إقليم الدونباس شرقي أوكرانيا، حيث أعلن أنّ "العمليّة العسكريّة الخاصّة للقوّات المسلّحة الروسيّة، التي بدأت في 24 فبراير أعاقت وأحبطت هجومًا واسعَ النطاق للمجموعات الضاربة للقوّات الأوكرانيّة على جمهوريتى لوجانسك ودونيتسك (بإقليم الدونباس اللتين اعترفت روسيا باستقلالهما عن أوكرانيا قبيل بَدْءِ العمليّة العسكريّة) في مارس الجاري، وقبل ذلك أمعن الأوكرانيون بعدم الالتزام باتفاقيّة مينسك لعام 2015 وفق ما عُرف بـ "صيغة نورماندي" بين كل من روسيا وفرنسا وألمانيا وأوكرانيا.
نظامُ ما بعد الحرب الأوكرانيّة:
على الرغم من أنّ الحرب الدائرة حاليًّا في أوكرانيا تأخذ، في مظهرها العام، شكلَ الصراع الثنائيّ بين روسيا وأوكرانيا، إلا أنّها في واقع الأمر صراعٌ بين الولايات المتّحدة وحلف شمال الأطلسي ضدّ روسيا؛ بهدف إعادة تطويع التمرّد الروسي على الزعامة الأمريكيّة، وفرض استمراريّة بقاء النظام الأحاديّ القطبيّة، وإحباط المسعى الروسيّ – الصينيّ للتأسيس لنظامٍ عالميٍّ جديدٍ يأخذ في اعتباره توازنات القوّة العالميّة الجديدة.
أوكرانيا ليست إلا رأس رمح في صراعٍ كبيرٍ تخوضه الولايات المتّحدة وحلف "الناتو" ضدّ روسيا، والهدف هو كسرُ الإرادة الروسيّة دونَ الوقوع في خطرِ حربٍ مباشرةٍ أمريكيّة - روسيّة قد تتطوّر إلى استخدام السلاح النوويّ. فأوكرانيا، من المنظور الأمريكيّ ليست إلا مصيّدةً لروسيا يأمل الأمريكيّون أن تكون بمثابة "أفغانستان أوروبيّة" لروسيا تخرج منها روسيا ضعيفةً ومفكّكةً وقابلةً للاختراق والاحتواء على نحوٍ ما سبق أن حدث للاتحاد السوفييتي في "المستنقع الأفغانستاني". أمّا من المنظور الروسيّ يريدها الروس تمرّدًا على "البقاء الروسيّ الأبديّ خلف الحافلة" والتقدّم لخطواتٍ كبيرةٍ في صدارة القيادة والزعامة العالميّة.
كانت أوكرانيا دائمًا هي مصدّرُ التوتّر المتعمد والمستمرّ لروسيا بتحفيزٍ أمريكيٍّ – أطلسيّ، وخاصّة مجمل التطوّرات التي حدثت ابتداءً من عام 2008. ففي هذا العام، وفى قمة "بوخارست"؛ أبدت أوكرانيا رغبتها الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وكان ذلك بمثابة جرس إنذارٍ لروسيا، رغم استمرار التعاون بين موسكو وكييف إلا أنّ الولايات المتّحدة اتّجهت في العام ذاته إلى دفع جمهوريّة جورجيا للابتعاد عن موسكو، ما دفع الأخيرة (موسكو) إلى دعم حركاتٍ انفصاليّةٍ في جورجيا؛ ردًّا على سياسة جورجيا المعادية لروسيا، واستمرَّ التوتّر في العلاقات الروسيّة – الأوكرانيّة، وأسهم إعلان موسكو عام 2014 عن استعادة شبه جزيرة القرم، ودمجها في الاتّحاد السوفييتي في تصعيد التوتّر الأوكراني مع روسيا؛ سعيًا لاستعادة شبه جزيرة القرم إلى الجمهوريّة الأوكرانيّة، وتمَّ احتواءُ هذا التوتّر بالتوقيع على اتفاقيّة حملت اسم "مينسك" عاصمة جمهوريّة روسيا البيضاء، حيث جرت المفاوضات عام 2014، لكن هذه الاتّفاقية لم تصمد، وحصل اتفاق آخر في مينسك عام 2015، ثبت الاستقرار من خلال منح حكمٍ ذاتيٍّ لإقليمي دونيتسك ولوهانسك الأوكرانيين الواقعين في منطقة "الدونباس"، ذات الأغلبيّة السكانيّة الروسيّة الطاغية، بوساطةٍ ورعايةٍ أوروبيّة، خاصّة من ألمانيا وفرنسا في ما عُرف بـ "صيغة نورماندي" التي ضمّ روسيا وأوكرانيا وألمانيا وفرنسا.
فشل اتفاقية "مينسك" عام 2014 كان سببه الانقلاب الذى وقع في أوكرانيا في العام ذاته، وحمل اسم "الثورة البرتقاليّة" برعايةٍ أمريكيّةٍ كاملة، أداره شخصيًّا كلٌّ من: جو بايدن نائب الرئيس الأمريكيّ حينذاك، والسيناتور جون ماكين، والسفيرة فيكتوريا نولاند مندوبة أمريكا في "الناتو"، التي كانت في ذلك الوقت مساعد لوزير الخارجيّة الأمريكيّ للشؤون الأوروبيّة الآسيويّة، حيث قاموا، عبرَ السفارة الأمريكيّة في كييف وعملائها الأوكرانيين، وعبر عمليّاتٍ استخباراتيّة، بعزل الرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يانوكوفيتش (25/2/2010 – 22/2/2014) الذى التزم، إدراكًا منه لمصالح بلاده، بالحياد بين روسيا وبين "الناتو" وقيامهم بتعيين رئيس حكومةٍ متعصّبةٍ في ولائها للغرب هو اليهوديُّ الصهيونيّ "أرسينى باتسينوك" الذى أدار في البرلمان الأوكراني عمليّةً لقطع الصلات مع روسيا، من حيث اللغة والثقافة والآداب والتاريخ، رغم وجود 40% – 50% من سكان شرق أوكرانيا (منطقة الدونباس) من أصولٍ روسيّة، ناهيك عن وجود 70% - 80% من الروس في شبه جزيرة القرم، وكانت تلك الإجراءات حافزًا لروسيا للإيعاز لسكان شبه جزيرة القرم (الروس في أغلبهم)؛ بتنظيم استفتاءٍ يطلب العودة للانضمام لروسيا، وهو الأمرُ الذى تمَّ بنسبة 94%، وافق عليه فورًا البرلمان الروسيّ. وتلا ذلك انتخابُ الملياردير بيترو يورشينكو شديد الانحياز للغرب رئيسًا للجمهوريّة في أوكرانيا، الذي واصل بدوره سياسة الاندفاع الأوكراني نحو الغرب والعداء المتصاعد ضدّ روسيا، لدرجة قطع العلاقات معها، والمطالبة بالانضمام إلى حلف "الناتو" والاتّحاد الأوروبيّ، وأعلن التعبئة لمواجهة روسيا واستعادة شبه جزيرة القرم عسكريًّا، وبعدها مباشرةً أعلنت الأغلبيّة الروسيّة في إقليمى لوجانسك ودونيتسك الانفصال عن أوكرانيا وتكوين جمهوريتين مستقلّتين. وجاء اتّفاق "مينسك" عام 2015 المشار إليه، وفق صيغة نورماندي ليحسم هذا الصراع حول هذين الإقليمين، لكن حكومة كييف تعمّدت إفشال اتفاقيّة "مينسك 2015" كما أفشلت اتفاقيّة "مينسك 2014"، حيث رفضت أوكرانيا تطبيق أحد أهمّ بنودهما، وهو تعديلُ دستورها ليسمح للأقليّات الروسيّة بالاحتفاظ بلغتها وتاريخها.
دائمًا كانت الولايات المتّحدة، وحلف "الناتو" خلف تصعيد التوتّر بين أوكرانيا وروسيا، لكن التصعيد وصل ذروته عندما سعت حكومة كييف إلى الانضمام بجديّةٍ لحلف "الناتو" وإعلان الرغبة في امتلاك أسلحةٍ نوويّة، وعندما تعمّدت كلٌّ من الولايات المتحدة وحلف "الناتو" رفض المذكرتين اللتين قدمتهما روسيا تطالب بتحييد أوكرانيا بين روسيا و"حلف الناتو" ومنع انضمامها إلى هذا الحلف، ناهيك عن ضرورة الاستجابة الأمريكيّة والأطلسيّة لمطالبَ أمنيّةٍ حيويّةٍ روسيّة ضمنَ مسعى التأسيس لأمنٍ أوروبيٍّ متكافئٍ قائمٍ على قاعدة "توازن المصالح"، مثل: إبعاد القواعد الصاروخيّة الأطلسيّة إلى خارج دول شرق أوروبا وغيرها من المطالب. لم ترفض واشنطن وبروكسل (الناتو" هذه المطالب فقط، بل أكدت على الالتزام بقاعدة "الباب المفتوح" أمام أي دولةٍ أوروبيّةٍ راغبةٍ في الانضمام إلى حلف "الناتو"، ما يعنى التأكيد على جدّيّة النوايا لضمّ أوكرانيا إلى حلف "الناتو" ما يعنى أن يصبح الحلف على تماسٍ مباشرٍ مع الحدود الروسيّة، ما دفع روسيا أوّلًا إلى حشد قواتها على الحدود مع أوكرانيا، ثمّ إعلان اعترافها بجمهوريتى دونيتسك ولوهانسك، ثمَّ الدفع بالقوّات الروسيّة إلى العمق الأوكراني في الرابع والعشرين من فبراير 2022).
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكّد في أحد خطاباته أنّ "روسيا لا تنوي احتلال الأراضي الأوكرانيّة"، كما أكّدت المصادر الروسيّة أنّ روسيا "تكتفى بإخماد مراكز الخطر والقوّة لدى أوكرانيا". وأكّدت وزارة الدفاع الروسيّة أنّ قوّاتها "قامت بتعطيل البنية التحتيّة العسكريّة للقواعد الجويّة الأوكرانيّة، إضافةً إلى إسكات الدفاعات الجويّة الأوكرانيّة"، لكن هذا لا يعنى أنّ الأمور قد تتوقف عند هذا الحدّ في ظلّ تأكيداتٍ روسيّةٍ بتفاقم التدخّلات الأطلسيّة في الحرب، ما دعا الرئيس بوتين إلى ثلاثة أمور؛ أوّلها تحذير أيٍّ من الدول التي قد تفكّر في التدخّل بالحرب، مؤكّدًا أنّ "العقاب سيكون فوريًّا، وضرورة ألا تساور أحد الشكوك في ذلك، وأن الهجوم المباشر على روسيا سيؤدّى إلى عواقبَ وخيمةٍ على المعتدي المحتمل، ونتائج لم يواجهها أبدًا في تاريخه". الثاني وضع قوّات الدفاع الاستراتيجيّ (النووية) في حالة تأهّبٍ قصوى، هذا التوجّه جاءَ ردًّا على معلوماتٍ روسيّةٍ مؤكّدة تتعلّق بتطلّعات الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي لاستعادة القدرات النوويّة لأوكرانيا من ناحية، وبتلميحاتٍ أطلسيّةٍ (بريطانيّة خاصة) بالتدخّل العسكري، ودعوات فرض منطقة حظر جوى على أوكرانيا، بما تعنيه من احتمالاتٍ مؤكّدةٍ لمواجهة مباشرة روسية - أطلسيّة على الأراضي الأوكرانيّة. الأمرُ الثالث والأهمُّ إعلان الرئيس بوتين أنه "إذا واصلت كييف التصرّف بالطريقة الحالية، فهي تضع على المحكّ وجود الدولة الأوكرانيّة كلّه". بوتين أوضح أن "سلطات كييف استمرت في التنصل من الاتفاقيات المبرمة طوال السنوات الماضية، وقتلت نحو 13 ألف روسي يقيمون في منطقة الدونباس داخل أوكرانيا".
لم يكتف الرئيس الروسي بالتلويح بتعديل هدف العمليّة العسكريّة الراهنة من عمليّةٍ محدودة، تستهدف تدمير البنيّة التحتيّة للدولة الأوكرانيّة ونزع سلاح الدولة الأوكرانيّة وبالتحديد "نزع عدوانيّة الدولة الأوكرانيّة ضدّ المواطنين من أصلٍ روسيٍّ في منطقة الدونباس، وضدّ روسيا نفسها إلى تدمير الدولة الأوكرانيّة، بل حذّر الغربُ من الاستجابة لدعوات تصعيد الحضور العسكريّ في أوكرانيا، من خلال التوجّه لفرض "منطقة حظر طيران"، وقال: إنّ "فرض الحظر فوق أوكرانيا ستكون له عواقبُ وخيمةٌ ليس على أوروبا وروسيا فقط، بل على العالم كلّه"، مؤكّدًا أنّ بلاده ستتعامل مع أيّ تطوّرٍ "مهما كانت الجهة التي تشارك فيه وبصرف النظر عن أنّها عضو في أي تحالف"، والتحالف المعني هنا هو حلف الأطلسي بالتحديد، أي أنّه مستعدٌّ للمواجهة مع الحلف الأطلسي نفسه، هذا يعنى أن الرئيس بوتين دخل إلى أوكرانيا وهو عازمٌ على تحقيق الأهداف التي تحرّك من أجلها، لذلك فإنّ سؤال: وماذا بعد؟ يظل قائمًا بين احتمالاتٍ ثلاثة هي:
- أن يخرج بوتين منتصرًا.
- أن يواجه بوتين الفشل.
- أن تنجح الوساطات بالوصول إلى نقطة توازن في الأهداف.
هذه الاحتمالات الثلاث ستظلّ محكومةً بالعديد من المحددات أبرزها:
- مدى قدرة الرئيس الروسي على فرض شروطه على حكومة كييف سريعًا، ومنع الوقوع في شرك "المصيدة الأوكرانيّة".
- مدى تحمّله للعقوبات الأمريكيّة – الأطلسيّة المشدّدة.
- مدى صمود التماسك الأمريكيّ – الأوروبي، أمام وجود فرصٍ قويّةٍ لما يسمّى بـ "ارتداد العقوبات"، وما يمكن أن تؤدّي عليه من تذمّرٍ أوروبيٍّ ضدّ الولايات المتّحدة، خصوصًا مع عجز الرئيس الأمريكي عن توفير بدائلَ للغاز والنفط الروسيّين، في ظلّ "التمنّع السعوديّ – الإماراتي" عن قَبول مطلب إغراق سوق النفط بكميّاتٍ كبيرةٍ من النفط السعوديّ والإماراتي.
- جديّة دعم الصين للموقف الروسي والتحرّك من موقع "الامتناع عن التصويت" الذي حدث في مجلس الأمن إلى موقع الدعم المباشر لموسكو، وإعطاء الأولوية للوفاء بالشراكة الاستراتيجيّة، التي تمّ التوقيع عليها في الرابع من فبراير 2022، في بكين بين الرئيسين الصينيّ والروسيّ على هامش احتفالات الأولمبياد الشتويّة في الصين، وبالذات التطلّع الصينيّ – الروسي للعمل معًا ضدّ الولايات المتّحدة لبناء نظامٍ دوليٍّ جديد، والتأكيد على أنّ الصداقة بين البلدين "ليست لها حدودٌ ولا حظرٌ فيها على التعاون في أيّ مجال".
إنّ وفاء الصين باتفاقيّة الشراكة الاستراتيجيّة مع روسيا، وإدراك بكين لأهميّة انتصار روسيا في معركتها الراهنة في أوكرانيا، لتأسيس النظام العالميّ الجديد، يمكن أن يكون العامل الحاسم في مآلِ هذه الحرب: هل إلى تعزيز أم إلى تغيير النظام العالمي الراهن والتأسيس لنظامٍ عالميٍّ جديد.

