خمسة دقائق هي الكلمات الأخيرة التي ما زالت عالقة في رأس والد الشهيد "نادر ريان"، تلك الدقائق التي كانت تفصل بين الموت والحياة، بين البقاء والرحيل، بين أن يكون الطفل نادر ما يريده والده أن يصبح وبين ما يريد أن يكون هو، فأصبح "شهيدا"، تلك الأمنية التي تحقق فوق الأكتاف وبين أزقة المخيم وسط زغاريد النساء والأعلام الفلسطينية، خصوصاً أن نادر كان يغني دائماً في البيت "يا أم الشهيد نيالك يا ريت أمي بدالك".
تلك الدقائق أيضاً كانت الأمل أن يعود ريان إلى البيت وإلى طاولة الإفطار ولكن أصبح رمضان بالنسبة لعائلة نادر يفرق، تلك هي حكاية معظم البيوت الفلسطينية التي تجلس تنتظر الآذان، ولكن بداخلهم يبقى الانتظار الأبدي الذي يصل حد الجنون هو عودة الشهيد الذي يجلس داخل الصورة على الحائط، أو عودة أسير يتناول إفطاره على صوت السلاسل بين جدران السجن.
حزن من نوع أخر يأتي مع مائدة الإفطار يتناوله عائلة الطفل نادر، ممزوج بطعم الفقدان على طفل لم يكمل سبعة عشر عاماً، صبي صغير لم يكن في حسابات عائلته أن تخترق عشرة رصاصات جسده الصغير، وهذا ما جعل والدته تسأل "ابني شو عمل؟"، هذا السؤال الذي مسح من كتب الإنسانية وكتب مكانه سؤال أخر "هل تكفي عشرة رصاصات لقتل طفل يرمي الحجارة؟".
على مائدة الإفطار يوجد الطعام والعصائر وأطباق الحلوى ويوجد الدعاء، ولكن لا يوجد نادر الذي كان يأتي بكل الأشياء التي فوق المائدة، لم تعد ابتسامة هنا بل صورته تلك الصورة التي من خلالها تحاول عائلته أن تتحايل على الألم وأكثر لتشعر أن نادر ما زال على الطاولة، ولكن جميعهم يعلمون أن الطفل نادر ليس هنا ولذلك يتناولون الطعام بصمت وفي وسط هذا الصمت تنهض الأم وتذهب إلى غرفته وتحتضن ملابسه وتكمل إفطارها مع الدموع.
من شباك المنزل يأتي الفراق إلى أم نادر ليسقط قلبها الذي كان يشاهد أمهات الشهداء على التلفاز ولم يكن يتخيل يوماً ما أنه سيصبح واحدا منهم، ذلك الشباك الذي يطل على الحقيقة والتي جعلت أم نادر تقول: يما راح نادر يما مات نادر"، من هذا الشباك أصبح نادر خارج المكان والزمان، وأصبح لعائلة نادر مكانا وزمانا جديدين وذلك ما جعل أم نادر تقول وهي تخاطب دموعها: "الله لا يذوقها لحدا".
لم تحقق أمنية نادر أن يصبح شهيد فقط بل تحققت أمنية أخرى له أن تكون أمه "أم شهيد"، ولم تتوقف حدود الأمنية عند ذلك بل أن يصبح البيت مليئا بصوره، وربما بداخله كان يتمنى أن يكون له وطن بدون مخيم وبدون لجوء، أن يكون له وطن بدون حدود تحكمه الإنسانية، وأن يستطيع أن يلعب فيه بدون رصاص ولا قصف ولا دبابات، تلك الأمنية الأخيرة ربما كان يخاطب فيها غساني كنفاني عندما قال: الوطن ألا يحدث ذلك كله".
تلك الأمنيات تفرق عن أمنيات الاطفال في أوطان أخرى، في فلسطين يلعب الأطفال ما يحاكي واقعهم، وكان نادر يلعب لعبة القناطر التي تعلم من خلالها ضرب الحجارة، وقد استطاع أن يمارسها ليس كالعبة فقط بل كحقيقة عندما يضرب حجارته على الجنود الذين يقتحمون المخيم، هؤلاء الجنود الذين جاؤوا لقتل العاب الاطفال بل أكثر لقتل الطفولة.
أصبح إفطار عن إفطار يفرق، وأصبح رمضان عن رمضان يفرق، وأصبح آذان عن آذان يفرق، وأصبح موت عن موت يفرق، تلك هي الحقيقة التي جاءت باستشهاد الطفل نادر الذي يجب أن يكتب فوق شاهد قبره ما قاله الشاعر نزار قباني:
يا أشرفَ القتلى، على أجفاننا أزهرتْ..
الخطوةُ الأولى إلى تحريرنا
أنتَ بها بدأتْ..
يا أيّها الغارقُ في دمائهِ
جميعهم قد كذبوا.. وأنتَ قد صدقتْ..
جميعهم قد هُزموا
ووحدكَ انتصرتْ.

