Menu

من بن غوريون إلى بينيت: منظومة العلاقات مع الفلسطينيين يحكمها نهج القمع والإرهاب!

نواف الزرو

هذا الذي نتابعه في الآونة الأخيرة من إرهاب وقتل وتخريب وتدمير على يد حكومة بينيت في كافة المدن والبلدات والمخيمات، ليس جديدا أو مستحدثا، فهذا النهج من صناعة الاستعمار البريطاني أولا، ثم تبنته الحركة الصهيونية بكافة تنظيماتها الإرهابية، وكافة الحكومات المتعاقبة منذ النكبة اي منذ عهد بن غوريون وحتى اليوم، أي حتى حكومة بينيت الحالية، غير أن هذا النهج على نحو سافر ودموي في عهد شارون اكثر من غيره حيث اعتبره الاجماع السياسي الحزبي الصهيوني "ملك اسرائيل"، إذ كان شارون قد أعلن في أكثر من مناسبة "أن إسرائيل توجد في حالة حرب مع الفلسطينيين، وأن الجيش ينطلق فيها لينتصر –"(1)، كما تحدث عن " أن الصراع وجودي متواصل منذ أكثر من مائة عام –"(2).

  ومن الأهمية الالتفات إلى أن شارون لم يكن منفرداً في تقديره هذا، إذ "أن القيادة الصقورية الشابة التي كانت تحيط به تتمسك بمقولة الصراع الوجودي بصورة أشد.. وإسرائيل بالتالي في حالة حرب بقاء، وليس أقل من ذلك / المصدر نفسه – "، وهي "حرب من أجل أرض إسرائيل الكاملة التي كان له إسهام كبير في بنائها.. وإلى ذلك هناك مجموعة كبار الضباط النظاميين تعتبر نفسها أيضاً في حرب وجودية"(3).

 ومن هنا فـ "إن القتال مع الفلسطينيين هو قتال حتى الموت، لأنه طالما بقي هناك أمل – في التحرر لدى الفلسطينيين، فلن يتوقف الإرهاب – كما أعلن وزير الأمن الداخلي في حكومة شارون الاولى عوزي لنداو"(4)، وبالتالي فإنه "في اليوم الذي يتخلون فيه عن كل آمالهم في طرد اليهود من هنا، فسوف يوافقون على التوقيع على اتفاق سلام طويل الأمد لأنه لن يكون أمامهم خيار آخر –"(5).

ولأن الأمر كذلك وعلى هذه الخلفية بالذات" توقع الأطراف الثلاثة (الفلسطينيون وإسرائيل والإدارة الأمريكية) المزيد من التصعيد / زئيف شيف –"(6)، و " المزيد من العمليات والاغتيالات حسب تقديرات الجيش الإسرائيلي"(7)، وهو ما أكده رئيس" أمان " شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجنرال أهارون زئيف حينما حذر قائلاً: "أنه من المتوقع أن تشهد المدن الإسرائيلية موجة صعبة من العمليات التفجيرية لم يسبق لها مثيل حتى الآن"(8)، و "أنه ستكون الأمور أسوأ مما كانت عليه أيضاً حتى الآن"(9).

   ما جعل الكثيرين يستخلصون "أنه لا أمل في أن يحل الهدوء، لأن إجماع متخذي القرارات في الحكومة الإسرائيلية يقول أنه يجب إخضاع الفلسطينيين بالقوة، لكسر إرادتهم في تحقيق إنجازات بالنضال، غير أن هؤلاء لا يقولون كيف يمكن أن تنتهي الأمور طالما أن لا أحد في الجانب الإسرائيلي يريد أن يفتح باباً للأمل / عوفر شيلخ/"(10).

      ولذلك أيضاً "سحب شارون المبررات الأيديولوجية والإعلامية من الجارور، ودخلت المواجهة مع الفلسطينيين في جولة الموت /"(11) كما اطلقوا عليها، و "باتت الأطراف على أعتاب عناق الموت كما أكد يوسي بيلين مهندس أوسلو من الجانب الإسرائيلي /"(12)، وأخذ بالتالي "سيناريو الرعب يتحقق / الكس فيشمان /"(13)، ما يستدعي من وجهة نظر رئيس الموساد الإسرائيلي السابق شبتاي شبيط إلى التصريح مذكراً بـ:" ويضرب العمالقة – أي الفلسطينيون – فتهدأ البلاد – أي إسرائيل اليوم – أربعين عاماً ، ويضرب اليبوسيون فتهدأ ثلاثين عاماً وهذا هو الطريق /"(14).

وهذا البعد الإبادي الإرهابي المرعب الذي عززه الجنرال يعقوب عميدرور قائد الكليات الحربية الإسرائيلية حينما صرح في لقاء مع (15) قائلاً: "أن منظومة العلاقات بيننا وبين الفلسطينيين في المستقبل القريب ستقوم على القوة باعتبارها العامل المركزي"، مذكراً هذا الجنرال بما قاله تشرشل للورد هاليفكس الذي اقترح عليه أن يتفاوض مع هتلر بوساطة الإيطاليين: " الشعوب التي تسقط في الحرب تنهض من جديد، أما تلك التي تذهب للمقصلة كالخراف فإنها ستزول /"(16)، إنه ذات النهج والطريق العنصري الإرهابي الدموي الإبادي التطهيري ضد الفلسطينيين.

لذلك- كان واضحا منذ البدايات الاولى للحملات الحربية العدوانية الاجتياحية الإسرائيلية التي أعلنها شارون في حينه على المدن والبلدات والقرى والمخيمات الفلسطينية في إطار "السور الواقي" التدميرية أن القصة ليست عابرة أو ردة فعل أو حملة انتقامية مثلا على عملية عسكرية فلسطينية أو غير ذلك من الاسباب الظرفية التبريرية.. وإنما القصة كانت أكبر وأبعد وأخطر من ذلك بكثير وتتعلق بمواجهة وصفتها مصادر إسرائيلية متعددة "إنها حرب استمرارية لحرب 48، وإنها معركة كسر عظم "...الخ.

 ولذلك نقول وبخلاف كل التحليلات القائلة-آنذاك- "أنه لم يكن لدى شارون أي برنامج سياسي تجاه الفلسطينيين "من الأهمية الكبيرة التثبيت هنا أنه كان لدى شارون برنامجاً سياسياً واضحاً تماماً مضمونه الأساسي وفق تقديرات استراتيجية: "نشر قوات الجيش الإسرائيلي في المناطق الحساسة في غور الأردن وصحراء الضفة وغرب شمال الضفة بهدف السيطرة الاستراتيجية على هذه المناطق وإفشال السيطرة الفلسطينية عليها.. والتطلع إلى التوصل إلى اتفاق سياسي طويل الأمد دون إطار زمني، يتضمن إقامة دولة فلسطينية مؤقتة في مناطق أ و ب – حوالي 40% من الضفة الغربية، وفرض قيود أمنية على سيادة الدولة، وتواصل إسرائيل السيطرة على أجواء هذه الدولة وعلى معابرها الحدودية، وتبقى المنطقة – جـ – في الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية إلى حين التوصل إلى تسوية دائمة –"(17).

  أما الخلفية الواضحة لهذا البرنامج السياسي فهي في ايديولوجيتهم "أن غربي الأردن وشرقه جزء من أرض إسرائيل، وأن القدس قلب الشعب اليهودي، وأنه لا يمكن القبول بعودة اللاجئين الفلسطينيين وأنه لا بد من التوطين بدل عودة اللاجئين – كما أعلن شارون نفسه يوم 4/2/2001 "(18).

   ولهذه الخلفية تحديداً أعلن شارون عشية فوزه في الانتخابات مبكراً "أنه يؤيد اتفاق عدم اعتداء مع الفلسطينيين بدلاً من اتفاق شامل، وذلك دون جدول زمني، ولأنه يستحيل التوصل إلى اتفاق سلام شامل ونهائي نظراً لعمق الخلافات مع الفلسطينيين –"(19).

 * القفازات الحديدية

ولذلك كما هو منتظر لم ينجح شارون بارتداء زي رجل السلام والاعتدال مطولاً، وأخفق في الخروج عن طبيعته المعروفة وسرعان ما عاد لارتداء زي الجنرال والقفازات الحديدية، إذ صادق على الخطة العسكرية القاضية بـ "فرض سياسة الحصار والإغلاق والخنق ضد المدن والقرى الفلسطينية وحفر القنوات العميقة وإقامة الحواجز وتدمير الطرق بين المدن والقرى الفلسطينية، وعزل الكتل الفلسطينية عن بعضها، وتنفيذ عمليات عسكرية في مناطق ( أ ) وممارسة ضغوطات مباشرة على قادة السلطة الفلسطينية –"(20).

     وإذا ما أضفنا المبادئ الخمسة التي تحكم العلاقات مع الفلسطينيين كما أعلنها شارون مبكرا يوم 12/3/2001 والتي تعهد فيها بـ " عدم استئناف محادثات السلام إلا بعد وقف الانتفاضة وأن أولويته هي ضمان أمن الإسرائيليين، وأنه سيحرص على أن لا يستخدم الفلسطينيون العنف لانتزاع تنازلات من إسرائيل في عملية السلام "فإن المشهد يصبح بالغ الوضوح: حكومة إسرائيلية شارونية عدوانية من جهة أولى، وانغلاق الأفق السياسي الحقيقي لعملية المفاوضات والسلام من جهة ثانية، وتصعيد حربي قمعي إسرائيلي من جهة ثالثة.

       وعلى ذلك، وحيث أن انغلاق الأفق التسووي السياسي يترتب عليه تلقائياً ومنطقياً بدائل أخرى في مقدمتها بديل التصعيد.. ونظراً لأن الجنرال باراك سلف شارون أراد بالأصل بعد إخفاق مفاوضات الكامب -2- إخضاع وتركيع وتطويع الفلسطينيين سياسياً، عبر الحرب القمعية التي أعلنها ضدهم، فإن الجنرال شارون إنما واصل ذات العقلية والنهج التركيعي ضد الفلسطينيين، وهو إن كان يتميز عن باراك، فإنما تميز برفع وتيرة التصعيد الحربي القمعي الدموي الجرائمي ضد الفلسطينيين.

      ولعل أنصع ما يشير إلى هذا التوجه الشاروني ذلك التصريح الذي أدلى به يوم 26/3/2001 خلال حفل المراسم التي أقيمت في مقر رؤساء الدولة العبرية لإحياء ذكرى رؤساء الحكومات الإسرائيلية، حيث أكد: "عزمه اتباع نهج سياسة مؤسس الدولة العبرية دافيد بن غوريون في مواجهة المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي".. مؤكداً "نجاح تلك السياسة التي بنيت على استخدام القبضة الحديدية بحق الفلسطينيين –"(21)، مشيراً إلى "أن بن غوريون أدرك الخطر الاستراتيجي المترتب على المقاومة، ولذا اتبع سياسية اقتضت جباية ثمن باهظ من المخربين – المقاومين – ومن يرسلهم " على حد قوله، في إشارة واضحة إلى اعترافه مواصلة سياسة الاغتيالات والتصفية ضد كبار قادة ونشطاء الانتفاضة الفلسطينية.

   ولذلك يمكننا، أن نثبت بالقراءة الموثقة أن رفع وتيرة التصعيد الحربي الدموي القمعي التركيعي والاستعماري الاستيطاني ضد الفلسطينيين هي العنوان الرئيس للمرحلة الشارونية برمتها، ولكنها ايضا اصبحت العنوان الرئيس لكل الحكومات الاسرائيلية اللاحقة وصوى الى حكومة بينيت الحالية.

   وطالما أن التسوية السياسية مع الفلسطينيين مستحيلة، وطالما "أن الانسحاب من وجهة نظره – إلى حدود الرابع من حزيران 1967 سيؤدي إلى تدمير إسرائيل –"(22).

  وطالما أنه كان يعتزم أن يعرض على القمة العربية في بيروت "خطة سياسية من ثلاث مراحل هي: الأولى وقف تام لإطلاق النار، وتطبيق خطتي تينيت وميتشل، والثانية مرحلة انتقالية طويلة الأمد – ربما إلى عشرين سنة – والثالثة اتفاق دائم يؤدي إلى إنهاء النزاع –"(23).

    وطالما أن الخطط والنوايا السياسية لديه مبيتة وتستهدف تماماً "إلغاء الآخر الفلسطيني"، فقد كان شارون يبيت في الوقت ذاته الخطط والنوايا الحربية العدوانية، وهي كثيرة ومتعددة ومتكاملة، وترمي إلى النيل من إرادة وصمود وصلابة الفلسطينيين وإخضاعهم للاملاءات السياسية الإسرائيلية.

     ولذلك تبنى شارون وحكومته الائتلافية آنذاك شعار "عندما ننتصر في هذه الحرب التي نخوضها ضد الفلسطينيين يمكننا أن نعيش بسلام "(24)، كما تبنى قبل ذلك مخطط " تدمير البنية التحتية الفلسطينية – الإرهابية – قبل تحقيق الهدوء –"(25)، واعتمد سياسة: "أنه إذا لم يتلق الفلسطينيون الضرب المؤلم المتواصل على رؤوسهم فإنه لن تكون هناك مفاوضات /"(26) وأيضاً سياسة: "اقطع لهم رؤوسهم /"(27).

        وذلك لـ " أن السبيل الوحيد لإجبار الفلسطينيين على العودة إلى طاولة المفاوضات السياسية (ضمن الشروط والصيغ الإسرائيلية) وترك العمليات هو كسر إرادتهم واستعدادهم للقتال – الجنرال شاؤول موفاز / مجلة نيوزويك /"(28)، كي يتسنى لـ " شارون أن يقترح الاستسلام عليهم / البروفيسور ارييه أرنون /"(29).

 الأمر الذي يقودنا الى وضع خطوط مشددة تحت الاستخلاص الكبير الذي يشكل القاسم المشترك بين جميع الأحزاب والحكومات الإسرائيلية وهو: الإرهاب والقمع المتواصل ضد الفلسطينيين حتى يرفعوا الرايات البيض ويخضعوا للإملاءات الإسرائيلية، الأمر الذي لم يحققوه على مدى حروبهم الماضية ولن يحققوه في حروبهم المقبلة...!