يبغضُ بعضُ المؤرّخين الغربيّين ما يدعى "التناقل الشفويّ" أو Oral History، بحكمِ أنّ تلك القصصَ التي تتناقلها الأجيالُ تكونُ أقلَّ دقةٍ وأبعدَ عن الحقيقة من مثيلاتها التي تدلّل عليها الحفريّاتُ الأثريّةُ والقطع الخزفيّة وما إلى ذلك، ولكن إن أطللنا برؤوسِنا من شبابيك برج العاج الأكاديميّ (الغربيّ)، سنكتشف أنّ هذه القصص المتناقلة عادةً ما تحوي مقدارًا لا بأس به من معدن الحقيقة، ولا يخفى علينا أهمّيتها الحضاريّة؛ إذ إنّها تحافظ على إرثٍ غيرِ ملموسٍ لا يحويه الفخار ولا يحميه التراب. نجد دليلًا على هذا في كلِّ مجالٍ وكلّ قريةٍ وكلّ جيلٍ في حضارتنا العربيّة ومنها الفلسطينيّة، فترى أنّ قصّةً أو حدثًا ما قد زرعت نواته في أغنيةٍ شعبيّةٍ أو قصّةٍ متداولةٍ أو حتى نكتة. مثلًا، حُفظت قصّة الشاب مشعل الذي هرب من الضابط العثماني في أغنية "عالأوف مشعل أوف مشعلاني، ماني تبليته وهو اللي تبلاني"، فعلى الرغم من أنّ مشعل هذا قد عاش ومات قبل أن يولد الجيل الذي سيرى النكبة، إلّا أنّ الأجيال من بعده تداولت اسمه وقصته الحزينة وعشقه للأرض، وازداد معنى هذه الكلمات المعبّرة بعد أن مرّ الشعب الفلسطينيّ بألم التهجير وفراق الأرض، بعد أن كانت القصّة لا تتعدّى المعاداة للعثمانيّين وقراراتهم الجائرة بالتجنيد الإجباريّ وما شابه.
مشعلنا اليوم هو والد أحد الشهداء، أبو رعد، فتحي زيدان خازم (حُرّف اسمه خطأً إلى حازم في بعض المصادر)، أحد سكان مخيّم جنين، أو عش الدبابير كما سمّاه العدو. تبدأ قصتنا فور انتهاء المصلين من تأدية صلاة الفجر في مدينة يافا المحتلّة يوم الثامن من نيسان لعام 2022. خرج ابنه رعد من المسجد ففوجئ بعنصرين من عناصر الشاباك يكمنان له أمام المسجد، بحكمه منفّذ عمليّة شارع "ديزنغوف" البطوليّة قبل ساعات، ففتح عليهما النار فلم يلبث إلا أن سقط شهيدًا، وتمَّ التعرّفُ عليهِ ونشر صورة هويّته الخضراء في الإعلام العبريّ والعربي. بعد ذلك بنحو خمس ساعات، وقف أبو رعد على شرفة داره في مخيّم جنين محاطًا بالمهنّئين والمعزّين، فألقى عليهم خطابًا بليغًا، خرجت مفرداته ليس من فمه بل من قلبه المكلوم الفخور، ودخلت ليس إلى آذاننا بل إلى قلوبنا الفخورة المكلومة. من كلماته:
«الراية بين أيديكم فلا تسقطوها»
«إننا نأخذ عزمنا منكم، ونرى القوة في أعينكم»
«من كان له شباب مثلكم فلا يُخاف عليه»
«نصركم الله، آواكم الله، حفظكم الله»
«اللهم إني أشهدك… أنني راض عن ابني رعد فارض عنه»
«لا نركع ولا نتهادن ولا نتهاون ولا نتخاذل»
أبهر هذا الرجلُ العالمَ كلَّهُ وأربك العدوّ بثباته ورباطة جأشه في وجه هذا المصاب الجلل، مصاب فقد الولد.
أمرَ الاحتلالُ أبا رعدٍ بتسليم نفسه لقوّات الجيش الغاصب في معسكر سالم المحاذي لجنين، كجزءٍ من الإجراءات العقابيّة التي ينتهجها الاحتلالُ ضدَّ أسر الأسرى والشهداء، في محاولةٍ فاشلةٍ لقمع المقاومة وإحباط عزائم أبطالها، إلّا أنّ أبا رعدٍ رفض الانصياع لذلك، وأعلن أنّه لا يخاف من صهيونيٍّ ملعون، أعلن أنّه ابن مخيّم جنين الذي يهابه كلّ عدوّ. تجهّز العدوّ لاقتحام المخيّم، وأعد زبانيته من كتائبه المجرمة من جولاني ودوفدوفان، وقرّر اقتحام المخيّم يوم التاسع من نيسان عام 2022، في الذكرى العشرين لمعركة المخيّم البطوليّة والذكرى الرابعة والسبعين لمجزرة دير ياسين.
دخل الجنود صبيحة ذلك اليوم نحو الساعة العاشرة صباحًا إلى المخيّم، أي بعد 24 ساعة تقريبًا من ذلك الخطاب. دخلوا تصطكّ أسنانهم وأرجلهم وأوتار قلوبهم خوفًا من شبح يوسف ريحان «أبو جندل» الذي أثخن فيهم وفي أسلافهم وأراهم عجائب تربية المخيّم الصلبة في نفوس أبنائه.
مخيّم جنين مكانٌ غيرُ ملائمٍ للتنزّه عند اليهود، فقد كان ردّ أبناء المخيّم فوريًّا؛ انهال رصاص الشبان على مركبات العدوّ المقتحم كالمطر، وتبعه الحجارة والأكواع والملوتوفات. استشهد في هذه المواجهات اثنان: المقاتل أحمد السعدي، وطالبة توجيهي من فقوعة اسمها حنان خضور، كانت تستقلّ باصًا إلى جنين لحضور مركزٍ تعليميّ، فأصابها قناصٌ جبانٌ استشهدت إثر عدوانه بعد أيام.
أحمد ناصر السعدي ذو الـ23 ربيعًا، أحد أعضاء «سرايا القدس — كتيبة جنين» التابعة لحركة الجهاد، عرف الشهيد جميل العموري، وكان رفيق دربه في الكتيبة الشهيد عبدالله الحصري الذي استشهد قبل ذلك اليوم الحاسم بتسعة وثلاثين يومًا بالتمام. انطلق أحمد غيرَ آبهٍ بالموت لا يخاف العدوّ، موجّهًا عين البندقيّة إلى مكانها الصحيح: صوب صدر الصهيونيّ الغاصب.
شيّع أهلُ المخيّم جثمان الشهيد أحمد بعد أربع ساعات، إثرَ انسحاب الجيش وفشله في مهمّته الأولى: القبض على أبي رعد. عاد الفضل في هذه الهزيمة للمقاومين الذين ذادوا عن هذا الرجل بأجسادهم وأرواحهم وبنادقهم حتى ولّت القوّة الطالوتيّة أدبارها، عائدةً لا بمطلبها ولا حتّى بالخفين كما عاد حنين.
حتّى وقت كتابة هذا المقال لم يزل أبو رعد صامدًا عصيًّا على الإرهاب الصهيونيّ لم يقدروا عليه، مرابطًا في بيتِهِ يتحدّى أكبرَ الجبابرة بكلمته. حاول الاحتلال اغتيالَ زوجتِهِ وابنِهِ في اليوم التالي، ولكن محاولتهم باءت – أيضًا – بالفشل. نشر أبو رعد على حسابه ما يأتي:
«فقدت فلذة كبدي ويبحثون عن باقي أفراد أسرتي وأسأله أن يؤيهم إلى ركنه الشديد فلا يصلون إلينا.. فعوضني الله بالآلاف من شباب المسلمين اعتبروني والدًا لهم خفّفوا عني مصابي وألمي واحتضنني مخيّم الأبطال ومصنع الرجال، ثم يسألني أعدائي وبعض أبناء جلدتي، أن أسلم نفسي ولن أفعل، حتى أستلم جثمان ابني وأحتضنه وأقبله وأواري جثمانه الطاهر الثرى».
هذه قصّةٌ من قصص فلسطين الخالدة، فليتناقلها الأجيالُ كما تناقلوا قصّة مشعل وعز الدين وعبد القادر، وليتلوها الأطفال في مدارس فلسطين المحرّرة، لئلا ينسوا أنّ الأرض التي تحملهم لم يعد آباؤهم من الشتات إليها إلا بقربان مئة عام أو يزيد من دم الشهداء ودموع أهليهم وبنضال الملايين مِمَّن سبقوهم.

