Menu

حكومةُ بينيت والقدسُ ومنصور عباس..!

أكرم عطا الله

نشر هذا المقال في العدد 37 من مجلة الهدف الإلكترونية

ما بينَ رغبتِهِ باستمرارِ مشروعِ السيطرةِ على القدس ِ ودعمِ المستوطنينَ - كونه مديرًا عامًّا لمجلس المستوطنات سابقًا - وبينَ خوفِهِ من التصعيدِ والسقوطِ السريع؛ يقفُ نفتالي بينيت الذي بدأت حكومتُهُ بالعدِّ العكسيّ، متعثّرًا بينَ رغبةٍ وخوف، بين المزاودةِ على خصمِه، زعيم الليكود اليميني وأستاذه السابق، وبين احتماليةِ حريقٍ قد يقصر أكثرَ عمر النهاية السياسيّة التي تنتظره، بل وباتت محقّقة، يقاتلُ فيها على أشهرٍ، وربّما أسابيع حتّى، إذا ما تصاعد الأمر.. ليس موضوعًا دينيًّا إلى هذه الدرجة حتّى تنسحبَ رئيسةُ الائتلاف عيديت سليمان؛ بسبب خبز الفصح، تاركةً حكومةً، تقفُ على حافة الهاوية، تنتظر أقلَّ من هبّة ريح، مشلولةً عاجزة، تسيرُ بما تبقى لها بالدفع الذاتي، لا تملك النصاب الذي يمكّنها من سنّ القوانين "النصف +1"، ستكون حكومة تسيير أعمال على أن تصطدم بالميزانيّة نهاية العام، لكن تصاعد الوضع في القدس الذي تدفع به الأحداث، وتشرف عليه الحكومة، وتغذّيه المعارضة، سيقصّر عمرها أكثر.

ستكونُ حكومةُ بينيت هي الأغربُ في تاريخ إسرائيل، رئيسُ وزراء بحزبٍ من ستّة مقاعد؛ يمينيّ يرتدي القبّعة الدينيّة، يستند لحزبٍ عربيٍّ ليكمل النصاب، وهي الحكومةُ التي سيكون سببَ سقوطِها حزب رئيسها، وليس المعارضة أو الائتلاف. حكومة تمّ تركيبها، سعيًا للتخلّص من بنيامين نتنياهو، جمعت كلّ تناقضات إسرائيل، اليمين واليسار، الشرقيّون والغربيّون، العرب واليمين القوميّ اليهوديّ، ثم تجيء الأحداث الساخنة لتضع هذه الحكومة أمامَ حقيقة الواقع، ليس الإسرائيليّ بتناقضاته، بل واقع الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ الذي حاول بينيت "تقليصه"، مجرّد تقليص، ليس حلّه أو حتّى إدارته، كما تعلم من أستاذه ميخا غولدمان، لتبدو كأنّها تجري بين حرائق تشتعل من كلّ اتّجاه، وستسقط في إحداها لا محال.

منصور عباس الإسلامي الذي كانت مغامرته، سببًا لصدمة الكثيرين، يعتكف الآن، لأنّ تصاعد الموقف أكبرُ كثيرًا من حساباته البسيطة التي حملته لاتّخاذ قراره: كيف يمكن أن يظهر أمامَ الناس في حين أنّه يدعم حكومةً تستبيحُ باحات المسجد الأقصى، وهو "الرجل المتديّن" وتعتدي على النساء والأطفال وتسمح للمستوطنين باقتحاماتٍ يوميّةٍ بل وأكثر حملات الاعتقال لفلسطينيي الداخل الذين كان يبرّر دخوله لهذه الحكومة بتنحية السياسة جانبًا، والعمل على خدمتهم ورفع مستواهم من خلال التعامل مع الدولة، وها هي الدولة والحكومة تصفعه إلى الدرجة التي لم يجد الرجل ما يقول في خطابه الذي أثار خلافاتٍ داخل مجموعته ليعلن عن تأجيله؟

كان الأمرُ ببساطةٍ لأنّ انكشاف الموقف أكبرُ كثيرًا، من أن تغطّيه كلّ كلمات اللغة العربيّة، مهما اتّسعت مصطلحاتها؛ لأنّ اللحظةَ شديدةُ الوضوح بين لونينِ لا تحتمل الرماديّة.

يحاولُ منصور كما رئيس حكومته، اللعب على الوقت، لعلّ القدر يمنحها معجزةً أو بعضًا منه، وقد تتغيّر الظروف بضربة حظّ، فالكنيست في إجازة، والتجميد في هذه اللحظة لا يعني شيئًا، معتقدًا حين عودة الكنيست للعمل، بأنّ تكون الذاكرة قد مسحت أحداث الأقصى، بحيث تتيح له الخروج من عزلته السياسيّة، لكن الواقع أقوى كثيرًا من براءة السياسة لدى من يمارسونها كهواة، أو يتكئون على الأيديولوجيا والدين، باعتبارها ضمانةً لتغطيّةِ كلِّ خطاياهم وآثامهم.

لم يعد النظامُ السياسيّ في إسرائيل يتكّئ على أحزابٍ تاريخيّة، تتنافس كما جرت العادة، حيث يشكّل الحزبُ الأكبر الحكومة، إمّا مع الحزب الثاني كما فترة الثمانينات، وإمّا ائتلافٌ مع مجموعةِ أحزابٍ أخرى، وهذا كان يضمنُ استمرار الحكومة، لكن الحكومة الأخيرة بلا عمودٍ مركزيٍّ وبلا حزبٍ رئيسيٍّ كبير، بل هي مجموعةُ شظايا، خرجت من أحزابٍ سابقةٍ، وبعضُها أحزابٌ صغيرة، في حين يقف الليكود الحزب الأكبر في صف المعارضة، وهذه تحدث تقريبًا للمرة الأولى، إذا ما تجاهلنا فوز كاديما، حين ترأسته تسيفي ليفني قبل خمسة عشر عامًا، وكان الفارق مع الليكود الذي شكّل الحكومة آنذاك مقعدًا واحدًا، لكن هذه المرة، فالأمرُ مختلف، مجموعة تناقضات لا بدّ وأن ينفجرَ أحدها، انفجر مع عيديت سيلمان بخبز الفصح ووضع الحكومة على حافة الهاوية، والآن جاءت أحداث الأقصى لتضع منصور عباس في زاوية حرجة.

ليس أمامَ عباس سوى خيارين، إمّا أن يحلَّ الحكومة، وإما أن يحترق، فكلّما مرّ الوقت، يزدادُ وضعُهُ صعوبة، من سلوك حكومةٍ تمعنُ في إحراجه، في حين هو يحاولُ مؤقّتًا الاختباء خلفَ جذع شجرة، ولكن لن يستطيعَ طويلًا، لأنّ تحالفه قد بني على خطأٍ كبيرٍ ولا بدّ أن يفكّكه واقعُ الأشياء، فاليمينُ يرى الفلسطينيّين في إسرائيل خطرًا قوميًّا، وفي حالة استهدافٍ دائم، وواضح أن سلوك اليمين وثقافته لا تمكّنه من التعايش معهم، ناهيك عن القضايا الوطنيّة المتعدّدة في باقي المدن الفلسطينيّة، مثل: الاغتيالات في نابلس وجنين، لكن الأبرز هنا القدس التي يفترض أنّها تشكّل حالةً مبدئيّةً في الوجدان الإسلاميّ لرجلٍ يقود حزبًا إسلاميًّا...!! وإن كان ما نراه، من عوارضَ ومناخاتٍ تَفَكُّك، فإنّها اقترابُ نهاية بينيت وحكومته، لكن الأزمة في إسرائيل وتعثّر النظام السياسي منذ أكثر من ثلاث سنواتٍ وهو يكرّر الانتخابات، هي أزمةٌ في بنية الثقافة والمجتمع في إسرائيل، تعكس نفسها سياسيًّا، وتلك تحتاج إلى مقالات أخرى...!