Menu

الانتفاضة الثالثة وميزان القوى الإعلامي

هاني حبيب

بالعودة إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ثورة الحجارة التي جرت في ظل وسائل إعلام تقليدية، فإن الصورة الملتقطة كانت إحدى أهم وسائل الالتفاف الجماهيري حولها، وتعزيز وقوف الرأي العربي والعالمي لدعمها، كان الإعلام أحد أهم أسلحة هذه الانتفاضة، رغم أنه كان في الغالب سلاح وسائل الإعلام الغربية التي تمكنت من التقاط اللحظات المناسبة للخبر المزوّد بالصور الثابتة، في ذلك الوقت كانت الصحافة الورقية، هي العمود الفقري لوسائل الإعلام، لذلك كانت الأخبار المرافقة للصورة -إذ كانت الصورة هي الأهم- العنصر الأساسي في إعلام الانتفاضة الأولى.

بعد قرابة ثلاثة عقود، فإن الأمر لا يكاد يتغير من حيث وسائل الإعلام كأداة هي الأهم على صعيد التأثير لدى الرأي العام، وهي إذ توازي تماماً الفعل المقاوم من جانب الانتفاضة الثالثة، فإنها أيضاً كذلك من قبل المحتل الإسرائيلي، المواجهات في الشوارع والأزقة والحواجز، هي ذاتها المواجهات في وسائل الإعلام المختلفة التي باتت أكثر استخداماً وأقل تحكماً من قبل الجهات الرسمية، وبات أمر السيطرة عليها مستعصياً على نطاق واسع.

وباعتقادي إن مصطلح "مقاومة" يعني في سياق ما، اللجوء إلى وسائل من شأنها إلغاء أو التأثير الايجابي في بوابة ميزان القوى المائل للجانب الآخر، وبقول أوضح، كان ميزان القوى المائل لصالح العدو الإسرائيلي، عسكرياً وأمنياً وسياسياً، يفرض على الفلسطيني اتخاذ الوسائل التي تحيد أو تلغي، أو تضعف من شأن هذا الميزان، كالحجر في الانتفاضة الأولى، والسكين في "الثالثة"، وفي كلا الحالتين، كان للإعلام تأثيره المباشر على هذا الميزان، وعلى الرغم من بعض السلبيّات التي رافقت وما تزال الأداء الإعلامي الفلسطيني، إلّا أن ذلك لم يبلغ تأثير الإعلام بوسائله المختلفة والمستخدمة، خاصة وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي الشعبي ومواقع التصفح المختلفة على شبكة التواصل الاجتماعي.

أمّا على الجانب الإسرائيلي فقد لوحظ أن الأيام الأولى للانتفاضة الثالثة، فرضت عليه إدراك خطورة هذه الوسائل، التي اتهمت بالتحريض والتعبئة ضد الاحتلال، وتزويد وسائل الإعلام بما حاول الاحتلال تغييبه واخفائه، ورأينا كيف تحدّث رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن "جيش من التقنيين" أولاً بهدف البحث عن "رسائل" شباب وشابّات الانتفاضة من ناحية، واختراق مواقع وشبكات يعتبرها الاحتلال أدوات تحريضية، إلا أن ذلك لم يُجدِ نفعاً، فقد تنبّه نشطاء الانتفاضة إلى هذا الأمر، وبات تعاملهم مع الشبكات أكثر حذراً في معظم الحالات.

إلا أن الجانب الإسرائيلي الذي واجه شباب وشابّات الانتفاضة بالإعدام الميداني واجه نشطاء الشبكات الإعلامية في الجانب الفلسطيني بإجراءات موازية من اقتحام للإذاعات وإغلاقها، واحدة تلو الأخرى، والضغط على شركات غوغل واليوتيوب من أجل إغلاق مواقع تعتبرها دولة الاحتلال تحريضية، إضافة إلى اختراق حسابات النشطاء في الميدان والشبكة.

وتعددت وسائل الاحتلال للحد من التفوق الإعلامي الفلسطيني، باستهداف الصحفيين والمراسلين بالرصاص واستخدامهم في أحيان كثيرة كدروع بشرية، ومؤخراً تم التهديد بإغلاق الانترنت عن الضفة والقطاع المحتلّيْن، ما يُشير إلى أن الإرباك الإسرائيلي في المواجهة ضد شباب الانتفاضة، يتوازى مع إرباك في المواجهة الإعلامية، تأكد مع قيام وزارة الخارجية الإسرائيلية بالضغط على مشغلي وسائل الإعلام والاتصال الاجتماعي الدوليين، لإغلاق "منابع التطرف" كما تصف الخارجية الإسرائيلية مواقع التواصل الفلسطينية.

لا جديد، إذا ما تم التأكيد على أهمية الإعلام في هذه المواجهة، إلاّ أن إعلامنا مازال قاصراً عن توجيه رسالة إلى الرأي العام خارج فلسطين، وظل محصوراً في الإطار الداخلي الفلسطيني، في الغالب وهو أمر يجب معالجته وعدم الاكتفاء بما تنقله وسائل الإعلام الأجنبية.