Menu

واقعُ المخيّماتِ الفلسطينيّةِ في لبنان واقعٌ مؤلمٌ وتحدّياتٌ مصيريّة

أنور الخطيب

بوابة الهدف الإخبارية

 

الكتابةُ عن واقع المخيّماتِ الفلسطينيّةِ في لبنان مغامرةٌ كبيرةٌ وخطرة؛ البعضُ يتوقّع منك الكتابةَ بلغةٍ وطنيّةٍ ونفسٍ حماسيٍّ يشيدُ بصمودِ الشعب، ويسلّطُ الضوءَ على معاناته اليوميّة، وهذا أسلوبٌ آمنٌ لا مُعارض له.  والبعضُ الآخرُ يشجّعك على إبرازِ المشاكلِ والأزماتِ وتحميلِها لوكالةِ غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين (الأونروا)، بصفتها (متآمرة) على الفلسطينيّين، وتسعى إلى تجهيلهم وعزلهم عن قضيّتهم المصيريّة، شأنها شأن الدولة اللبنانيّة التي تمنع الفلسطينيّين من العمل، وتحرمهم من حقوقهم المدنيّة، ولا تتدخّل لتحسين مستوى المعيشة في مخيّماتهم، وتفرضُ عليهم حصارًا خانقًا يقيّد حركتهم وحرّيتهم، وتمنعُ دخول مواد البناء لتحسين ظروف سكنهم. والبعض يتوقّع تحميل المسؤوليّة للكيان الصهيوني بصفته المتسبّبَ الأوّلَ عن نكبة اللاجئين، وفوق ذلك يرفضُ عودتهم إلى ديارهم، ويراوغ في تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 194. وهناك فئةٌ تحمّل البلدان العربية وتتّهمهم بالتقصير، والدولُ الغنيّة لا تسهم في تطوير حياة اللاجئين ودعم مؤسّساتهم التعليميّة والصحيّة ومشاريعهم العمرانيّة. وقليلون جدًّا يتفهّمون توجيه النقد للتنظيمات والمؤسّسات التابعة لها واللجان الشعبيّة، وتقصيرهم في تطوير الإنسان الفلسطينيّ في المخيّمات وتنميته. والموافقة من عدمها على توجّهات الكاتب لا تسلك النهج الديمقراطيّ الذي نتغنّى به، إنّما بتوجيه الاتّهامات، ومنها العمالة والخيانة وغيرها. لهذا سيحاول هذا التقرير أن يكون موضوعيًّا.

الواقعُ الجغرافي:

الحديثُ عن واقعِ المخيّماتِ الفلسطينيّةِ في لبنان، يقودُنا للفتِ الانتباهِ إلى تحدّياتٍ جغرافيّةٍ تطال 12 مخيّمًا معترفًا بها من قبل السلطات اللبنانيّة وهي: مخيّمات في بيروت مثل: مخيّم برج البراجنة، ومخيّم شاتيلا الذي كان مسرحًا لمذبحة صبرا وشاتيلا عامَ 1982، ومخيّم ضبيّة، ومخيّم مار الياس. ومخيّمات تقع في محيط مدينة صيدا وهي: مخيّم عين الحلوة، ومخيّم المية ومية. ومخيّمات في محيط مدينة صور في جنوب لبنان وهي: مخيّم الرشيديّة، ومخيّم البص، ومخيّم البرج الشماليّ. ومخيّمات تقع في محيط مدينة طرابلس في الشمال اللبنانيّ: مخيّم نهر البارد، الذي تعرّض للتدمير بعد حربٍ طاحنةٍ في 20 أيّار 2007، بين الجيش اللبنانيّ وجماعة فتح الإسلام، ومخيّم البداوي. وهناك مخيّم الجليل، وكان يُسمّى (ويفل)، ويقع عند المدخل الجنوبيّ لمدينة بعلبك في الشرق اللبنانيّ. إضافةً إلى مخيّمات تمّ تدميرُها مثل: مخيّم النبطيّة: في محيط مدينة النبطيّة في جنوب لبنان، دمرته الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة عام 1974. ومخيّما جسر الباشا وتل الزعتر، كانا يقعان شرق بيروت، وأزيلا بالكامل؛ نتيجة الحرب الأهلية عام 1976. وتنبع التحدّيات في التداخل الحاصل مع المدن المحاذية، كما يحدث مع مخيّم البص؛ إذ يتداخل مع مدينة صور، ومخيّم برج البراجنة ويتشابك مع مدينة بيروت، ومخيّم البداوي ويتداخل مع مدينة طرابلس، وينطبق التوصيف على مخيّم البرج الشماليّ وتداخله مع ضيعة البرج الشمالي اللبنانيّة، ما سيمهّد للذوبان مع المدن اللبنانيّة ومجتمعاتها، فيؤثّر على كينونته وخصوصيّته، ويصبح لزامًا على الدولة اللبنانيّة أن تمارس رقابتها القانونيّة على تحرّكات وفعاليّات أبناء المخيّمات.

الواقعُ الديمغرافيّ:

ويقودُنا ما سبق إلى تحدّياتٍ ديمغرافيّة، لا سيّما مع وجود سكانٍ لبنانيّين في عددٍ من المخيّمات مثل البرج البراجنة في بيروت ومخيم البص في صور، إضافةً إلى وجودٍ كثيفٍ للسوريين النازحين، ما يهدّد الانسجام الديمغرافي للمخيّمات أيضًا. وتسعى الدولة اللبنانيّة هذه الأيام إلى تسهيل سفر اللاجئين الفلسطينيين من خلال تسهيل إصدار وثائق سفر لهم، ووضع صعوبات أمام اللبنانيين الراغبين في إصدار جوازاتِ سفرٍ جديدةٍ أو تجديد القديمة، ناهيك عن قيام دولٍ عربيّةٍ أخرى مثل دول الخليج بتسهيل منح تأشيراتٍ سياحيّةٍ للاجئين الفلسطينيّين. ولو نظرنا إلى أرقام منظّماتٍ تابعةٍ للأمم المتّحدة مثل اليونيسيف، سنجد أنّ عدد اللاجئين الموجودين على الأراضي اللبنانيّة لا يتجاوز عددهم 192 ألف نسمة، في حين أرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) تشير إلى أن عدد المسجلين لديها حوالي 458 ألف لاجئ حتى حزيران 2021، ما يعني أن أكثر من نصف اللاجئين الفلسطينيين قد غادروا لبنان، ما يفرض تحدّياتٍ مستقبليّةً على تفريغ المخيّمات من أصحابها.

الواقعُ التعليميّ:

والحديثُ عن المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان هو حديثٌ عن أزمةٍ في التعليم العام والتعليم الجامعي، فحسب مصادر الأونروا، يبلغ عدد المدارس الخاصة باللاجئين الفلسطينيين 65 مدرسة للمراحل الابتدائية والتكميلية، منها 9 ثانويات فقط، ويتعلّم في تلك المدارس نحو 39 ألف طالب، بينهم نحو 5 آلاف لاجئٍ فلسطينيٍّ من سوريا، ويدرّسهم قرابة 1400 مدرّس، ولا توفّر الأونروا وسائل لنقل الطلاب، ويقول رئيسُ اتّحاد الشباب الديمقراطيّ الفلسطينيّ يوسف الأحمد، في حديثه لصحيفة المدن بتاريخ 20 أيلول 2021، "إنّ الطالب الواحد يستهلك كلّ دخل الأسرة، والكثير من العائلات لم ترسل أبناءها للمدارس لعدم القدرة على دفع ثمن المواصلات والقرطاسيّة. وخلال أزمة كورونا، توقّف التعليمُ بطريقةٍ شبه كلّية، ولم ينفع نظام التعلّم عن بعد نظرًا لضعف الإنترنت وعدم توفر الكهرباء بشكلٍ دائم في لبنان، واستمرت المشكلة مع فتح المدارس أبوابها وتطبيق نظام الحضور النسبي، وتتحدّث مصادرُ كثيرةٌ عن نقصٍ في المعلمين. وإذا أضفنا حديث الأنروا الدائم عن أزمة تمويلٍ وإمكانيّة تقليص الخدمات التعليميّة أو إقفال المدارس وتسريح المدرّسين، وما يشكّله من قلقٍ دائمٍ للطلاب والمدرّسين والموظفين، سندرك أنّ التحدّيات التعليميّة مستدامة، وتشمل المناهج غير المتجانسة مع القضيّة الفلسطينيّة، وهناك من يتحدّث عن تشديدٍ بشأن الدروس الوطنيّة.

الواقعُ الصحي:

والحديثُ عن المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان هو حديثٌ مؤلمٌ جدًّا، خاصّةً حين يدورُ حول الخدمات الصحيّة المتخلّفة، إضافةً إلى الازدحام الشديد في عيادات الأونروا، وسوء المعاملة أحيانًا، والشحّ في أنواعٍ كثيرةٍ من الأدوية، وزيادة أسعارها بشكلٍ جنونيٍّ في الآونة الأخيرة. ولهذا يلجأ كثيرون إلى المراكز الصحيّة الخاصّة، إذا توفّرت الإمكانيّات، مع الإشارة إلى أنّ الأونروا تغطي 30% من كلفة العمليّات الجراحية. ولولا الصناديق التي أنشأها أبناء بعض المخيّمات لمات المرضى الفلسطينيّون على أبواب المستشفيات.

الواقعُ العمراني:

تحوّلت المخيّماتُ الفلسطينيّةُ من بيوتٍ مبنيّةٍ بالطين أو الصفيح، إلى بيوتٍ مشيّدةٍ بالإسمنت بجهود السكان أنفسهم على نفس المساحة الجغرافيّة، صحيح أن الأونروا تقدّم مساعدات للأسر المتعفّفة والأرامل لتحسين ظروف بيوتهم، إلا أنّ هذه العمليّة تمرّ بسلسلةٍ طويلةٍ من الإجراءات، إضافةً إلى الواسطات والمجاملات وغيرها. وما ساعد على خلق الفوضى العمرانيّة في المخيّمات، تقديم الأنروا امتيازاتٍ لكلّ لاجئٍ فلسطينيٍّ يوفّر السكن لأيّ نازحٍ سوريٍّ أو فلسطينيٍّ نازحٍ من سوريا. وبخلاف ذلك، تعيش المخيّمات فوضى عمرانيّة، واكتظاظًا بشريًّا لم يسبق له مثيل، ما ينعكس على مستوى الخدمات من ماءٍ وكهرباءٍ ونظافة، وكذلك على الواقع الأمني الداخلي، تُضاف إلى ضيق الشوارع وعدم صلاحيتها، وفوضى وقوف السيارات والمشاكل التي تنشأ في غياب وجود أناسٍ ينظّمون السير.

الواقعُ الأمنيّ:

الحديثُ عن المخيّمات في لبنان هو حديثٌ أمنيٌّ في المقام الأول، فهناك تنظيماتٌ ليبراليّةٌ وديمقراطيّةٌ وإسلاميّةٌ وسلفيّةٌ وجهاديّةٌ وشيوعيّة، جميعها مسلّحة، وبسبب تضارب الأجندات لتلك التنظيمات والحركات والأحزاب، تشهد المخيّمات مشادّاتٍ مستمرّة، وأحيانًا معارك عنيفة بالأسلحة الخفيفة وقاذفات الصواريخ، يذهب ضحيتها قتلى وجرحى ودمار بيوت وممتلكات ومصالح تجارية. وإذا أضفنا انتشار السلاح الفردي واستخدامه كلما نشبت مشكلةٌ بين شخصين أو أسرتين، سنجد أنفسنا أمام وضعٍ أمنيٍّ يتطلب وضح حدود لانتشار السلاح واستخدامه وتنظيمه، وكذلك وضع اتفاقات بين التنظيمات تحرّم الدم الفلسطيني على الفلسطيني. إن هذا الأمر يجعل المدنيين يعيشون دائمًا في خوفٍ وقلقٍ دائمين، ما يؤثّر على السلام الداخلي المجتمعي للمخيمات. لكنْ كثيرون يرفضون هذا المنطق ويذكّرون من يطرح تنظيم السلاح بما حصل في مخيّمي صبرا وشاتيلا من مذابح عام 1982 بعد خروج الفدائيين من بيروت. ويزداد الأمر تعقيدًا حين نعلم أن الحكومة اللبنانية رفعت يدها عن المخيّمات أمنيًّا، وتركته للتنظيمات واللجان الشعبيّة، وتتدخّل الدولة في حال وقوع جريمةٍ أو إشكالٍ عنيفٍ ينتج عنه قتلى أو جرحى، تقوم التنظيمات عندئذٍ بالتعاون مع اللجان الشعبيّة بالقبض على المتّهم وتسليمه للسلطات اللبنانيّة لينال الجاني عقابه.

الإدارةُ الذاتية:

كلّ هذا يبدو طبيعيًّا في غياب قوانينَ واضحةٍ تحكم العلاقة بين السكان ومن يدير شؤونهم، وهم التنظيمات واللجان الشعبيّة. ويبدو مصطلح (إدارة الشؤون) فضفاضًا جدًّا، وأحيانًا غير واقعيّ، فالإدارةُ الأمنيّةُ غائبةٌ ولا تحضر إلا مع حدوث إشكالٍ أو جريمة، أمّا الإدارةُ المدنيّةُ فتكادُ تكونُ معدومة، ونعني بها العناية باللاجئ الفلسطيني، وتنميته ثقافيًّا وفنيًّا ووطنيًّا وإنسانيًّا، وحمايته من المخدّرات والآفات الاجتماعيّة. وعلى الرغم من غياب حملات التوعية والتطوير الذاتي، يتمسّك اللاجئ الفلسطينيّ بقضيّته المصيريّة، ويدافع عنها، ويشارك في الفعاليات والمناسبات الوطنيّة، ويتفاعل مع كلّ ما يحدث في فلسطين المحتلّة، ويخرج في مظاهراتٍ للتعبير عن وقوفه إلى جانب إخوته في الأرض المحتلّة، ويناصر المرابطين في المسجد الأقصى، ويبتهج حين يسمع بعمليّةٍ فدائيّةٍ وقتلِ جنودٍ صهاينة، وما تزال أسرٌ كثيرةٌ محتفظةً بمفاتيح بيوتها التي هُجّرت منها في فلسطين، ويتوارثها الأجيال باعتزازٍ وحبٍّ والتزام.