تعرف السياسة على أنها علم نظري، ولكنها تتقارب في أكثر من مجال مع العلوم البحتة، كعلم ميكانيكا الحركة، وهو العلم الذي يحدد ويدرس حركة الأجسام عند تعرضها لضغط يهدف لإزاحتها، والأجسام والأشياء في حركة دائمة كما السياسة، جاهزية عالية للفعل ورد الفعل بما هو مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، هكذا الحالة عند كل مستجد أو حدث او حالة طارئة، استجابة للفعل بالمشاركة بالحدث أو الاستثمار فيه.
توصيفا لأحداث رمضان الفائت، نرى أن الشهر قد ترافق مع الفصح المجيد والقيامة ومع الفصح اليهودي وترافقت خواتيمه مع عيد النوروز، كل ذلك والرباط في القدس والأقصى كان على مدار الساعة، واستطاعت الحالة الشعبية أن تملا فراغا غادره آخرون، كانت عوامل نجاحها في التصدي لمشروع الاحتلال أنها هبة جماهيرية بلا قياده مركزية يمكن لأي كان التفاوض أو الحوار معها ترغيبا أو ترهيبا، و لكنها في ذات الوقت نقطة ضعفها إذ أنها بلا خطة أواستراتيجية تجعلها قادرة على الاستمرار بذات الزخم بعد انقضاء رمضان.
أما في محاولة لقراءة الأحداث وفقا للمشترك بين السياسة والميكانيكا، فقد جاءت ردات فعل العناصر الحية بالإقليم منسجمة مع الحدث استجابة واستثمارا، فيما غابت العناصر الساكنة وكأنها في حالة (كوما) موت سريري.
غزة و حركتا الجهاد الإسلامي وحماس عملتا مبكرا استعدادا للحظة، وذلك من خلال صنع أرضية وبنية تحتية وتعبئة نفسية في الضفة الغربية والقدس والداخل الفلسطيني، عملتا على مقدمات ما قبل رمضان بعمليات في الداخل ثم رأتا في رمضان وتزامنه مع الفصح اليهودي فرصة للعمل في القدس والمسجد الأقصى واستنفار جموع واسعة من كافة أنحاء فلسطين، ساعدهما على ذلك الدور الأردني المتردد وغياب السلطة الفلسطينية، من هنا أرادتا أن تجعلا من نفسيهما حاميتين للقدس والمسجد الأقصى وارثتان بذلك الوصاية الهاشمية (أو ساعيتان لذلك) وحتى حاميتان للضفة الغربية (مخيم جنين مثالا على ذلك)، وقد نجحتا في ذلك حتى الآن من خلال إرساء معادلة رعب مع الحكومة (الإسرائيلية)، فعطلتا مسيرة الأعلام السنوية التي كان سيقودها عضو الكنيست المتطرف بن غفير بهدف الدخول إلى القدس القديمة والاشتباك مع سكانها الفلسطينيين، وجعلتا من الحكومة (الإسرائيلية) تلجأ إلى استعمال سلطاتها الواسعة استجابة لتوصيات أجهزة أمنها كي تسيطر على متطرفيها (وهم جمهور ناخبيها) لتبقى اقتحاماتهم للأقصى تحت السيطرة وفي حدودها الدنيا.
تحرك محور المقاومة متناغما مع الحركة الجارية في الضفة الغربية والمسجد الأقصى، من صنعاء إلى طهران إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، وانطلقت خطابات مناصرة للأقصى وداعمة للمرابطين فيه ومحذرة من تجاوز خطوط حمر، في طهران كانت ذروة الخطابات ما ورد على لسان المرشد وكان آخر قائمة الخطابات هذه، خطاب الشيخ السنوار قبل أيام، وهو خطاب يستحق التوقف عنده حيث أن فيه أكثر من جديد في رؤية أوضاع المقاومة الداخلية، أو في الشأن العام. الشيخ السنوار مقل بطبعه في إطلالاته الإعلامية، وقد كان هذا الأمر متروكا في غزة للعسكريين وفي الخارج لرئيسي المكتب السياسي الحالي والسابق وللشيخ العاروري الذي اختلف خطابه منذ انتقل من تركيا إلى بيروت بعد أن أخذت الدولة في تركيا بالتضييق عليهم، فأصبح اقرب إلى الخطاب الجذري الغزي وابعد عن الخطاب القطري، وفي حين يجامل رئيسي المكتب السياسي الحالي والسابق شيوخ قطر، ولم يسمعوا أو يشاهدوا اعترافات الشيخ حمد بن جاسم المذهلة والتي انتشرت على نحو واسع حول دور بلاده في تدمير سوريا ومقدار ما بذلوا من مال، وانما ينشغلون بما نشر بعد احد عشر عاما حول جريمة بحي التضامن الدمشقي (وهي جريمة نكراء و مدانة بكل المعايير) ولكن مشكله هؤلاء أن اهتمامهم بها يأتي على حساب ما يجري في كل لحظة في المسجد الأقصى، السنوار غير المشمول بالرعاية المالية أو الاستضافة القطرية بالغة السخاء، أوضح بما لا يدع مجالا للشك مدى عمق العلاقة والتنسيق الغزاوي مع محور المقاومة وايران، واشاد خصوصا بالمرشد الإيراني ودورة الذي يعرفه وقد لا نعرف نحن مداه في دعم غزة وتأهيلها بمقومات الصمود والردع، وضع السنوار في خطابة القدس والمسجد الأقصى تحت الرعاية الغزاوية أوانه وضع غزة في خدمة الدفاع عن المسجد الأقصى، ورسخ بشكل ساطع معادلة الردع مع (الإسرائيلي) معلنا أن سيف القدس لا زال مشهرا ولن يعود إلى غمده حيث أن (الإسرائيلي) يسعى لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا ومحذرا بان المساس بالمسجد يعني الحرب، تحدث عن الخطوط البحرية مع محور المقاومة، الأمر الذي يستلزم مواجهه لا مع الإسرائيلي فحسب وانما مع المصري أيضا فالطرفان قد حددا لإغراض الصيد مساحة ضيقة، فكيف سيسمحون بخطوط بحرية وهذا ما ستكشف عنه الأيام، خاطب أهل الضفة الذين لم يخاطبهم احد طيلة شهر رمضان داعيا إياهم للاستعداد للاشتباك، تحدث عن تبييض السجون باعتبارها مسالة سوف تحصل عاجلا أم آجلا وعن كنس الاستيطان باليات لم يوضحها، وفي التقدير العام استطاع جعل حكومة بينت تترنح تحت وقع ضرباته بما فيها المسددة نحو منصور عباس، الذي وضعه السنوار في مكان لا يستطيع الصمت فيه ويعرف أن الكلام يعرضه لمزيد من الخسران.
منذ عام 2006 اكتسب قائد حزب الله السيد حسن نصر الله مصداقية استثنائية، من حيث دقته وصدقه في القول اعتمادا على قراءة دقيقة للواقع والممكن، فكان يعد بما يستطيع ويترك هامشا في قوله غير القطعي، لدرجة أن (الإسرائيلي) العادي أصبح يثق بأقواله أكثر من ثقته برؤساء حكوماته ووزراء أمنه، شيخنا السنوار ألقى على الجميع أقوال ثقيلة، ونحتاج لشيء من الصبر لمعرفة القراءة التي اعتمدها، الإسرائيلي أجرى عمليه فحص للتهديدات يوم الخميس الماضي إذ سمح بتدفق أعداد كبيرة من المحتفلين اليهود إلى باحات المسجد الأقصى، وتحوط لذلك بنصب منصات إضافية للقبة الحديدية حول القدس وتجاوز ما رسم من خطوط حمر، فهو ان شعر بجديتها فسوف يمتنع عن منح ذرائع لخصومة، وان لم يشعر أو اراد الفحص فانه سيتجاوز خطوطها ولكن بحذر، وحسب مقابلة مع رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (الاسرائيلية): لا تبدأ الحروب هذه الأيام بشكل منطقي، فالحروب تبدأ من سلسله ديناميكيات التصعيد غير المقصودة حيث تجد صعوبة كبيرة في وقفها، إن الطريق الوحيد لمواجهتها هي في إدراك انك في قلب حدث ديناميكي، و هو ما حصل مساء الخميس في عملية العاد.
مشرقنا يعيش أيام قلقة واحتمالات مفتوحة، ولكن حرب الوجود طويلة ولا تحسم بمعركة او بجولة وانما تحتاج إلى معارك وجولات، كما تحتاج إلى مراكمة أسباب وعناصر القوة والمعرفة، ولا تحتاج أبدا إلى البحث عن مصادفات رقمية حسابية تبنى على أساسها شعوذات غيبية تتحدث عن زوال (إسرائيل).

