Menu

الحقوقُ والتنميةُ المستدامةُ عربيًّا... رؤيّةٌ نقديّة

د. غسان أبو حطب

نشر هذا المقال في العدد 37 من مجلة الهدف الإلكترونية

مقدّمة:

إنّ الحديثَ عن التنميةِ المستدامةِ - كأحدِ أكثرِ المفاهيمِ شيوعًا عالميًّا - أصبح حاضرًا كتوجّهًا عامًّا للدول والمنظّمات في صياغة سياساتها وأهدافها، التي هي أحد تعريفاتها: "تنمية لا تكتفي بتوليد النموّ وحسب، بل توزيع عوائده بشكلٍ عادل، وهي تجدّد البيئة بدل تدميرها، وتمكّن الناس بدل تهميشهم، وتوسّع خياراتهم وفرصهم وتؤهّلهم للمشاركةِ في القراراتِ التي تؤثّر في حياتهم، إنّها تنميةٌ لصالح الفقراء والطبيعة والمرأة، وتستند على النحو الذي يحافظ على البيئة، وهي تنميةٌ تزيد من تمكين الناس وتحقيق العدالة فيما بينهم".

وعندما يدور الحديث عن التنمية المستدامة في المنطقة العربيّة، ارتباطًا بأهدافِ خُطّة التنمية العالميّة 2030 التي ما زالت وبعد ستّ سنواتٍ من إطلاقها، تعاني من استعصاءاتٍ على هذا المسار، لا يتوقّف عند بنية وأهداف الخطّة فقط، دون أن نملي النظر في دور الاستعمار الكولونيالي الذي أسهمت حروبه في تدمير الكثير من البلدان والمجتمعات، وحوّلت الملايين إلى لاجئين ونازحين، وشروط الهيمنة والتبعية التي يفرضها، والبطالة التي تسجّل أعلى معدلاتها؛ لا سيّما في صفوف النساء والشباب، وكذلك ندرة الغذاء والمياه، مما يؤثّر على الأمن الغذائي وسبل العيش المستدام، ومعدّلات الفقر التي تزداد بشكلٍ مضطردٍ والفساد المستشري في مؤسّسات الدولة وتسرّب منها إلى مؤسّسات المجتمع، مما بات يتطلّب تحوّلًا جذريًّا في تبنّي مقارباتٍ ثوريّةٍ وتوجّهاتٍ ونهجٍ نحو الانعتاق والتحرّر وخلق حالةٍ من التكامل في السياسات والاستدامة البيئيّة وحقوق الإنسان العالميّة، مع التركيز على المساواة والعدالة والشمول الاجتماعيّ والحرّيات الأساسيّة والمشاركة في صنع السياسات.

حقوقُ الإنسان وخُطّة التنمية المستدامة لعام 2030: بطاقة تعريف

يتزايدُ الاعترافُ بأنّ حقوق الإنسان ضروريّةٌ لتحقيق التنمية المستدامة، وقد استُخدمت الأهداف الإنمائيّة للألفية أهدافًا شاملةً لحقوقٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ معيّنة، ولكنّها اتّسمت بإغفال روابط مهمّة أخرى بحقوق الإنسان. وفي المقابل، فإنّ مبادئ حقوق الإنسان ومعاييرها مُجَسَدة، عدّها البعض أنها مجسدةٌ في إطارٍ إنمائي عالمي جديد طموح، هو خطة التنمية المستدامة لعام 2030، ففي أيلول/سبتمبر 2015، حيث اجتمع 170 من زعماء العالم في مؤتمر قمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في نيويورك لاعتماد خطة عام 2030، وتغطي الخطة مجموعةً واسعةً من الأهداف والغايات، تشتمل على 17 هدفًا من أهداف التنمية المستدامة، و169 غاية، واستخدمت، باعتبارها الإطار الشامل لتوجيه العمل الإنمائي على الصعيدين العالمي والوطني على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة (حسب ما تم إقرارها).

السماتُ الأساسيّةُ لأهدافِ التنميةِ حسبَ خطّة (2030): إطلالة مكثّفة

عالميّة: أهداف التنمية المستدامة تشكّل إطارًا عالميًّا، حيث يتعيّن على جميع البلدان، إحراز تقدّمٍ في السير نحو تحقيق التنمية المستدامة، من خلال مواجهة التحديات المشتركة التي تعترض سبيل تحقيق أبعاد التنمية المستدامة.

مفضية إلى التحوّل: باعتبارها خطّةً من أجل "الناس والكوكب والازدهار والسلام والشراكة"، تتيح نقلةً نوعيّةً من نموذج التنمية التقليدي، وهي توفّر رؤيةً مفضيةً إلى التحوّل من أجل تحقيق تنميةٍ مستدامةٍ محورها الناس وكوكب الأرض وقائمة على حقوق الإنسان ومراعية للمنظور الجنساني، تتجاوز إلى حدٍّ بعيدٍ الرؤية الضيّقة الخاصة بالأهداف الإنمائية.

شاملة: تعنى خطّة عام 2030، بإرساء "مجتمعات أكثر سلامًا وعدلًا واحتضانًا للجميع، تخلو من الخوف والعنف"، مع الاهتمام بالحوكمة الديمقراطيّة وسيادة القانون والوصول إلى العدالة والأمن الشخصي، فإنّ الخطّة تغطي قضايا متعلّقة بجميع حقوق الإنسان، بما في ذلك الحقوق الاقتصاديّة والمدنيّة والثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والحقّ في التنمية.

جامعة: ترنو الخطّة إلى "عالمٍ يسود جميع أرجائه احترام المساواة وعدم التمييز" بين البلدان وداخلها، بما في ذلك المساواة بين الجنسين، وذلك بإعادة تأكيد مسؤوليّات جميع الدول عن "احترام حقوق الإنسان وحمايتها وتعزيزها، دونما تمييزٍ من أي نوعٍ على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره من الآراء أو الأصل القومي والاجتماعي، أو على أساس الملكية أو الميلاد أو الإعاقة، أو على أي أساس آخر".

سدود مُؤسلِبة للحق في التنمية عربيًّا:

في ضوء ما حملته خطّة التنمية (2030) من أهداف ومواءمتها مع الواقع العربي، سنكون أمام حصيلة، تؤكد أن الحق في التنمية مُؤسلّب، بسبب التدخلات الاستعمارية الخارجية، التي أسهمت بشكلٍ كبيرٍ في إبقاء البلدان العربيّة رهنًا لسياسات التبعية والهيمنة وإخضاعها لشروط صندوق النقد الدولي، وقروض البنك الدولي، وتغوّل الشركات متعدّدة الجنسيّات واشتراطها إعادة هيكلة الاقتصادات العربيّة التي كانت على حساب الفئات الأكثر فقرًا، وأيضًا إدخال الكثير من الشعوب العربيّة في دوائر الفقر والبطالة والغلاء والتضخّم، بمعنى أنّ خطط التنمية سواء كانت عالميّة أو وطنيّة (محليّة)، يرتطم بسياسات المُستعمر، ومن ثَمَّ التحوّل سيكون محكوم بسياسات الفاعلين وهم المُستعمر والمموّلون الدوليّون وممارسات وهؤلاء يسعون بشكلٍ جدي إلى هندسة المجتمعات العربية وضبط إيقاع ممارساتها لتخدم مشاريعهم، التي في جوهرها تسلب الإنسان إنسانيته ومواطنيته وهُويته، ومن ثَمَّ حقّه في الحريّة والتنمية.

لقد زادت حدّةُ الأزمات الاجتماعيّة - الاقتصاديّـة، بعد اندلاع ما سمي "بالربيـع العربـي"، نتاج إخفـاق التغييــرات الاقتصاديـّة التـي جـرى إدخالهـا فـي بلـدان المنطقـة خـلال العقـود السـابقة، بالاستناد إلى المذهـب النيوليبرالـي، حيث لم يثمر هذا "الربيع" عن قطع مع السياسات الاستعماريّة، بل عمقًا للأسف، وتقـدّم مصر أسـطع مثـال عـن ذلـك، حيـث بـدأت الحكومـة منـذ خريـف 2016 بتطبيـقٍ فـجٍّ لما يسمى (عـلاج الصدمـة)، تحـت إشـراف صنـدوق النقـد الدولـي، على الرغم من أن الاقتصـاد المصـري يعيش حالةً قصوى من الضمور، التي تعود لأسـبابٍ بنيويّةٍ معلومة، وعليه، فإنّ نتيجة (عـلاج الصدمـة) هـذا، سـوف تكـون صدمـة بـلا عـلاج.

إنّ تبعيّة الأنظمة العربيّة السياسيّة والاقتصاديّة للنظام الرأسمالي، أدّى إلى خلق تنميّةٍ رثّة (على حدّ وصف الاقتصادي الألماني أندري غوندر فرانك) ومشوهة وقاصرة، في ظل افتقاد السيادة الوطنيّة الكاملة وعدم القطع مع الإطار النيوليبرالي الحاكم لنموذج التنمية السائد، حيث تتفاعل معها دوائر الحرمان: غياب الحرية، والتهميش الاجتماعي، والتهميش الاقتصادي، ودائرة السياسة والحكم، وفساد مؤسّسات الدولة وعدم امتلاكها للحدّ الأدنى من المساءلة والشفافيّة والمحاسبة والمشاركة، والخلل الشديد في موارد الغذاء والمياه والتربة والطاقة وارتباطها باستدامة النمو، والعجز في الموازنات الحكوميّة وعلاقتها بسوق العمل المضطرب والمشوّه الفاقد للشروط العلميّة في استقطاب الكفاءات أو ربط العمليّة التعليميّة باحتياجات السوق الرئيسيّة.

الحقوقُ والتنميةُ في السياق المُستعمَر:

إنّ أسوأ ما يمكن أن يقع به أيُّ قارئٍ لواقع التنمية عربيًّا هو تغييبُهُ لمفهوم الهيمنة وعلاقات القوّة والسيطرة عن تحليل السياسات والممارسات الاستعماريّة، والأنكى أن يعدّ البعض أن المُستعمر شريكٌ في التنمية، وعليه فهو يشجّعُ تبنّي الأنظمة العربيّة للمفاهيم الاقتصاديّة لليبراليّة الجديدة، بناءً على تصوّر أنّ الأسواق "محايدة"، تسمو على علاقات القوّة والسيطرة، وأنّ عجلة التنمية يجب أن يقودها القطاع الخاص بشكلٍ مستقلٍّ بعيدًا عن الدولة ومؤسّساتها، حيث أنّ هذا المسار لن يفضي إلا إلى مزيدٍ من الهيمنة والإخضاع والتبعيّة شبه الكاملة للدول الاستعماريّة – الإمبرياليّة، والابتعاد عن شروط تحقيق التنمية الذاتيّة التي لا يمكن إلا أن تتحقّق إلا بامتلاك شروطها، وأوّلها، التصدّي للرأسماليّة العالميّة ومشروعها الاستعماري – الإمبريالي، المدمّر لمقوّمات الدول وسيادتها، وعلى نحوٍ أبعد تدمير أي مشروعٍ نهضويّ عربيّ – تحديثيّ، بما يبقي الوطن العربي وشعوبه في دوائر التخلّف والفقر والتجهيل، ومن ثَمَّ فإنّ كسر الوجود الاستعماري وشروط المؤسّسات والشركات المرتبطة به هي تمثّل الحلقة الأولى في النهوض المنشود، بما يعيد للشعوب حقوقها المُستلبة لصالح طغم رأس المال المتحالفة مع السلطات المحليّة الكمبرادوريّة، ويعيد هيكل الاقتصادات العربيّة على أساسٍ تشاركي، مبني على الإنتاجيّة والاستدامة، بالاستفادة من منجزات العلم وتطوّراته الهائلة، بما يحسّن المنظومة التعليميّة العربيّة، لتنمية المعارف والبحث والابتكار، بما يدفع عجلة التحوّلات الجذريّة لبناء مجتمعاتٍ عربيّة، يتحقّق فيها العدالة والمساواة دون تمييزٍ على أساس الجنس أو الدين أو اللون... إنّ شروط تحقيق التنمية تلك وغيرها، لا يمكن أن يُكتب لها النجاح أو أن ترى النور إلا من خلال إنجاز المشروع العربي النهضوي، القادر على لجم المُستعمِر وسياساته وممارساته التي تستهدف المنطقة برمتها، وليس دولًا بعينها، وإطلاق طاقات الشعب العربي المبدع ليرسم خارطةَ مستقبلِ أجياله المقبلة المتحرّرة من التبعيّة والهيمنة وعلاقات القوّة والسيطرة، المتحكّمة بثرواتها ومواردها، التي تعمل على إرساء قواعد حكمٍ تصون كرامة وحقوق مواطنيها.

خاتمة:

ممّا لا شكَّ فيه أنّ شروط تحقيق التنمية في الواقع العربي، محكومةٌ بسياقٍ مُحاطٍ بجوائحَ عدّة، منها: الاستعمار، وغياب الحريات السياسيّة والديمقراطيّة، والانقسامات الداخليّة والحروب الأهليّة، وغياب الرأسمال الوطني... يضاف لها الآثار الصحيّة والاقتصاديّة، التي خلفتها جائحة كورونا، وهذا يُحتّم علينا التعاطي معها كأداةٍ للتنمية التحرّرية، فلا تنمية مجزية في ظلّ الاستعمار بأشكاله كافة، ولا مسار يُفضي إلى تحقيق التنمية الشاملة إلا بالتخلّص منه، وفكفكة مشروعه الذي يواجه الآن مأزقًا تاريخيًّا، يجب أن تكون الشعوب التوّاقة إلى التحرّر والانعتاق والتنمية هي من تقول كلمتها في مآل هذا المأزق.

المصادر:

  • اتحاد لجان العمل الزراعي، دراسة حول "السياسات الوطنية في القطاع الزراعي"، أيلول (2019).
  • الاسكوا: التقرير العربي للتنمية المستدامة، (2020).
  • ماس: دراسة غير منشورة حول "عقد من العمل-أهداف التنمية المستدامة في دولة فلسطين"، فبراير (2022).
  • جلبير الأشقر: السيادة والتنمية، سلسلة الاقتصاد البديل، (2017).
  • عبدالله الدردري: الدوائر الاربعة للحلقة المفرغة: حالات قطرية، (2011).
  • موسعي ميلود: التنمية المستدامة، آفاق البيئة والتنمية (موقع الكتروني)، آذار (2020).