Menu

المُثَقَّفُ العُضْوِيُّ الجَمْعِيُّ الإنْسَانْ

عبد الرحمن بسيسو

نشر هذا المقال في العدد 37 من مجلة الهدف الإلكترونية

تَوالتْ، على مدى قرنٍ ونحو عِقدينِ من زمننا المُعاصِر، عملياتُ توليد النُّعوت التي يُرادُ لواحدها أنْ يُحَدِّد مفهوم "المُثَقَّف" في دلالةٍ تكونُ هي ذات الأولويَّة، والأهمُّ والأبرزُ، فثَمَّة طَائِفةٌ مِنَ النُّعوت المُترادِفَة، أو المُتحَوِّلة؛ أي المُتَغايرة لفطِيَّاً والمُتقَاربَة مفهوميَّاً على نحوٍ نسبيٍّ ينْحو، مع تقلُّص درجاتِ تفاوتِه الدَّلالي والمفهومي، صَوبَ التَّطابُق الكُلِّيِّ بين اللَّفظِ ومعناهُ في اللغة والاصطلاح. وثّمَّة، في مُقابِل هذه الطَّائِفةِ، طائِفَةٌ أُخرى من النُّعُوت المُترادِفَة، أو المتَحَوِّلَة، الَّتي يتدرَّجُ تَفاوتُها النِّسبيُّ صُعُوداً صَوبَ أعلى درجاتِ التَّناقُضِ منِ وجْهتيِّ اللَّفطِ والمعنى اللُّغوي، مَعِ المدلولات الاصطلاحيَّة والمنطويات المفهوميَّة للطائِفة الأولى.

وثَمَّةَ إدراكٌ أَصَّلهُ التَّفحًّصُ الدَّلاليُّ المفهومِيُّ الدَّقيقُ لحقيقة أنَّهُ لمْ يَكُنْ من غايَة لإلصاق هذه النُّعُوت بالاسم "المُثَقَّف" مُذْ لحظَة صَوغِه الأولى في نهاياتِ القرنِ التَّاسِع عشر (1898) على يَدِ نُخبَة من "المُثَقَّفين" الفرنسيين من مُنتجي المعرفَةِ والمُنْخَرطِيْنَ في ترويجها وتداولها، سِوى إعمال الوصفِ كأُسلوب بِناءٍ لُغَويٍّ لصَوْغِ مُصْطلَحٍ مفهوميٍّ مُركِّبٍ من اسمٍ مَوصُوفٍ ومنْ صِفَةٍ تُحَدِّدهُ إدْ تُخْرجُه من عُموميَّتِه وتُعيدُ تُوجِّيه مَقصَدهُ المفهوميَّ صَوبَ التَّطابُقِ التَّام مَع منظورِ  صَائِغهِ، ومنهجِه، ومَع رؤيَتِه الغَائِيَّة لماهيَّة "المُثَقَّف"، ومُكَوِّناتِ هُويَّته، وطبيعة مَهمَّاتِه ووظَائِفه الاجتماعيَّة التَّاريخيَّة، وأدواره الحياتيَّة والوجوديَّة التي تُحدِّدها الآيديولوجيَّة الطبقيَّة، أو المنظومة المعرفِيَّة، أو الرؤية للعالم، التي يعتنقُها مسكونَةً بالغايات التي ينشدُ تحقيقها مِنْ نَفْسِهِ، ومن "المُثَقَّفِ" الذي ينشدهُ إذْ يدعُوهُ اعتناقِهَا، والانخراطِ مَع الآخرينَ من مُعتنقيها في العمل الفَعَّال على تجسيدها في الواقِعِ على نحو يُحِيْلُ خُصوصيَّتها المُجَرَّدة إلى عُموميَّةٍ واقِعِيَّةٍ تَتوخَّى أنْ تكونَ شُموليَّةً ومُطلقة.

وجَليٌّ أنَه لمَ يَكُنْ للاسم: "المُثَقَّف"، لحظَةَ صَوْغِهِ وتوظيفِه لأوَّلِ مرَّة، أنْ يتَطلَّبَ الوسْمَ بأيِّ صِفَةٍ تُحَدِّدهُ، فَتُخرِجَه عن شُمُولِ دلالَتِه المفهُوميَّة الّذَّاهِبةِ صَوبَ كُلِّ ما يُناقِضُ الحقَّ والحقيقةَ في تأسُّسِهِمَا على الحقائقِ المادِّيَّة الرَّاسِخة، وعلى المُعطياتِ العلميَّة والعمليَّة النَّاجِمَةِ عنِ إعمالِ العقلِ الإنسانيِّ الوقَّادِ، وعن إشعالِ مناراتِ الاستنارة الإنسانيَّة المُجافِيَة كُلَّ عَتَمٍ ظُلْميٍّ، وباطِلٍ تزْييفيٍّ، وتَوحُّشٍ بشريٍّ، وتَخْييلٍ آيديولوجي يتولَّى أدلجَةَ الخرافَاتِ والأساطيرَ، وتحريفَ الكَلِمِ، وتزييفَ الوعي، ولَيَّ أعناقِ الحقائقِ الرَّاسِخَة، وغسلَ الأدمِغة، وتشويشَ الأذهان، وتفريغَ العقُولِ، وإماتَةَ الضَّمَائر، بُغْيَةَ ترسيخَ الإذعانِ المجتمعيِّ، حفاظاً على مصالح الطبقاتِ المُستغِلَّة المستبدَّة السَّائدة، وتعميقاً لسطوة هيمنتها، وتَأبيداً لوجودها.

 ومع إظهارِ الصِّفَة الجوهريَّة المُضْمرة في الاسم نفسِه: "المُثَقَّف، صِرنَا، إزاءَ مُصطلَح مُركَّب من اسم موصُوفٍ وصِفَةٍ هو: "المُثَقَّف الحقيقيِّ"، المُشتَقِّ، أصلاً، من "الثَّقافَة" بأعمَق معانيها وأحقِّهَا في النُّهوضِ ببلورة معنى الوجود الإنساني في الوجودِ وبثِّ مَغزاه في الوجدان الإنساني الجَمعيِّ، بحيثُ أوجبَ اشتقاقُهُ مِنْها  أنْ ينتمي، مُنْذُ البَدءِ وبِكلِّيَّنه الوجودِيَّة، إلى جَوهَرها الحقيقيِّ الأصيل بِوصْفِهَا رحْمَ ميلاده، وذلكَ بِقدر ما أوجَبَ أنْ يُدْرَجَ اسمه: "المُثَقَّف"، مع توالي الأحقابِ والأزمنَة، ومع تَنوُّع الشُّروط الاجتماعيَّة والتاريخيَّة، وتَغايُرِ الآيديولوجياتِ، والمنظومات المعرفيَّة والقيميَّة، والسِّياقاتِ، والغاياتِ، ضِمنَ تركيبات وصْفيَّةٍ ثُنائيَّةِ المفرداتِ، أو مُثَلَّثَتِهَا أحياناً، بقصدِ تسليط الضَّوء على منطوياتِه المفهوميَّة التاريخيَّة المُتَطَوِّرةِ، والتي يُرادُ إظهارها بِسُطُوعٍ وجلاءٍ يضيئَانِ ما عداهَا كنقيضٍ لها فيما هُمَا يُفْصِحانِ عنها.

ومع أنَّ الاسمَ: "المثقَّف" لا ينطَبِقُ، في ذاتِه وانفراده، إلاَّ على "الْمُثَقَّف الحقيقي"؛ "المُثَقَّف الحَقِّ"، فقد كانَ لهذا التركيب الاصطلاحيِّ الوصفِيِّ الأخير أنْ يَكونَ رديفاً  مُطابِقاً لهُ، فلا يتميَّزُ عنْهُ بشيءٍ سِوى أنَّه قَدْ أَظْهَرَ ما يُضْمِرَهُ، فأهَّلَهُ للإفْصَاحِ، بجلاءٍ ظَاهريٍّ ، عنْ نفسِهِ، وعنْ نَقائِضِه، دونِ أدنى إخلالٍ بحقيقَة أنَّهُ هُوَ، وبلا اقترانٍ بِصِفَةٍ تُحَدِّده، "الْمُثَقَّفُ الحقيقيُّ"؛ "المُثَقَّفُ الحَقُّ"؛ إذْ ليسَ لَهُ أنْ يَكونَ، من حيثُ الماهِيَّة والهُويَّة والانتماءِ والوظيفة والدَّور، إلَّاً حقيْقيَّاً؛ أي إلَّا إنْساناً عارِفاً، مُنْتَمِيَاً لإنْسَانِيَّتِه في انتمائهِ لمجتمعه ووطنه، وإلَّا ناشْطَاً اجتماعيَّاً تاريخيَّاً، فَاعِلاً وخَلَّاقَاً في مداراتِ الحَياةِ الاجتماعيَّة، والتاريخ، والوُجودِ الإنسانيِّ، وذلك على نحو تفاعُلِيٍّ، مَعْرِفِيٍّ وعَمليٍّ، فَرديٍّ وجمعيٍّ، أو هُوَ لا يَكُونُ مُثَقَّفاً، أبداً؛ أي لا يَكونُ، في الأصل، إنْسَانَاً ينشدُ كَمالاً إنسانيَّاً مُمكِناً لنفسِهِ، ولآخريه من النَّاسِ المنفتِحينَ على أنْ يَكونوا "أنوات مُغَايرةٍ" لـ "أناهُ"، ليُتيحَ انخراطهما في تفاعُلٍ وِئآميٍّ حميمٍ أنْ يُكِمِلَهَا بِقَدْرِ ما هي تُكْمِلَهُ، وليُدركا، معاً، الذَّاتَ الجمعيَّة الإنسانيَّة الجَوهَريَّة النَّاجِمَة عن هذا التَّفاعُلِ الحيَويِّ الخلاق .

***

والحَقُّ أنِّي ما كُنتُ لِأُقْدِمَ على اقتراح مُصْطلَح "المُثَقَّف العُضْويِّ الجَمْعِيِّ الإنْسَانِ" في مقالٍ سابِقٍ حمل عُنوان: "المُثَقَّفُ الإنسانُ وإصلاحُ العَالم"، ونَشرتهُ مجَلَّةُ "الهدف" الموقَّرةِ في عددها رقم  34 (1508) الصَّادر في شباط/ فبراير 2022، لولا تَوافُري على مُعطياتٍ ومُسَوِّغاتٍ نجمت عن مُتابَعةِ حثيثة، وتبَصُّراتٍ تَوخَّتْ أنْ تَكُون عميقةً، للتَّحولاتِ الصَّوْغيَّة والمفهوميَّة والاستعماليَّة التي شَهدها مُصطلحُ "المُثقَّف" مُذْ نشأتِه حتَّى اللَّحظَة، وعنِ استلهامٍ لِهذهِ التَّحولات يُدركُ مُؤَسِّساتِها ودوافِعها وغاياتها، ولا ينشُدُ شيئاً سوى صَوغ مُصطلحٍ يُجلِّي المنطويات المفهومِيَّة التي تستجيبُ لحاجاتِ الإنْسَانيَّة في شُروطِ الزَّمن التَّاريخيِّ، الحياتيِّ والوُجُوديِّ، الصَّعبِ، الذي تُوَاجِهُهُ، الآن، فيما هي تُواجِهُ التَّوحُّش البشريِّ المُنْفَلِتِ مِنْ كُلِّ عِقالٍ، والذي لا يَكفُّ عن تغيير الآيديولوجياتِ، وترسيخِ أنظمة الاستبداد والتَّحريم والمَنْعِ والكبحِ، وتَنويعِ أسلِحَة الفَتْكِ، وتبديل الأقنَعَة التي تَتوخَّى إخفاءَ قُبْحِ وجُوهِ الكائنات البشريَّة والكيانات الرأسماليَّة العُنصُريَّة المُمُعِنَة في اقترافِ شتَّى ضروب التَّوحُّشِ البشريِّ المصحوبِ بتوجُّهٍ مَحْمُومٍ يتقَصَّدُ تعميمه وعَولَمتِهِ على نَحوٍ يجعَلُه "قانُوناً طبيعيَّاً" في وعيِ عامَّة النَّاس، فَيُلْغي قُدْرتَهم على  تَوقُّع استئصالِه، ناهيكَ عن السَّعي إلى فِعْلِ ذلك!

***

على مدى العقود المتواليَة مُنْذُ نهايات العقد الأخير من القرنِ التَّاسِع عَشرِ وحتِّى هذه اللحظَه من القرنِ الحادي والعشرين، تَوالى انهمارُ سلاسِلِ النُّعوتِ التي أُلْصِقت، للأسبابِ التي ألمحنا إليها، بالاسم الذي حسبنَا أنَّه مُكتفٍ بذاته: "المُثقَّف"؛ فبعدَ إطلاقِه، لأوَّل مرَّةٍ، من قِبل الروائي الفرنسي إميل زولا (1840 – 1902) بالاشتراك مع نُخبَة من المُثَقَّفِينَ الفرنسيين الذين وقَّعوا، في الرابع عشر من كانون الثاني (يناير) 1998، "بيان المُثَقَّفين" الأوَّل والأشهرِ، صَاغَ المُفَكِّرُ والروائي الفرنسي جوليان بيندا (1867 – 1956) مُصطلح "المُثَقَّف الحقيقي"، وذلكَ في كتابِه "خيانة المُثَقَّفين" الصَّادر في العام 1927، رائياً أنَّ هذا "المُثَقَّف الحقيقي" نظيرُ الفيلسوف المثالي الحكيم الذي هو، في جَوهَرِ هُوِيَّتِه، "ضميرُ البشريَّة" المدافِع عن ثوابت الحقِّ والعدل في مواجهة أي سُلطةٍ مُستبدَّة، والذي هو النَّقِيْضُ الفِعْلِيُّ لـ"المُثَقَّف الزَّائف" أو "شَبِيه المُثَّقَّف"، الذي لن يتسنَّى لَهُ أنْ يَلدَ، من نفسِه، مثقفاً حقيقيَّاً، أبداً.

وفي غُضُون العقد الواقع ما بين منتصف أربعينات القرن العشرين وخمسيناتِه، وهو العقد الذي قضىاه، بأمر نظام الحُكْم الفاشي، سجيناً (1926 – 1937)، صَاغَ المُفكِّرُ، والمُثّقَّف الموسُوعي، والمناضل الاشتراكي الإيطالي المرموق، أنطونيو غرامشي (1891 – 1937)، في ثنايا كتابِه المعرفي الكبير "دفاتر السِّجن"، مُصْطلح "المُثَقَّف العُضُوي" مقروناً بِمصطلح "الكتلة التاريخية"، ومنُاقِضاً مُصطلح "المُثَقَّف التَّقليدي" بِكُلِّ تجلياتِه، ومُعِيْداً تَعريفَ مُصطلح "المُثَقَّف الحقيقي"، وذلكَ على أساس معرفي اجتماعيٍّ جَدليٍّ أفضى إلى إبدالِ صِفَته لتَنْبُعَ حَقِيْقِيَّتُهُ الجوهريَّة الفعلِيَّةُ، أي إنسانيَّتُه، من عُضْوِيَّتِهِ، وذلكَ في سياق تأويلٍ انتمائيٍّ طبقيٍّ لاستعارةِ الجَسَدِ من منظورٍ يتوخَّى تعرُّف ماهيَّة "المُثقَّف العُضْوي"، وبلورة مُكوِّنات هُويَّته، وتحديد وظائفه وأدواره، ودائماً عبر إعمال المنهجَ الجدليَّ النَّاهض، من جِهةٍ أولى، على إدراك حقائق الواقِع الاجتماعي التاريخي القائمِ على إمعانِ في الفسادِ والتَّوحُّش البشري الرأسماليِّ الفاشي، والذَّاهب، من جهةٍ ثانيةٍ، إلى بلورة رؤية مُستقبليَّة تُلبي شروطِ تحقُّق الوعي الإنسانيِّ، والفعلِ النِّضاليِّ الجَمْعِيِّ، واجبي الوجود لتغييره بإدراكِ نقيضِه الإنساني المنشودِ.

وقد كان لِتبصُّرات غرامشي أنْ تُوضِّحَ، بجلاءٍ جَدليٍّ فصيحٍ، أنْ ليس ثَمَّة من إمكانيَّة فعليَّة لإدراك الواقِع الإنسانيِ المنشودِ إلَّا عبر نُهوض "المُثقَّفين العُضْوِيينَ"، في إطار "الكتلة التَّاريخية" التي إليها، عُضْوِيَّاً، ينتمونَ، بمهماتِهم الرؤيَويَّة التَّوعَويَّة، ووظَائِفِهم العمليَّة، وأدوارهم الإنهاضية التَّغييرية الجَمْعِيَّة، وذلكَ منْ دون انتظارٍ تكليفٍ مُسبَقٍ من أحدٍ، ومن دون تَوخِّي الوصول إلى غايَةٍ سَوى تمكينِ الإنسانيَّةِ المُعَذَّبة، مُجسَّدة في طبقتهم الاجتماعيَّة المُستَغَّلة والمحرومة، من إدراك جوهَرها العميقِ الذي كانَ لإدراكه من قبلِهم، كَـ"مُثقَّفينَ عُضويين إنسانِيينَ"، أنْ يُمَكِّنَهم من حلِّ التَّناقُضاتِ الفادِحَةِ التي لم تَكُنْ لتَكفَّ عن المورانِ في أعماق وجدانِهم الفرديِّ والجمعي.

***

وعلى مدى السنوات الممتدة من لَحظَة ظهور مُصطلح "المُثقَّف العضوي"، والشروع في تداولهِ والتَّبصُّرِ في منطوياته المفهوميَّة، والتَّحاورِ مَعه، وهي اللحظة الممهورةُ بنشر مُجلدات كتاب "دفاتر السِّجن" السِّتَّة بلغته الإيطاليَّة، خلال الأعوام من 1948 حتى 1951، وبتوالي نشرِ ترجماته إلى لغات عديدةٍ، لمْ يَكنْ ثَمَّة من صِفَةٍ جديدة، وذات مَغزى، أُعْطِيَتْ لـ"المثقَّفِ" سوى تلك التي اقترحها الفيلسوف الجدليُّ الفرنسي، والكاتب المُبدع، مُؤَسِّسِ "الوجوديَّة": جان بول سارتر.

اختار سارتر صِفة "الرَّاهِنِ نَفْسَهُ" أو "المُلْتزم"، بمعناها الرؤيويِّ والنِّضالي المتواشج، لوسمِ "الكاتب المُبدِع" الذي رأى أنَّهُ هو، من حيثُ الماهية والجوهر وبعيداً عن المُصَادفة، "المُثقَّف" الذي يعنيه، وذلك في كتابه "ما الأدب؟" (المنشور لأوَّل مرَّة في العام 1947 في مجلة الأزمنة الحديثة)، الذي بلور في ثناياهُ مُصطلحي "الالتزام" و"الكاتب المُلتزم"، ليعود، لاحقاً، إلى توسيعهما وتأصيل مدلولاتهما الفلسفيَّة والثقافية والاجتماعيَّة والتاريخية باعتبار "الالتزام" سِمَةً لكُلِّ مُثقَّفٍ، وليس للكاتب فحسب، إذْ  ليس للخيار الإنْسَاني الجذريِّ الذي يعتنقُه المُثَقَّفُ، كاتباً مُبدعاً أو مُنتجَ معرفَةً من طبيعة لا تنحَكِمُ إلى جماليات الإبداع الأدبي والفَنِّي، إلا أنْ يُجَلِّي حقيقةَ كَوْنِه "مُثَقَّفاً عُضُوياً"؛ أي "مُثَقَّفاً مُلتزماً"، وذلك في ضَوء العلاقَة القائمة، في تبصُّراتِه، بين المنطويات المفهوميَّة لهذين المُصطلحين الموسومين بقدرٍ كبيرٍ من الترادف التَّطابُقي، والحائزين على قيمة معرفِيَّةٍ عابرة للأزمنة بالرغم من سعي السَّاعين، لأسبابَ غير إنسانيَّة، إلى قصرهما على القرن العشرين.

وقد جاءت تبصُّرات سارتر هذه في سياق ثلاثة مُحاضرات ألقاها في اليابان، في مطلع سبعينات القرن الماضي، وتَضَمّنت مُقارباتِه الفلسفيَّة والاجتماعيَّة المُعَمَّقة في مُمكنات وشُروط تَحوُّل "تقني المعرفَة العمليَّة"، وليدِ البرجوازية الرأسماليَّة المُسْتَغِلَّة وخادمُ غاياتِها المُؤَجَّر، إلى "مُثَقَّف عُضويٍّ"؛ "مُثَقَّفٍ مُلتزمٍ"، ينتمي، على نحوٍ لا يُخلُّ باستقلاليَّتة ونقديَّته الجذرية، إلى الطبقة الكادحَة والمحرومة من العمال والفلاحين، ناشِداً الغايات الإنسانيَّة التَّاريخية الحضاريَّة التي تنشدها، ومُنْخَرطَاً، معها، في التَّصَدِّي النِّضالي لكل أشكال الاستغلال والاستبداد والحرمان، ومُرسِّخاً بهذا الانتماءِ، وبهذا النُّشدانِ، وبالنِّضالِ الشَّاق والنبيل الذَّاهبِ بثِقَةٍ عاليَةٍ صَوبَ إدراكِه، انتماءَهُ الحقَّ إلى إنسانيَّتهِ في شُمُولِهَا وإطلاقها، وفي تَجَوهُرها المعرفيِّ والوجوديِّ المفتوحِ على التَّجلي الحيويِّ المُناقِضِ كُل ضُروب التَّوحُّش البشري وأشكاله.

***

وإذْ نأخُذُ في اعتبارنا، ومن دون حاجةٍ للإغراق في ذكرها، سلاسلَ النُّعوت التي توالى انهمارها لوصف المُثقَّف من منظورات حُقُول معرفية متغايرة وبحسب مناهج بحثٍ مُتنوِّعَة، ولغاياتٍ مُتفارقَةٍ أو حَتَّى مُتناقِضَةٍ، سَواء خلال فترات رواج كلا المُصطلحين المُترادفينِ أو عقب ما سُمِّي بمرحلة انحسارهما، فَإنَّنا لَنقرأُ في المنظويات المفهوميَّة للمصطلح الذي نقترحَه: "المُثَقَّف العُضويُّ الجَمْعِيُّ الإنْسَانُ"، ما يستجيب لحاجات العصر الذي نُكابدُ إيغاله في التَّوحشِ البشريِّ عبر إيغال نُخَبِ الطبقاتِ الرأسماليَّة العنصريَّة الَّتي تتسيدُ عليه في الاستبداد والجشَع، كَما إننا لنقرأُ فيها ما يُعزِّزُ استمرارية الحَاجة إلى وُجودِ، ومُتابَعة إعمال، صِفَة "العُضوي" الضَّامرةِ صِفَةَ "الملتزم"، وذلك في مُعتركِ نِضالٍ إنسانيٍّ عَصْريٍّ، معرفيٍّ عمليٍّ، وثوريٍّ تغييريٍّ، ينهضُ على "الترامٍ إنسانيٍّ جَوهريٍّ" يَضْفُرُ "الالتزام الطبقي" و"الوئام الإنسانيَّ" في وَشيجَته، ولا يَكفُّ معتنقو فِكرتِهِ، والمُحفِّزونَ على إطلاقِه، والمُنْخَرطونَ في مساراتِه، والمُؤَهَّلون لتولِّي قيادته، من المُثَقَّفين العُضويينَ الجمعيينَ الإنسانيين من شَتَّى الطبقات والأوطان والأُمم، عن التَّفاعُل الحيوي لتجسيد اللُّحمة النِّضاليَّة الإنسانيَّة الخلَّاقةِ التي يستوجِبُها بين جميعِ الكُتَل التاريخيَّة للطبقات المُستَغَلَّة المحرومة، والشُّعوب المُستعمرة المقهورة، المسْلوبة الأرض والكرامَة والحريات والحُقُوق والمصائر، في "كُتلَة إنسانيَّةٍ تاريخيَّة "، يتكفَّلُ نُهُوضُها باجتثاث التَّوحُش البشريِّ، وأنْسَنَة العالمْ.