Menu

الصينُ والخليج... قلقٌ أمريكيٌّ من تنينٍ يتمدّد

رضي الموسوي

بوابة الهدف الإخبارية

لم يبالغ الرئيسُ الأمريكيُّ جو بايدن عندما خاطب قياداتٍ في الكونغرس من الحزبين؛ الديمقراطيّ والجمهوريّ، بعد استلامِهِ زمامَ الأمورِ في البيت الأبيض، وبدأَ في تلقّي التهاني من قادة دول العالم، حين قال بعد أن اتّصل به الرئيسُ الصينيّ شي جين بينغ: "إنْ لم نتحرّك الآن فسوف يأكلون غذاءنا"، يقصد الصينيّين. ويبدو أنّ بايدن محقٌّ في قوله؛ فآخرُ المفاجآت الكفُّ "الأمنيّ- العسكريّ" الذي وجّهه التنينُ الصينيّ على الوجه الأمريكيّ، المتمثّل في الاتّفاق الذي أبرمته بكين قبل أيامٍ قليلةٍ ماضية مع جزر سليمان في جنوب المحيط الهادي، وهي أرخبيل؛ يتألّف من 990 جزيرة بمساحة 24,500 كيلومترًا مربعًا، وسكّانها لا يتجاوزون نصف مليون نسمه. اتّفق الطرفانِ على إقامة قاعدةٍ عسكريّةٍ في الأرخبيل، ما أزعج واشنطن من هذه الخطوة، التي ليست سوى قطر ةٍ في بحر النفوذ المتمدّد للتنين الذي تحوّل إلى نموذجِ نجاحٍ ومثارِ إعجابٍ وحديثِ العالم على مختلِف المستويات، بَدْءًا من صناعة السلع التي تُغرق الأسواق، وصولًا إلى حجم براءات الاختراع والابتكارات والتطوّر الذي بلغته الصين في مجال تكنولوجيا الاتّصالات (5G) التي أوجعت صنّاع القرار في البيت الأبيض، وقادتْهم إلى معاقبة شركة هواوي الرائدة في الاتّصالات باحتجاز مسؤولين فيها بتهمٍ شتّى.

مخطّطو الاستراتيجيّات في الصين بقيادة الحزب الشيوعي، المؤمن باقتصاد السوق ورأسماليّة الدولة، توصّلوا قبل سنواتٍ إلى خلاصاتٍ مهمّة، أرادوا منها إحياء طريق الحرير القديم بتسميّةٍ جديّةٍ هي مشروعُ الحزام والطريق، وبدأوا في تعبيد الطريق له من خلال اتفاقيّاتٍ وعقودٍ وتفاهماتٍ مع دول العالم المهمّة، في مختلف القارّات، مستخدمين إبداعاتهم وابتكاراتهم التي لم تتوقّف يومًا، حتّى أصبحت أغلب السلع والأدوات والأجهزة بمختلِف أشكالِها هي من صنعٍ صينيّ. وحتّى تجسّد الاستراتيجيّة على أرض الواقع وحمايتها، قامت الصين في السنوات الأخيرة بتشييد قواعدَ عسكريّةٍ في العديد من الموانئ البحريّة، فبدأت في تعزيز علاقاتها مع أكثر من 150 دولةً، وأصبح ملحقًا عسكريًّا في أكثر من 112 بلدًا، كما أرسلت ملحقًا عسكريًّا إلى أكثرَ من 100 من سفاراتها المنتشرة في العالم، وترسل سنويًّا قرابةَ 200 وفدٍ عسكريٍّ، وتستقبل مثلهم من مختلف دول العالم. ويبدو أنّ قادة الحزب الشيوعي قد تطبّعوا باقتصاد السوق، وتعمّقوا في هذا الطريق حتّى تقدّموا على قائدة الرأسماليّة العالميّة، الولايات المتّحدة الأمريكيّة التي وصفها الزعيم الصيني ماوتسي تونغ في نظريّة العوالم الثلاث التي أطلقها في ستينات القرن الماضي، بـ"الإمبرياليّة الهرمة" الذاهبة إلى الزوال، حسب الحتميّة التاريخيّة.

لا وقتَ للمزاح عند الصين، لذلك وجدت ضرورةً أمنيّةً وعسكريّةً لحماية مصالحها في عالمٍ يحكمه قانونُ القوّة لا قوّةُ القانون. كانت بكين تتحرّك بهدوءٍ باقتصادها وتتسلّل إلى كلّ دول العالم في إطارِ القوّة الناعمة؛ ظلّت بعيدةً عن الصراعات والنزاعات وتفرّغت للإنجاز الاقتصاديّ والتجاريّ، لكنّها احتاجت، بمرورِ الوقت، لأنْ تُكشّر عن أنيابها، فكان لها ذلك. فقبل جزر سليمان، أقامت الصين قاعدةً عسكريّةً في جيبوتي، وهي الأولى لها خارج أراضيها بكلفةٍ تقتربُ من 600 مليون دولار؛ بهدفِ حمايةِ مصالحها التجاريّة في الممرّات البحريّة، لما تمثّله جيبوتي من موقعٍ استراتيجيٍّ على مضيق باب المندب الذي يفصل خليج عدن عن البحر الأحمر، البوّابة المؤدّية لقناة السويس. وتموّل الصين مقابل ذلك 14 مشروعًا في البُنى التحتيّة في جيبوتي بعشرات مليارات الدولارات، ومنها إنشاء 6 موانئ مصمّمة لاستقبال الحاويات القادمة من الصين، هذه القاعدةُ أزعجت الولايات المتّحدة الأمريكيّة التي تمتلك، هي الأخرى قاعدةٌ عسكريّةٌ في جيبوتي، كما فرنسا ودول أخرى.

وفي نهايةِ ثمانيناتِ القرن الماضي، قبل إقامة العلاقات الديبلوماسيّة بين الصين والسعوديّة، اكتشفت الولاياتُ المتّحدة وجودَ اتّفاقٍ صينيٍّ سعوديّ، تزود بموجبه الأولى الرياض بنحو 60 صاروخًا من طراز "دونغ فنغ3" متوسّط المدى، وقادر على حمل رؤوسٍ نوويّة، وأدّى هذا الاكتشافُ إلى نشوءِ أزمةٍ بين واشنطن والرياض، حيث ترى أمريكا أنّ السعوديّة هي من مناطق نفوذها ولا يحقّ لأحدٍ أن يقتربَ من مياهها الدافئة كما هو الحال مع مياه الخليج. تصاعد الانزعاج الأمريكيّ مع زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز للصين في العام 2017، التي تمَّ التوقيعُ خلالَها على اتّفاقيّاتٍ بما يزيد على 65 مليار دولار، منها إقامةُ مصنعِ طائراتٍ من غير طيّارٍ في السعوديّة، حيث سبق لواشنطن وأن رفضت طلبًا سعوديًّا بتزويدها بهذه التكنولوجيا، وكانت الصين بالمرصاد وجاهزة. يضاف على ذلك، شروع الصين في إقامة منشأةٍ نوويّةٍ سلميّةٍ في السعوديّة عام 2020، بعد أن رفضت واشنطن هذا الطلب من السعوديّة. ما زاد حنق الولايات المتّحدة ما كشفت عنه شبكة سي إن إن العام الماضي من معلومات، تفيد بأنّ السعوديّة بنت منشآتٍ لتصنيع الصواريخ البالستيّة بمساعدة الصين، هذه المعلومات لم تنفها الصين، بل إنّ المتحدّث باسم خارجيّتها، قال إنّ الصين والسعوديّة "شريكان استراتيجيّان شاملان ويحافظان على تعاونٍ وديٍّ في جميع المجالات بما فيها التجارة العسكريّة".

يزداد الحضور الصينيّ بصورةٍ متسارعةٍ في السعوديّة وباقي دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا بعد أن انسحبت الولايات المتّحدة من أفغانستان وإعلانها تخفيف وجودها في الخليج نحو الشرق، حيث تتأزّم العلاقات مع بكين في بحر الصين الجنوبي؛ إذ تجد واشنطن أنّ مصالحها هناك أهمُّ من مصالحها مع الخليج، ولأنّ الطبيعة لا تؤمن بالفراغ، فقد سارعت الصين وعبّت هذا الفراغ بكلّ جدارة، مدعومةً بقوّةٍ اقتصاديّةٍ هائلةٍ لا تقلّ عن القوّة الاقتصاديّة الأمريكيّة، بل تتفوّق عليها في الكثير من المجالات وأهمّها تكنولوجيا الاتّصالات؛ فقد تضاعف التبادل التجاري بين الرياض وبكين في سنواتٍ قليلة؛ فبعد أن كان لا يتجاوز 3 مليارات دولار عام 2000، قفز إلى 67 مليار دولار عام 2020، وتعدُّ الصين أكبرَ شريكٍ تجاريٍّ للسعوديّة على المستوى العالمي، تليها الولايات المتّحدة. وبلغ معدّل التصدير اليومي من النفط السعوديّ للصين في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 1.80 مليون برميل يوميًّا، متقدّمةً على روسيا التي صدرت في نفس الفترة 1.67 مليون برميل يوميًّا. واللافت أنّ الصين تتمتّع بفائضٍ تجاريٍّ مع أغلب دول العالم التي تمتلك معها تبادلاتٍ تجاريّة، لكنّها ليست كذلك مع السعوديّة، حيث صدرت السعوديّة للصين 39 مليار دولار في 2020 مقابلَ استيراد سلعٍ من الصين بقيمة 28 مليار دولار، أي بفائضٍ مقداره 11 مليار دولار لصالح السعوديّة، بينما يبلغ التبادل التجاريّ بين السعوديّة والولايات المتّحدة الأمريكيّة 20.19 مليار دولار لنفس الفترة، حيث صدّرت السعودية 8.99 مليار دولار واستوردت من أمريكا 11.2 مليار دولار، وَفْقَ تقرير مجلس الأعمال السعوديّ الأمريكيّ.

وإذا كان هذا هو حالُ الصينِ مع السعوديّة، فإنّه لا يختلف كثيرًا مع الاقتصاديّات العربيّة، فقد بلغ حجم التبادل التجاريّ بين الصين والدول العربيّة 239.8 مع نهاية 2020، منها 123.1 صادرات صينيّة للبلاد العربيّة و116.7 مليار دولار صادرات عربيّة أغلبها صادرات نفطيّة، لتسجّل فائضًا لصالح الصين بمقدار 6.4 مليار دولار، ومثّلت الإمارات العربيّة المتّحدة، رأس حربة الاستثمارات الصينيّة لتشكّل 44 بالمئة، من إجمالي الاستثمارات الصينيّة في البلدان العربيّة، فهناك 5000 علامةٍ تجاريّةٍ صينيّةٍ مسجّلةٍ في الإمارات فضلًا عن 4000 شركةٍ صينيّة، ويمرّ 60 بالمئة من التجارة الصينيّة مع أوروبا وإفريقيا عبرَ الإمارات، هذه المصالح ترى الصين ضرورةً لحمايتها، وقد كشفت صحيفة فاينانشال تايمز في شهر نوفمبر الماضي عن أنّ الاستخبارات الأمريكيّة الناشطة قد تأكّدت من أنّ الصين تبني سرًّا موقعًا عسكريًّا في ميناء خليفة في إمارة أبو ظبي، ورجّحت الصحيفة أنّ الإمارات ليست على علمٍ بنشاط الصين هذا، بينما مارست واشنطن أقصى الضغوطات حتّى توقّف المشروع، علمًا أنّ الصين تستورد 18.6 بالمئة من النفط العالمي، بينما تعتمدُ دول مجلس التعاون الخليجي في أغلب موازناتها العامة على تصدير النفط.

كما أقامت الصينُ في منطقة الدقم بسلطنة عُمان، القريبة من مضيق هرمز، منشآتٍ صناعيّةً كبرى بكلفة 10 مليارات دولار، تتضمّن إنشاءَ مصفاةِ نفطٍ ومجمع للبتروكيماويات وعدد من المشروعات الكبرى، بينما تعدّ الصين أكبرَ مطوّرٍ لقناة السويس، عبرَ شركة "تيد" التي خصّصت لها مصر 7.2 كيلومتر. ولضمان تنفيذ مشروعها الاستراتيجي الحزام والطريق، يمتد نشاط الصين إلى مضيق جبل طارق، وقد تمّ التوقيع على مذكّرة تفاهمٍ بين المغرب والصين لإقامة مدينةٍ صناعيّة، تطلّ على المتوسّط وإفريقيا بكلفة 10 مليارات دولار، وتم تكليف شركة "هايت" الصينيّة ببنائها. وفي سياق الحزام والطريق، فقد وقّعت الصين مع أكثر من 100 دولةٍ ومنظّمةٍ دوليّةٍ على وثائق تعاون في إطار توسيع نفوذها من أوراسيا إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينيّة ومنطقة الكاريبي وجنوب الباسيفيك.

ربّما تفسّر الحرب السريّة التي تشنّها واشنطن على بكين، هلعًا وخوفًا أميركيان، بسببِ تمدّد الصين في مختلف دول العالم، مدعومةً بأبحاثها العلمية وببراءات اختراعها التي بلغت عام 2020، 1.5 مليون براءة اختراع، مسجّلةً لدى المنظّمة العالميّة للملكيّة الفكريّة التابعة للأمم المتّحدة، متجاوزةً الولايات المتّحدة بمرتين ونصف المرة، ولهذا دلالاتٌ واضحةٌ على التفوّق الذي تحقّقه الصين في الجوانب العلميّة، حيث تشيرُ بيانات وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينيّة، أنّ البلاد أكملت بناء أكبر شبكة أليافٍ ضوئيّةٍ في العالم، وشبكات مستقلّة من الجيل الرابع والجيل الخامس. وقد أُفتتحت961 ألف محطّةٍ قاعديّةٍ لشبكات الجيل الخامس، ما يمثّل 70٪ من الإجماليّ العالميّ"، حسب كبير المهندسين بالوزارة. وأشار "تقريرُ تطوّر الإنترنت في الصين عامَ 2021" إلى أنّه بحلول نهاية عام 2020، بلغ عددُ مستخدمي الإنترنت في الصين 989 مليونًا، وسجّلت نسبة انتشار الإنترنت 70.4٪، كما تجاوز عدد مستخدمي شبكات الجيل الخامس 160 مليونًا، يشكّلون نحو 89٪ من إجمالي الأرقام العالميّة.

الصينُ التي كانت في العقود الماضية ضمنَ دول العالم الثالث، لم تعد كذلك، فقد تخطّت الولايات المتّحدة في العديد من المجالات، وهي تقتربُ من انتزاع المركز الأوّل في حجم الاقتصاد، وتحلّ اليوم مكان الولايات المتّحدة وأوروبا في العديد من الدول، ومنها دولُ مجلس التعاون الخليجي التي تتمتّع بأكبرَ اقتصادٍ على المستوى العربيّ بناتجٍ محلّي إجمالي بلغ 1.42 تريليون دولار، رغمَ تأثّره بجائحة كورونا، ولا يبدو أنّ الولايات المتّحدة قادرةٌ على اللحاق بالتنين الذي انطلق بكلّ ثقةٍ واقتدار، وغير  قادرةٍ على لجم اندفاعته، نحو دول الخليج التي تجد في تطوير علاقاتها مع الصين، تخفيفًا عليها من ضغوطاتٍ غربيّة، يتعلّق بعضها بالديمقراطيّة وحقوق الإنسان واستنزاف فوائضها الماليّة، بعقود تسلّحٍ أسطوريّةٍ يبقى أغلبها في المخازن.