لحظة الموت ينتهي كل شيء بالنسبة للميت، تحرر الروح من الجسد لسبب ما ويبقى الموت هو نفسه الذي تصارع حوله الفلاسفة، ولكن مع الاحتلال يبقى السبب هو نفسه الموت فالاحتلال لا يأتي ويحمل معه أغصان الزيتون بل بالرصاص، والفسفور الأبيض، والقنابل العنقودية وغيرها، وإن كلمة احتلال هي الكلمة التي تعني في العقل الفلسطيني الموت ولكن بشكل أخر يحاول فيها الإنسان الفلسطيني التحايل على الموت بشكل لطيف في عقله الباطني.
يقول غسان كنفاني في قصته موت سرير رقم 12: "إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين، المنتظرين بمرارة دورهم لكي يكونوا درساً صغيراً للعيون الحية"، ولذلك ستجد تفاعلاً كبيراً مع رحيل شيرين أبو عاقلة، فالقريب والبعيد عنها سيتحدث عن موقف حصل هنا أو هناك سواء في طفولتها، أو المنزل، أو الشارع، أو الجامعة، وأكثر في الميدان الفلسطيني لأن كل مقاوم كان يضرب حجر على الأقل يعرف شيرين عن قرب، يعرف الجرأة، والاحتراف، ويعرف كيف كانت شيرين قريبة من الموت.
أن هذه الإنسانة التي حاولت العمل بسياسة النأي بنفسها عن التجاذبات والخلافات ليعاملها الجميع بكل حب واحترام وتقدير سواء العاملين في المجال الصحفي أو حتى المتابعين لها في كل العالم، وسيتحدث الناطقين بحقوق الإنسان حول قضية حرية الصحافة ويصدرون التقارير حول الشهداء الصحفيين في فلسطين، وستتضامن معها الشبكات الإعلامية، وأيضاً سيكتب عنها المتابعين ويقولون لها: "وداعاً شيرين أبو عاقلة"، وسيبكي عليها العاملين معها، بالإضافة إلى ذلك حتى الاحتلال سيحاول البحث عن مخرج لهذه الجريمة ويلصقها للمقاومة الفلسطينية ولكن الذئب ليس هنا برئ من دم يوسف، والحقيقة لا تغطى بالغربال.
من زاوية مختلفة يبقى رحيل شيرين أبو عاقلة مختلف، لأنها وقبل كل شيء إنسانة وليست مجرد رقم في سجلات الموتى، وكانت قبل ذلك حلم صغير لأبيها وأمها، وفي خضم هذا الصراع أصبحت امرأة تتحدى كل العادات والتقاليد وتنام في بيوت لا تعرفها، وتعيش كل الخطر اثناء اجتياحات الاحتلال، وأكثر من ذلك أصبحت شيرين أبنة كل بيت فلسطيني بعد أن عملت بمبدأ الشهيد غسان كنفاني: "الحقيقة كل الحقيقة للجماهير"، ولكن برصاصة واحدة في الرأس أصبحت شيرين شهيدة، هي الرصاصة التي لا تفرق بين أحد، وليبقى الموت لا يفرق عن موت مع الاحتلال، لأن القضية ليست قضية رصاص في الرأس أو حتى القلب أو أي مكان أخر، القضية هي قضية الاحتلال لأنه الموت نفسه.
من القدس إلى جنين هي الطريق الأخيرة التي سارت عليها شيرين، ولربما تكون هذه الجملة صغيرة وعفوية ولكنها كبيرة بالمعنى، لأن هذه الطريق جاءت بالمقاومين إلى ما تسمى عاصمة اسرائيل وقاموا بتنفيذ عملياتهم النوعية، وهذه الطريق هي الدليل على أن هناك طريق واحدة فقط للخلاص من الاحتلال هي طريق "المقاومة".
على عتبات الموت كانت تقف شيرين كشاهدة على الجرائم الإرهابية التي يمارسها الجيش الصهيوني، ولكنها لم تكن الشاهد الوحيد على قضيتها، فقد كانت تنقل خبر شهيد هنا، واعتقال طفل هناك، وهدم بيت في القدس، وغيرها من الأخبار، ولكن كانت دائماً تواجه مشكلة قالت عنها: " أصعب لحظة هي عندما تسأل أم شهيد ما هو شعورها هنا تفقد أنت شعورك".
قتل الاحتلال شيرين وأكثر قتل احلامها وطموحاتها وأفكارها، قتل الابتسامة المرسومة على وجهها التي تشبه إلى حد ما الوان قوز فزح، قتل لونها المفضل لطلاء الاظافر وتسريحة شعرها التي تختارها مقابل الكاميرات، وقتل أيضاً حبها لمدينتها المفضلة، ومشروبها المفضل، وطعامها المفضل، ولون كنزتها المفضل، ولكنه لم يكن يدرك أنه لم يقتل اليأس في هذه المرأة التي من المفروض أنها تعيش سن اليأس ولكنها لم تيأس من الميدان ومن متابعة الحقيقة، حتى أنها أصبحت الحقيقة بشهادتها لأن شهادتها قامت بتغيير الواقع الذي لم تستطيع أن تغييره وهي حيه عندما حاولت إيصال الصوت الفلسطيني إلى العالم.
حاورت شيرين أبو عاقلة الموت أكثر من مرة، جاء مع الجنود، والرصاص، والاشتباك، والاجتياح، جاء مع الدمار، ومع الحواجز، وفي كل مرة تتغلب على الخوف بداخلها، ولكن هذه المرة كان الموت يحاورها من مسافة صفر فتحررت الروح من الجسد كما يتحرر العصفور من القفص، ولكن الاحتلال لن يتحرر من جريمته المقصودة التي يعتقد من خلالها أنه قتل العصفور وسرق القفص.
لن تعود شيرين إلى البيت مثل المعتاد، ستعود هذه المرة مع جماهير تحملها على الاكتاف كما حملت هي مهمتها في نقل الخبر، وستعود أيضاً بعلم فلسطين ممد فوق جسدها وعليه "درع الرصاص الواقي" الذي لم يحميها وهي حية ولكنه سيبقى هو الآخر شاهد على الجريمة وسيبقى يعيش مع خبر استشهادها، ستعود مع الدموع والقهر وكل الذكريات التي حدثت معها، وستعود شيرين هذه المرة أيضاً كخبر يقول:" استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة"، ولكن هذا الخبر يدرك الشعب أنه حتماً مع الاحتلال سوف يسمعه كثيراً، ولذلك علينا أن نقول لها: "إلى اللقاء شيرين أبو عاقلة".

