Menu

هل روسيا قادرةٌ على مواجهةِ التحدّيات وتغيير العالم؟!

اسحق أبو الوليد

نشر هذا المقال في العدد 37 من مجلة الهدف الرقمية

"أظهرت الأحداثُ بشكلٍ مقنعٍ أنّ شللَ القوّةِ والإرادةِ هي الخطوةُ الأولى نحو التدهوّر الكامل؛ بمجرّد أن فقدنا الثّقة بأنفسنا بعضَ الوقت عانى ميزانُ القوى في العالم من الاضطراب"   فلاديمير بوتن 24 شباط

رغمَ تفكّكِ الاتّحاد السوفييتي السابق وسقوطه، الذي كانت تعدُّهُ الإمبرياليّة، وخاصّةً الأمريكيّة التهديد المباشر والاستراتيجي لوجودها، وتفكّك حلف "وارسو" الذي شُكّل أساسًا لمواجهة الاستراتيجيّة الحربيّة العدوانيّة لحلف شمال الأطلسي، استمرّت هذه العدوانيّة بشراسةٍ أكبرَ ضدّ روسيا الاتّحاديّة، بهدف تجزئتها وتفتيتها لأنّها كما يقول الرئيس بوتن تعدّها "الوثائق الأمريكيّة العدوّ الأساسي للناتو"، مؤكّدةً من جديدٍ على الطبيعة العدوانيّة للنظام الرأسمالي وأدواته، ممّا يثبت أنّ محاولات "إصلاح" الرأسماليّة أو "أنسنتها" ما هي إلا خدعةٌ إصلاحيّةٌ لا تنسجم وطبيعتها، لتظلَّ المهمّةُ الاستراتيجيّةُ تتمثّلُ في العمل على إنهائها والانتقال إلى بناء التشكيلة الاجتماعيّة الاقتصاديّة الجديدة، الشيوعيّة، التي ستكون الاشتراكيّة مرحلتها الانتقاليّة. 

ما يعزّزُ هذا الاستنتاج أيضًا، استمرار سلوك الإمبرياليّ نفسه بعد انتهاء ما سمّي بالحرب الباردة، التي حسمت من خلالها الولايات المتّحدة الصراع لصالحها، ومضاعفة شهيّة إداراتها لترتيب العالم على أهوائها ومزاجها بما يضمن تأبيد تربّعها على عرشه، التي أفسدها التطوّر الطبيعيّ للمجتمعات البشريّة وأنظمتها الاقتصاديّة المختلفة، حيث برزت الصين منافسًا اقتصاديًّا، وروسيا منافسًا عسكريًّا، يمتلكان الإرادة والاستعداد والإصرار للدفاع عن ذاتهم وقيمهم ومصالحهم وسيادتهم ووحدة أراضيهم وعن عوامل استمرار تفوّقهم. وكما يتّضح من خطاب الرئيس بوتن في 21 شباط الماضي، هنالك استيعابٌ لدروس الماضي وتنبّهٌ لتجنّب تَكرار أخطاء الماضي التي حدّدها بوضوحٍ وبصراحةٍ متناهية، منذ أن تشكّل الاتّحاد السوفييتي حتّى انهياره، التي وقعت بها قياداته الاتّحاد المتعاقبة، وخاصّةً ما يتعلّق بموضوع القوميّات وحقّها في الانفصال دون ثمن، ومنحها ما لا تستحقّ من أراضٍ ليست لها، حيث يقول "إنّ بكتيريا الطموحات القوميّة لم تختفِ واللغم الذي وضع في البداية يواصل مسيرة إضعاف مناعة الدولة ضدّ عدوى القوميّة، التي تنتظر الوقت المناسب فقط، كان هذا اللغم هو الحق في الانفصال عن الاتحاد السوفييتي". ويصل إلى استنتاجينِ مهمّينِ يشكّلان الأرضيّة لرسم المعالم الاستراتيجيّة لمستقبل روسيا وأوروبا وللعالم الجديد المنتظر.

الاستنتاجُ الأوّلُ فلسفيٌّ بامتياز، ويصلح لكلّ من يريد الاستفادة منه، كما ذكره نصًا "أنّ اعتبارات الوضع السياسي الحالي مهما بدت رائعةً في لحظةٍ معيّنةٍ من الزمن، لا ينبغي بأيّ حالٍ من الأحوال أن تؤخذ أساسًا للحكم"، أي يجب الاعتماد على ديناميّة الواقع والإصغاء إليها، وتجييرها لحلّ المعضلات المستجدّة لا الارتهان لموضوعيّتها. أمّا الاستنتاج الثاني، الذي يتكامل مع الأوّل، يتعلّق بالجانب المعنويّ والفكريّ الذي يؤكّد على "أنّ التزييف واستبدال المفاهيم والتلاعب بالوعي والخداع له ثمن"، الذي يساوي مبدأ علميًّا، يقول "إنّ من ينتهك قوانين الطبيعة والبناء والتطوّر، يطارد ويعاقب من القوانين التي ينتهكها " ومن لا يتّخذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة ويزاوج بين السبب والضرورة، يخسر الفرصة التاريخيّة الحاسمة ويخرج من التاريخ.  

 بناءً على ذلك، قبل أن يذهب بوتن إلى إجراء العمليّة العسكريّة الاستراتيجيّة في أوكرانيا، التي عدّها في خطابه "أرض روسيّة تاريخيّة"، وكان قد أبرز في كلمته التناقض الجوهري بين نهجين أو مبدئين في السياسة الدوليّة المتعلّقة بالأمن والاستقرار. المبدأ أو النهج الإمبرياليّ، الذي تتبنّاه الولايات المتّحدة وكلّ مكوّنات المعسكر الذي تسيطر عليه، ويقوم على أنّه "يحقُّ لكلِّ دولةٍ حريّة اختيار طريقة ضمان أمنها والانضمام إلى أي حلفٍ تريد". بالمقابل هنالك المبدأ أو النهج الآخر الذي اقترحته روسيا، ورُفض من قبل الولايات المتّحدة وحلفائها عندما تمّ التوقيعُ على اتفاقيّة الأمن الدولي، الذي يرتكز على "أن لا تبني دولة أمنها على حساب الدول الأخرى" هكذا، وكما يقول بوتن "أصبح حلف الناتو هو سببُ الأزمة في الأمن الأوروبيّ وأثّر بشكلٍ مباشرٍ على العلاقات الدوليّة وفقدان الثقة والوضع بدا يتدهور، بما في ذلك في المجال الاستراتيجيّ"، حيث استمرّت الولايات المتّحدة في العمل على "توسيع نظامها الدفاعي"، غير آبهةٍ بأمن ومصالح روسيا وغيرها من الدول، واستمرّت في التمدّد عمليًّا في القارات كافةً لتحقيق الهيمنة والسيطرة على مصادر الطاقة، وطرق نقلها وعلى أكبر قدرٍ ممكنٍ من الثروات الباطنيّة الضروريّة لإنتاجها الصناعي، علّها تساعدها على الخروج من أزمتها الخانقة التي تفجّرت عام 2008.

من جهتها، روسيا التاريخيّة التي شكّلت العمود الفقري والأرضيّة الأساسيّة لتشكيل الاتّحاد السوفييتي السابق ونظامه الاشتراكي، عادت بعد انهياره إلى المسرح الدولي ضعيفة، مرهقةً من ثقل الأزمة خاليّةً من "اشتراكيّتها الواقعيّة"، لكنّها مسلّحةً بإرثٍ ثقافيٍّ وإنسانيٍّ عظيم، وتملك كنزًا من العلم والمعرفة والتكنولوجيا، واكتسبت إمكانيّات قياديّةً خاصّة، ولدت من رحم الفشل والنجاح والخطأ والصواب لدى قيادتها لقطبٍ عالميٍّ مهمّ، تبارى وتنافس في المجالات كافةً مع الولايات المتّحدة وحلفائها لعقودٍ من الزمن. إذن، روسيا "الجديدة" أو روسيا اليوم لم تأتِ من فراغ، بل "ولدت" مسلّحةً بكلّ ما يلزمها لتجاوز أزماتها والنهوض من جديد، بما يتلاءم مع الظروف العالميّة الجديدة، الشيءُ الذي كانت تراقبُهُ وتتابعُهُ الإداراتُ الأمريكيّةُ بقلقٍ بالغ، لأنّ نهوض وتقدّم "الدب" الروسي، يسير بوتائر أسرع من المتوقّع، وهذا التقدّم والتطوّر سمح لروسيا الحديثة التوغّل في أوروبا والتمدّد حتّى في المواقع التي كانت تعدّها الولايات المتّحدة حكرًا عليها، كمنظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" والتنسيق معها ومع الدول المكوّنة لها، وخاصّةً السعوديّة وفنزويلا لضبط كميّات الإنتاج، بما يناسب ليس فقط مع احتياجات المستهلكين، بل وأيضًا مع ضرورات المنتجين، أي أصبح النفوذ الروسي أبعد من توقّعات وحسابات  الدوائر المعادية لروسيا وخاصّةً الأمريكيّة التي خُدعت بسبب ارتكاز حساباتها وتقييماتها وتقديراتها فقط على "حجم" الاقتصاد الروسي الذي تقول المعلومات الأمريكيّة: أن ترتيبه هو في المرتبة الثانية عشرة دوليًّا. هذهِ المعطيات دفعت الإمبرياليّة الأمريكيّة لتسريع خطواتها العلنيّة والمكشوفة لحصار روسيا "وتشريك وتلغيم" محيطها الأقرب ونقل التهديد الأطلسي إلى "القلب" الروسي، إلا أن "الحظ" لم يحالفها هذه المرة، وفاتها الأوان، بسبب اليقظة الروسيّة التي ساعدتها على القيام بالضربة الاستباقيّة بنجاح.

لقد عملت الإمبرياليّة الأمريكيّة، جاهدةً وبكلّ طاقتها وإمكانياتها لتجنيد حلفائها وأكبر قدرٍ ممكنٍ من الدول لإظهار "الصراع" الدائر على أنّه صراعٌ "روسي ـ أوكراني"، وأنّها ليست المسبّب له ولا هي طرف فيه بل "ترفض العدوان والاحتلال" الروسي لدولةٍ ذات "سيادةٍ ومستقلّة"، وأنّها لن "تتدخل" عسكريًّا لتقاتل إلى جانب أوكرانيا، وحاولت أن تظهر بمظهر الحامي والمدافع عن الأمن والاستقرار في القاره الأوروبيّة والعالم، وهوّلت من العمليّة العسكريّة الروسيّة في أوكرانيا وخطرها على الاتّحاد الأوروبي، للتأثير على أوروبا وتحفيزها للمشاركة في الحرب، هذه "الحرب" التي ادّعت إدارة بايدن، أنّها تعلم توقيت بداها بدقة، وذلك من باب المناورة السياسيّة والأمنيّة لا أكثر، إلا أنّها عمليًّا لم تكن ترغب بوقوعها، لأنّها كانت تعلم مسبقًا أنّها لن تكون كغزو براغ أو احتلال أفغانستان، وأن "الروس"، يقدرون أن الولايات المتحدة لن تكون قادرةً على الدخول في مواجهةٍ مع روسيا بسبب أوكرانيا، لما لذلك من تأثيرٍ مباشرٍ على الأمن والسلامة الدوليّة التي لا يستطيع طرفٌ العبثَ بهما دون أن يتأثّر، وأن القرب الجغرافي الثقافي الروسي الأوكراني، ذات تأثيرٍ قويٍّ لتحديد نتائج الحرب، من التقارب السياسيّ بين حكومتي واشنطن وكييف، الذي مهما كان حجمه، يبقى قابل للاهتزاز والوهن أمامَ قوّةِ العامل الحاسم العسكريّ والجيوسياسي، والأهمّ أيضًا أنّ واشنطن تعلم جيّدًا أنّها لا تتحمّل نتائج صراعٍ عسكريٍّ هي المسؤولةُ أوّلًا عن تمويلِهِ ودون مقابل، على الأقلّ الآن، يتحوّلُ سريعًا إلى صراعٍ اقتصاديّ، من المرجّح أن يستمرَّ لفترةٍ طويلة، يشهد فيها الاقتصاد الأمريكي أعلى درجات التضخّم التي لم يعانِ مثلها منذ سبعينات القرن الماضي، قابلة لمزيدٍ من التدهور والتعمّق، ممّا أخذ من الآن يعكسُ نفسَهُ على مستوى المعيشة ونوعيّتها لقطاعاتٍ شعبيّةٍ واسعةٍ في المجتمع الأمريكي. وما يفاقم من حدّة التعقيد للسياسة الأمريكيّة هو اصطفاف كبرى الاقتصاديّات العالميّة وعملاتها المحلّيّة، ورفضها للإجراءات غير القانونيّة (العقوبات) ضدّ روسيا، ممّا أدّى ولأوّل مرّةٍ أن تعاني الأطراف المعاقبة مثل أو أكثر من الطرف المُعاقب، ممّا شجّع روسيا على اتّخاذ إجراءاتٍ اقتصاديّةٍ وديبلوماسيّةٍ مماثلةٍ وشنّ هجومٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ وديبلوماسيّ موازٍ للهجومِ العسكريّ ضدَّ حكوماتِ الغرب والولايات المتّحدة، مع الاستمرار في تنفيذ الخطّة العسكريّة التي رسمتها الإدارةُ الروسيّة.

مما سبق، يتّضح أنّ الهدف الروسي من هذه العمليّة العسكريّة هو هزيمةُ الولايات المتّحدة وحلف الأطلسي، فلو كان الهدفُ هزيمةَ أوكرانيا لتمَّ احتلالها خلالَ أيّام. إنّ ما يجري هو تطهيرٌ فعليٌّ للنفوذ الأطلسي - الأمريكي في أوكرانيا، واجتثاث للأيديولوجيّة الصهيونازيّة العنصريّة والفاشيّة، التي باتت تشكّل التهديدَ الفعليَّ لكلّ أوروبا والعالم من جديد... ويبقى الأملُ للبشريّة جمعاءَ في عالمٍ متعدّد الأقطاب، ينهي التفرّد الأمريكي، ويكون أكثرَ توازنًا وعدلًا.