Menu

عن جيلِ الاشتباكِ والتّحدّي والاستجابةِ الثوريّة!

مروان عبد العال

نشر هذا المقال في العدد 37 من مجلة الهدف الإلكترونية

لا أعرفُ بماذا كان يفكّرُ فتى "جنين" رعد خازم وهو يتجوّلُ في شارعِ "ديزنغوف"، وسطَ تل أبيب، لكنْ حكمًا تأمّلْ مليًّا المشهدَ الصاخبَ الممتدَّ أمامَهُ من مدينة "يَعبُد" وتاريخها الثائر حتّى بحر "يافا" وبرتقالها الحزين. وكذلك فعل وسيفعل من سبق ومن سيلحقُ من جيل "الانقلاب الثوريّ" الذي يخطُّ بدمِهِ زمنَ الاشتباكِ المتواصل، كما يفعلُ الأسرى الأبطال في كتابةِ ملحمةِ الحريّة على جدران زنازينهم.

حسبَ المؤرّخ أرنولد توينبي في نظريّته الشهيرة "التّحدّي والاستجابة"، بما معناه أنَّ الفردَ الذي يتعرّض لصدمةٍ قد يفقد توازنه لفترةٍ ما، ثمَّ قد يستجيبُ لها بنوعينِ من الاستجابة:

استجابةً سلبيّة: النكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسّك به تعويضًا عن واقعِهِ المُرّ، فيصبح انطوائيًّا، انتظاريًّا واستجدائيًّا.

استجابةً إيجابيّة: تَـقَـبُّـل الصدمة والاعتراف بها، ثمّ مُحاولة التغلُّب عليها، فيكون في هذه الحالة مبادرةً وتفاعليّةً وثوريّة.

بالمقارنة مع عمليّة الصراع المحتدم في فلسطين، فغنى التّحدي والاستجابة يطرح كيفيّة إحداث نقلةٍ ايجابيّةٍ نوعيّةٍ واستراتيجيّة، ويضعنا أمامَ إشكاليّات الخيارات المطروحة، وما إذا كان الانتقال المطلوب من الانفعال اللحظيّ إلى الفعل الجدّي والاستراتيجي، سيطرح الإمساك باللحظة التاريخيّة، والإجابة عن كيفيّة صناعة الفعل الإيجابيّ النوعي، بدلَ الاكتفاءِ بالانفعالِ العاطفيّ المرتكز إلى تفريغ الغضب. إنّها حربُ الاستئصال التي سمّاها غسّان "زمن الاشتباك"، "ولأنّك في اشتباكٍ مستمرّ، فإنّه لا يوجد ثانيًّا. أنت دائمًا لا تنتهي من أوّلاً"، حيث تتجدّد التحدّيات، تحتاج لعصفٍ ذهنيٍّ وعملٍ فكريٍّ جماعيٍّ لفهمِ الواقعِ واستشرافِ المستقبل، ولوعي طبيعة الصراع في المنطقة، وإدراك الأسئلة الاستراتيجيّة المطروحة في نطاق نظريّة الصراع، تنطلق من السؤال الاشكالي: هل يمكنُ إنهاءُ الصراع؟ أي الخروج من الاستجابة السلبيّة التي عدّت أنّ إنهاء الصراع مسألةٌ ممكنةٌ وواقعيّة، وكذلك ما هي الممكنات الموضوعيّة والذاتيّة، وانطلاقًا من التحدّيات التي تتحكّم بعمليّة الصراع، لماذا إمّا فلسطين.. وإمّا النار جيلًا بعد جيل.

التحدّي الأوّل: مقاومةٌ فرديّةٌ بروحٍ جماعيّة

أكّدت التجربةُ أنّ القضيّة الفلسطينيّة ليست بالسهولة التي يجري تصفيتها، وأنّ عمليّة تصفية القضيّة قد فشلت، وأنّها ازدادت تعقيدًا على نحوٍ أشدّ، والسبب أنّ الشعب الفلسطيني، يخوض صراعَ وجودٍ، ولديه قوّةٌ كامنةٌ ما زالَ العدوّ يبحث عن سرّ عناصرِ القوّة الفلسطينيّة فيها. لقد استندَ اتّفاقُ أوسلو عام 1993 إلى عمليّةٍ مركّبةٍ ومسبقة، سبقها توفيرُ مستلزمات بناء الأفق النظريّ للتسوية، وفهم المنطق الداخليّ للتجربة، عبرَ قوانين الاجتماع المتحكّمة والمحدّدات الداخليّة والمؤثّرات الخارجيّة التي أسهمت في تمهيدِ الأرضِ أمامها، واعتمدت الوسائل والفرضيّات الممكنة، بما يلزم من استخدام القوّة الصلبة، والقوّة دائمًا على جدول الأعمال، لكنّها جعلت كلّ ممارسةٍ عدوانيّةٍ جديدةٍ تستولد حالةً من التمرّد، فلكلّ فعلٍ ردةُ فعل، فكانت تستولد حالةً جديدةً بأساليبَ وفئاتٍ جديدةٍ في المقاومة، استنادًا إلى طبيعةِ الصراع وديمومتِهِ وعمقِهِ وتاريخيّته، وتجلّى ذلك في أيام معركة "سيف القدس ". كان العدوُّ خائفًا إلى درجة الهيجان، حينما وجد ذاته ليس في مواجهة جيشٍ نظاميٍّ أو مجمّوعات أو فصائل على أهميّتها، إنّما في مواجهة شعب: نشيط، حيوي، يبادر، يقاوم، يدافع، يبني، ويطارد... ويدرك مكانةَ كلّ تجمعٍ فلسطينيٍّ في كلّ فلسطين، وفي كلّ الشتات ومع كلّ فئة، من الحقل، إلى الجامعة، إلى الإعلام، إلى وسائل التواصل، إلى قيمة القدس وخطورة الاستيطان والزجاجة والطلقة والصاروخ، والعمليّة الفرديّة، التي بدت غيرَ مقطوعةٍ عن "المقاومة الجماعيّة"، لشعبٍ يتصرّف كندٍّ ونقيضٍ للاحتلال.

التحدّي الثاني: من الإغراءِ إلى الاختراق:

عن كيفيّةِ مصادرةِ عناصرِ القوّة الفلسطينيّة ومنع استنهاضها، من خلالِ استخدام قوّة "الحيلة"، وترتكز التسوية/الخديعة إلى الوهمّ السياسيّ وقوّة الإيحاء. إنّ إنهاءَ الصراعِ قاب قوسين أو أدنى، والترجمة الصهيونيّة لها في الاتفاقات التي عقدت عربيًّا وفلسطينيًّا، إنّها مجرّد اتفاقاتٍ انتقاليّة، لتنتقلَ إلى معاهداتٍ أو تدخل في المرحلة النهائيّة. بذلت جهودٌ ضخمةٌ لترويج وإشاعة التفاؤل بالتسوية كخيارٍ وحيدٍ وقسريٍّ لا بديل عنه، مستعينةً بالقوّة الصلبة وشنّ الحروب والقتل والأسر، لكن لم يفل فائض التطرّف الصهيونيّ من عضد المقاومة، فارتفاع وتيرة العنف الهمجيّ يعني تأجيج شعلة الكفاح، كمثل من يداوي النار بالنار، قد أصاب جسدها، ولكنّه ظلَّ عاجزًا عن قتل روحها وثقافتها. ولعلَّ مسيراتِ العودةِ في غزّة وهبّة سيف القدس والهبّات الشعبيّة في الخليل والقدس وحيفا وتنامي حملات المقاطعة والمناداة بعزل الكيان في العالم بعد ربع قرنٍ على أوسلو، هي خيرُ نموذجٍ على ذلك.  

كان الهدفُ هو الإنسانُ الفلسطينيُّ فهو المستهدف من «كي الوعي»، وكذلك «التلاعب بالوعي» التي تُستخدم فيها وسائل القوّة الناعمة، من الإغراء إلى الاختراق والسيطرة واحتلال العقل، وصولًا إلى قتل ثقافة المقاومة: أين نجح وأين فشل؟ ومهما بلغت الخطبُ والمقالاتُ والدراساتُ السياسيّة، من محاولات تفسيرِ سياقات أوسلو، والمآلات التي وصلت إليها، ظلّت تدورُ في فلكِ تبرئةِ الذّات عند معارضيه أو الشعور بالندم عند أصحابه أو باستمرار الذهنيّة الانتصاريّة بطريقةٍ وهميّةٍ أحيانًا، لتسقط بعد الادّعاءات التي روّجت أنّ اتفاقات أوسلو الانتقاليّة خطوة على طريق الدولة الفلسطينيّة! لكن كلّ ذلك بعدما تبخّرت الأوهام، لم يسبر غور ديناميات «الحرب الذكيّة» التي خيضت للوصول إلى النتائج الكارثيّة! ولتصل إلى أنّ التصفية النهائيّة، بالاتّكاء على الاحتياط الرجعيّ العربيّ الذي يتمّ جرّه بالحلف الإقليميّ الشامل أو ما يسمّى "السلام الإبراهيميّ"!

التحدّي الثالث: التنويمُ المغناطيسيّ وتخديُر الوعي!

من واجباتِ الفكرِ السياسيّ في القراءةِ المتأنيّةِ لوضعٍ مُركّبٍ دقيق، محاولةً لاكتشافِ كميّة التشويه التي أحدثها هذا الانكسار التاريخيّ في البنية السياسيّة والمجتمعيّة والقيميّة، وكيف استخدم أدوات القوّة الناعمة لتحقيق السيطرة، بالمنهج الذي حلّله الباحث الروسي سيرجي قره - مورزا في كتاب «التلاعب بالوعي»؛ إذ استطاع المرء بما يملكه من قدراتٍ فكريّةٍ ولُغويّة، أن يعرف الوعي وأساليب التلاعب به، ويبيّن ديناميات التدمير الذاتيّة كوسائلَ حديثةٍ للهيمنة والتأثير الروحي للناس وبرمجة سلوكهم، بل تغيير دوافعهم وأهدافهم والتحكّم بالميل التاريخيّ للأحداث، وتحويرها نحو أهدافٍ أخرى، والسيطرة على الحافز الروحي بالاتّجاه الذي تريده السلطات النافذة.

في محاكمة معايير الفشل والنجاح، الوعي المشّوه والمعاكس للوعي الاعتيادي الذي أنتج مزيجًا وحشيًّا من المعايير والمفاهيم كأسلحة التنويم المغناطيس، عبرَ تخدير الوعي لتمرير ذهنيّة التسوية المبنيّة على خرافة "أوسلو"، أي بناء سلطة ومؤسّسات مدنيّة واقتصاد في ظلّ احتلال! وخرافة أن تكون "معاهدات أوسلو" هي جسر للعبور نحو الدولة المستقلّة، وأنّ الأموال التي تغدقها الدول الراعية للتسوية هي حقًّا لخفض الاحتلال، بينما الغاية هي تشويه الصراع وتحويل الهدف من التمسك بالحق إلى البحث عن حلّ! هكذا تمّت هندسة أوسلو لغرض احتواء الوعي الاجتماعي وتطويع إرادة التحرّر الوطني، بما يخدم مصالح ومبادئ وإيديولوجيّة الهزيمة، التي تعمّمها القوى المهيمنة والمُستعمِرة والراعية للمسيرة التسووية.

التحدّي الرابع: لمصلحةِ من يجري الزمن؟ 

اتّضح بالملموس أهداف المشروع الصهيونيّ كمشروعٍ استعماريٍّ كولونياليّ عنصري، اعتمد نموذجَ الاستيطانِ النقيّ منذ بدايته، والمُعتمد على السيطرة على الأرض واقتلاع السكّان الأصلانيّين عنها، وتدمير مجتمعهم وطمس تاريخهم وهويتهم وذاكرتهم الوطنية؛ وبجانب سعيه الدؤوب إلى شرعنة خطواته الراهنة وإجراءاته، من ناحية باختراع شعب ووعي مزيّف مبني على أساطير توراتيّة، ومن ناحيةٍ أخرى، بوصفه امتدادًا للمشروع الاستعماري الغربي وممارسته على المستوى الإقليميّ، وتخلق لها أدوات محليّة، تمنحها حقّ الحكم داخل غيتوات منفصلة، حيث يعيد المشروع الإمبرياليّ تجديد ذاته أيضًا، بمزيدٍ من الاحتلال مستنفرًا احتياطه الرجعي وباندفاعاته التطبيعيّة السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والسياحيّة والفنيّة في سبيل تسويق الخديعة، وأنسنة القاتل وتبرير القتل المتسلسل للإنسان والأرض والروح وتشويه صورة الضحيّة وشيطنتها وتمزيق وحدتها وتماسكها وغايتها الجامعة، باعتبارها الخصم «العدوّ» الذي يستحقّ "الإبادة السياسيّة"، في محاولةٍ لتحويل المسار التاريخيّ للصراع، كونه يكشف عن الجوهر الحقيقيّ، كصراعٍ تناحريٍّ مع عدوٍّ إحلالي، لا يقبل بالحدّ الأدنى بل بالحدّ الأقصى، وينطلق من متلازمة أزمة الوجود والشك المتزايد بالشرعية الأخلاقية لوجوده؛ جعل الكيان بمكوناته، يدرك أنّ الزّمن لا يجري لمصلحته.

التحدّي الخامس: محور فلسطين ومحور إسرائيل

ولكن الأسوأ من ذلك أنّها ليست وحدَها من يمارس مهمّة الدعاية وتشويه المقاومة، عبرَ التلاعب المنهجي بالوعي باعتبارها «إرهابًا»، بل يؤسّس لمحور "إسرائيل" في وجه محور فلسطين، من خلال عكس الصورة، باعتبار «العدوّ» صديقًا وبالعكس، تستمدُّ المقاومة مشروعيّتها من طبيعة الصراع، على اعتبار أنّنا في مرحلة التحرّر الوطني، حيث يفرض علينا واقع الاحتلال مهمّات إضافيّةً أساسيّةً تتعلّق بمواجهة الاحتلال ودحره.. مثل هذه المهام تتطلب أوسع مشاركةٍ شعبيّة، من قِبل جميع القوى الاجتماعيّة والطبقيّة الفاعلة التي عليها أن تنتظمَ في أطرٍ جبهويّةٍ عريضة، نواتها جبهة مقاومة فلسطينيّة، هذا ليس مجرّد عنوان لدغدغة العواطف أو لغوٍ عابر، بل جبهة مقاومة تملأ مساحة الصراع ولهذا السبب، فإنّ أشكال المقاومة في ظلّ معطيات الحالة الفلسطينية مفتوحة على كلّ الأساليب دون استثناء التي تكفل الدفاع عن الحقوق العربيّة والفلسطينيّة واستعادتها. إنّ اشتداد المقاومة الشاملة على مختلف أشكالها ومستوياتها سواءً على صعيد الفعل الشعبي، أو على صعيد أساليب وأشكال المواجهة العنفيّة الأخرى، يشهد بالمقابل استدارةً واضحةً في مواقف القوى الاجتماعيّة تجاهَ احتضانها أو ممارستها وبالمبادرات الذاتيّة، بما يمنحها مشروعيّة شعبيّة، استنادًا إلى دائرتها الاجتماعيّة الشاملة، تنتصر ذهنيّة المقاومة ويقوى عودها ويصلب، كلما ارتكزت إلى "محور فلسطين": استنادًا إلى طبيعة الصراع مع العدوّ الصهيونيّ؛ الفعل المباشر هزم الفكرة الغبيّة: أنّ (اسرائيل لا تقهر) واستعاد الفدائي ثقافة النصر وإرادة التفاؤل والأمل، "وما حك جلدك إلا ظفرك"، بدل ثقافة الاستكانة والخنوع والاستسلام. الجيل الذي يخلق البديل، من خلال تلبية شروط هذا الصراع، وحسن إدارته بكفاءةٍ وشجاعةٍ عالية، وبإرادةٍ صلبةٍ تستندُ إلى قوّةِ الحقّ؛ تؤسّس للمراكمة عليها لبناء القنطرة الاستراتيجيّة للمقاومة، كجزءٍ من سلسلةٍ كاملةٍ وموحّدة، كلّما ازدادت تماسكًا ازدادت قوّة، وأي تراخٍ فيها يضعفها، إن لم يسقطها، وستظلّ قاصرة، إن لم تكن جزءًا من استراتيجيّةٍ شاملةٍ للمقاومة في المنطقة، بمعنى توسيع دائرة "محور فلسطين"، نظرًا لمركزيّة فلسطين، وبكلّ ما تعنيه في نطاقِ منظومةِ إدارةِ صراعٍ شاملٍ ومفتوح.

لا أعرفُ بما كان يفكّرُ ابنُ مخيّم جنين، ولكن حتمًا في قرارة نفسه؛ كان يشعل "زهرة النيران في ليل الجليل" هي الاستجابةُ الإيجابيّةُ التي تفتح لنا نافذةً إلى أفقٍ جديد، بل هي دعوةٌ بالدم للنخب السياسيّة، أن ترتقي إلى مستوى الحدث؛ صحيح أنّ كلّ جيلٍ من الأجيال، يدفع قسطه في الصراع لتبقى الرّاية مرفوعة، ولكن هذا يجري بحسب الشروط الموضوعيّة والمعطيات التاريخيّة، وفي كلّ مرحلةٍ تكون الاندفاعة أقوى، وتتصاعد بالدرجة التي يشتدّ ويحتدّ فيها الصراع، طالما أنّ فلسطين لم تتحرّر، ستظلّ النيرانُ مشتعلةً، ونظلّ على وعد غسان كنفاني ، وما قاله عن "جيل الانقلاب الثوريّ"، الذي يقاوم اليأس بالأمل، والإحباط بالعزيمة، والوفاء له يكون باستكمال النهوض، والتحرّر الذي يتطلّب من النخبةِ السياسيّة، أن تفكّر بعقليّة "الشعب الفلسطيني" وليس بعقليّة "السلطة"، بل بعقليّة "الوطنيّة الفلسطينيّة"، وليس بعقليّة "الفصيل" و"القبيلة" و"الغنيمة"، بل بعقليّة  الوطن والأمّة؛ حتّى لا تذهب الدماءُ هدرًا، ولكن من أجل أن تتوّج هذه التضحيات العظيمة، بتحقيق الأهداف العظيمة.