Menu
حضارة

الإنهاك من الداخل: سياسات الإفقار في كل شيء

د. وسام الفقعاوي

من الطبيعي أن استثنائيةُ الوضع الفلسطيني الداخلي تجعله باستمرار مادةً خصبة للتناول والنقاش، وكلمات من نوع؛ استثنائية، ومفصلية، ونوعية، لا تُلقى جزافًا، كون الاستحقاقات التي تترتب عليها تاريخية، خاصة وأنَّ الاستحقاقات التاريخية كحصيلة، هي من طبيعة تدرجية تراكمية، حيث إنَّ نتائج المرحلة المطلوب أنْ يتم الوصول إليها تتشكل فعلًا في أحشاء المرحلة التي سبقتها.

كثيرًا ما يتم تداول القول المأثور عن إننا نمر "بأيام تساوي سنوات"، ولعلّ أكثر صفة تطابق قولنا على زمن يساوي اليوم منه عامًا، هي صفة "الاستثنائية" التي تقود في ظل استمرار تراكم المزيد من السلبيات والأزمات إلى عملية إنهاك مستمر للداخل، وصولًا إلى الاستقواء بهذه السلبيات والأزمات على الداخل نفسه؛ والتبرير دائمًا أو في الأغلب بالعامل الخارجي.

العامل الخارجي ليس غائبًا بالطبع لجهة العدو الإسرائيلي والمشروع الأمريكي وأهدافهما التصفوية، لكن السؤال، كيف يصبح الوضع الداخلي مُهَيَّئًا ومُهَيِّئًا لفعل العامل الخارجي؟! ولماذا يستمر الخطأ الرسمي ويتغلب باستمرار على الصواب الشعبي؟! وهل بتنا فعلًا في مرحلة نستقوي فيها بواقع الحال هذا على الذات الجمعية "فليس بالإمكان أفضل مما كان"؟! 

المعضلة لم تعد تقتصر على إدارة الشأن الوطني الفلسطيني، بل في سياسات الإنهاك المستمر للقاعدة الاجتماعية الرئيسية للمشروع الوطني، ولا يمكن فصلها عن الاستهداف الشامل الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، بحيث يزداد تعقيد حتّى الحلول التي تطرح، ويجري ابتذالها وتسطيحها، لدرجة تصل إلى شخصنة المسائل والأزمة الوطنية برمتها، في محاولة تأكيد، بأنَّ خيارَ الخلاص بات فرديًا وليس جماعيًا!

أما وقد مضى وقت طويل على استمرار سياسات الإنهاك من الداخل، والمزيد من التأزيم حتّى للحلول التي تطرح على "عوار" بعضها، فإنَّه رغم تأكيده عدم نضج الأوضاع الذاتية للقوى الوطنية والمجتمعية التي يفترض أنْ تشكَل أو تتقدم موضوعيًا وتقرن أقوالها بأفعالها، إلا أن النتيجة المؤذية أكثر، هي أنَّ الجوهرَ واحدٌ وإنْ اختلفت التسميات، وهذه النتيجة بدورها تنقلنا إلى سؤال منهجي: كيف يمكن مواجهة سياسات الإنهاك من الداخل، والتي يراد لها أنْ تُفقرنا في كل شيء؟ لكن، هل يمكن مواجهة تلك السياسات دون معرفتها، ومعرفة الأسباب التي تولدها وتنتجها وتحفظ ديمومتها باستمرار منذ زمن بعيد؟

هنا نجد أنفسنا أمام جملة متكاملة من سياسات الإنهاك التي يراد لها أنْ تفعل فعلها في الداخل، وفي مستويات عدة:

   أولًا/ في المستوى الوطني: لا نغالي لو قلنا إننا نعيش مرحلة "تصحر" وطني، فبعد أنْ فقدنا الفكرة الوطنية التوحيدية الجامعة، تهاوت معها الكثير من المفاهيم أو الروابط الوطنية: الوطن، التحرير، العودة، الانتماء والولاء الوطني، الوحدة الوطنية، الذاكرة الوطنية الجمعية، التنظيم والانتظام السياسي، النضال وأشكاله.. وكذلك لم تسلم الرموز: العلم، النشيد الوطني (الأغنية الوطنية)، الفلكلور الشعبي.. وصولًا إلى الاختلاف حول مفهوم العدو.. إلخ، بحيث باتت هذه المفاهيم والروابط، ليس فقط مجالًا للاختلاف، بل عرضةً للتهميش والتهشيم والتبديد والاختزال، لدرجة أنَّ الحديث فيها أو في بعضها بات ضربًا من "اليوتوبيا".

ثانيًا/ في المستوى الاجتماعي: إنَّ من أهم أولويات الدولة أو السلطة، هو حفظ التوازن الاجتماعي الشامل، بما يُبقي التناقضات أو الاحتقانات الداخلية في إطار القدرة على إدارتها بشكل سليم، وبما يجعلها عواملَ قوة لا ضعف، بحيث لا تتحول إلى حروب داخلية معلنة وأخرى مستترة.

إنَّ حالة اللاتوازن الاجتماعي القائمة، هي نتاجُ التعسف الذي طال الخبرة التاريخية كما التكوين التاريخي لشعبنا، وقطع نسق تطوره الطبيعي، القائم على أسس الرد على الضرب المادي لوجوده على أرض وطنه، من خلال عملية تهجير قسري، وفرض "إسرائيل" بالقوة؛ استلزم ذلك، تعزيز عوامل التضامن والتكافل والتماسك الاجتماعي الشامل، وتقديم نماذج بالإيثار والتضحية والقيم الإيجابية كسمة عامة، لمجتمع حاول أنْ يخلق وطنه المعنوي في إطار يحفظ توازنه الاجتماعي بين ثنائية داخل وخارج/ وداخل وداخل، واستمرارية حفظ ذلك، لكن ما جرى ويجري أنَّنا باستمرار كنّا أمام مشاريع "حروب" داخلية معلنة، وأخرى مستترة، تنم عن ذهنية فكرية سياسية، تنتج باستمرار حالة اللاتوزان الاجتماعي، وتحفظ ديناميات استمرار اللاتوازن هذا!

ثالثًا/ في المستوى الاقتصادي: لم يكن "الأنموذج الاقتصادي" الذي اُعتمد في الحالة الفلسطينية سوى تعبير عن طبيعة وسقف وبنية المستوى القيادي، من حيث تركيبته وعلاقاته الداخلية والخارجية، ومحتوى ممارسته كنتاج للتوازنات الطبقية – السياسية في هذه الحالة، وهنا يحق لنا أنْ نسأل: هل كان هذا الأنموذج المعتمد يناسب "ثورة شعبية" تنشد التحرر الوطني والطبقي من الأساس أم إنَّه جاء تماهٍ مع الأنموذج الاقتصادي الليبرالي للدولة العربية ال قطر ية -دولة سايكس بيكو- التي أسميناها وطنية كما السلطة، إلى جانب دولة العدو "إسرائيل" التي تتبع ذات الأنموذج؟!

لقد رسخت الذهنية الفكرية السياسية القائمة هذا الأنموذج، وجعلت التفاوتات والتمايزات والامتيازات والولاءات أساسية، بحيث أسست لمنظومة فساد شاملة، تعيد إنتاج نفسها، وتعمل على رسم المجتمع على شاكلتها، من حيث ترسخ ذهنية فردية مفسدة ونفعية وانتهازية واستهلاكية، للدرجة التي بات فيها أكثر من ثلثي الشعب تحت خط الفقر الشديد، في مقابل "طبقة" متخمة من شدة الثراء، وهي ذاتها قيادة الشعب المُفقر!

رابعًا/ في المستوى الثقافي: لا يمكن الفصل بين الوطني والثقافي، حيث إنَّ المفهومين مدغمان في بعضهما البعض، لكن هل يمكن الحديث عن مشروع ثقافي دون الحديث عن مشروع وطني سياسي ديمقراطي كما تساءل بحق د. فيصل دراج ذات مرةٍ؟!، وهذا طبعًا سؤال تأسيسي لا مفرَّ منه بالطبع. قد نجد نماذج ثقافية عديدة في الحالة الفلسطينية، عبّرت عن مراحل مختلفة من تاريخ الشعب الفلسطيني ونضاله، لكن لم نصل إلى مستوى التأسيس لمشروع ثقافي متكامل وشامل، يشكل حاضنته المشروع الوطني الديمقراطي؛ لكن السؤال: هل يمكن أنْ نصل إلى هذا المشروع المقصود، دون أنْ يتقدم العام على الخاص؟! أي أنْ يتقدم الوطني على الحزبي، والجماعي على الفردي، والمؤسساتي على السلطوي.. وإلى جانب ذلك من حيث الأهمية والأولوية، تعزيز الحرية بمعناها الشامل وقيمها فكرًا وممارسة؛ لأنَّ التناقض الكبير الحاصل، هو أنَّ مَنْ يرفع شعار الحرية في وجه العدو وعنصريته، يكبل حرية شعبه، ويمارس بحقه ألوان قمع متطورة!

إنَّ الحديث عن المشروع الثقافي، كفعل إبداعي منظم، يحاكي المستقبل والنظر إليه، انطلاقًا من تأسيس في الحاضر، يتمحور في دور القراءة النقدية من داخل التجربة، باعتبارها على قدر حاسم من الأهمية، لبناء هذا المشروع الوطني - الثقافي.

ولعلَّ السؤال الذي يُطرح مجددًا في ضوء ما سبق: هل يحتمل وضع الفلسطينيين والقضية الوطنية مزيدًا من الإنهاك من الداخل، وسياسات الإفقار في كل شيء، وبالتالي مزيدًا من التأزيم؟!، تشير كل الدلائل بما فيها العامل الخارجي غير الغائب والحاضر بقوة إلى العكس.

لقد دلّت التجربة الفلسطينية المديدة أنَّ مَنْ يتوهم الحل من الخارج، سيجد نفسه أمام واقع أسوأ من الذي سبق، وكذلك بأنَّ مَنْ يحاول أنْ يخالف منطق الأمور بتوفير الجهد والوقت المطلوبين حين يُقدم على إلغاء مرحلة كاملة من خلال زراعة مزيدٍ من الوهم؛ سيبدد الكثير من الجهد والوقت معًا.

ختامًا، أيًا كانت رغباتنا وأمانينا مطلوب منا أنْ ننطلق في المعالجة من حقائق الواقع الماثلة للعيان، والتي لا مجال للشك بأنَّها تعبر عن حقيقتنا، هذه الحقيقة التي لا مجال للخروج من واقعنا هذا دونها، إلا إذا كان هناك مَنْ يخشى من الوصول إليها أو يعمل لعدم الوصول إليها أصلًا!!