Menu
حضارة

صهيونيون من أجل دولة ثنائية القومية: تاريخ الفشل

الحاخام بنيامين (يسار) ومارتن بوبر ، عضوان في بريت شالوم

بوابة الهدف - ترجمة وتحرير: أحمد مصطفى جابر

يعتبر نقاش (دولة واحدة-دولتين) أحد النقاشات الرئيسية في تاريخ الصراع الصهيوني -الفلسطيني، ويعود كما هو معروف إلى فترات مبكرة من الاستيطان اليهودي في فلسطين، وكانت هناك أفكار يهودية، وفلسطينية وأيضًا بريطانية، كثيرة ونوقشت على نطاق واسع. وهذه الفكرة أو النقاش يعود بقوة هذه الأيام بعد تدمير حل الدولتين والوصول إلى طريق مسدود في المفاوضات الرسمية.

في دراسة جديدة، نشرت على موقع "فاثوم-مفهوم" يراجع الباحث الصهيوني بن ريف استنادًا إلى بحث أرشيفي موسّع مسعى مجموعة صهيونية سعت إلى ترويج فكرتها الخاصة بإقامة دولة يهودية –عربية ثنائية القومية في فلسطين من خلال الاتفاق مع الفلسطينيين في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ورغم أنّ فكرة ثنائية القومية آخذة في الارتفاع مرة أخرى اليوم، وخاصة على اليسار، ردًا على فشل نموذج الدولتين، بزعم ريف أنه "إذا كان هناك أي شيء يمكننا أن نتعلمه من تاريخ مشروع ثنائية القومية خلال فترة الانتداب، مع ذلك، هو أنّ الصهيونية والقومية الفلسطينية قامتا في الجوهر على أساس اكتساب دولة قومية خاصة بهم". ويضيف "أنّ الرغبة في السلطة والغزو أمر طبيعي لكثير من البشر والجماعات، وكوننا محكومين في كل مكان، يجب علينا حكم هنا ؛ كوننا الأقلية في كل مكان، يجب أن نكون هنا في الأغلبية".

ويتساءل عما إذا كان هذا هو المنطق الذي يشكل جوهر التفكير الصهيوني السائد كما لاحظه الحاخام والباحث والناشط السياسي يهوذا ليون ماغنيس في مقاله لعام 1930 مثل كل الأمم؟ وهذا المنطق لم يشترك فيه بل تناقض مع القيادة الصهيونية التي أصبحت تنظر بشكل متزايد إلى السعي وراء دولة يهودية في فلسطين كسياستها الأساسية، كان ماغنس يمثل أقلية صهيونية صاخبة صغيرة سعت إلى نهاية مختلفة تمامًا - وهي إنشاء دولة ثنائية القومية، دولة يهودية عربية من خلال اتفاقية مع سكان فلسطين العرب، و في حركة صهيونية تميزت بالنقاش والانقسام منذ نشأتها كقوة سياسية حديثة في أواخر القرن التاسع عشر، ربما كانت هذه القضية الأكثر انقسامًا وعاطفية على الإطلاق خلال فترة الانتداب البريطاني.

هذا الموضوع له صلة معاصرة وتاريخية فيما يتعلق بالنزاع العربي "الإسرائيلي" المستمر وجوهره الفلسطيني "الإسرائيلي"، هناك ميل طبيعي - مدعوم بالتنافس السياسي - لقراءة التاريخ إلى الوراء وافتراض انتقال خطي من الصهيونية في القرن التاسع عشر إلى قيام دولة "إسرائيل" في عام 1948.

على الرغم من وجود أفكار مختلفة بشأن تفاصيل الشكل الذي ستبدو عليه الدولة ثنائية القومية التي اقترحت آنذاك، فإن المبدأ الأساسي هو ضمان التكافؤ بين العرب واليهود في فلسطين، كما زعم في حينه، وأوضح حليف ماغنس في الحركة ثنائية القومية الفيلسوف البارز مارتن بوبر: "كما لا نريد أن يحدد جيراننا مصيرنا، فإننا لا نريد أن نكون في موقع تحديد مصيرهم".

مع بداية الحرب العربية "الإسرائيلية" 1947-1949 ونكبة الفلسطينيين وظهور دولة "إسرائيل" كدولة يهودية، تم إنهاء المشروع الصهيوني ثنائي القومية بشكل فعال، ولكن خلال العقود السابقة، لم تكن هذه الوجهة النهائية بأي حال من الأحوال، ليس فقط بسبب "الوضع المتدهور بسرعة ليهود العالم" ولكن أيضًا بسبب الجدل الداخلي العنيف الذي استمر حتى اندلاع الحرب في فلسطين، وتوفر مواد المصدر الأساسية التي تمت مراجعتها أثناء إجراء البحث لهذه المقالة نظرة ثاقبة حول مدى اقتراب المشروع، في حالات مختلفة، من التحقيق، ورغم أن أصحاب النظرية خسروا الجدل داخل الحركة الصهيونية بشكل قاطع، لكن جهودهم استمرت من خلال إتباع سبل خارجية للتنفيذ: المفاوضات مع القادة العرب ومناشدات الهيئات الدولية.

السؤال العربي وبذور القومية المزدوجة

في المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (1921)، اقترح مارتن بوبر تبني قرار يلزم القيادة الصهيونية بـ "إقامة تحالف عادل مع الشعوب العربية" و نصها: "نحن لا نطمح إلى العودة إلى أرض إسرائيل التي لدينا معها روابط تاريخية وروحية لا تنفصل لقمع شعب آخر أو السيطرة عليه. في هذه الأرض، التي يكون عدد سكانها قليلاً، هناك مساحة لنا ولسكانها الحاليين".

كانت العلاقات بين السكان العرب والمستوطنين اليهود في فلسطين متوترة تقريبًا منذ بداية الهجرة الصهيونية إلى المنطقة، ورأى العرب الوافدون الجدد وهم يحصلون على الأراضي ويواصلون "العمل العبري" على حساب عمالهم ويخشون أنه على الرغم من التصريحات التي تناقض ذلك من قبل القادة الصهاينة، سعى السكان اليهود للسيطرة على البلاد، ومع تبلور القومية العربية في فلسطين خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، أصبحت "القضية العربية" بالفعل مسألة وجودية للصهيونية، ومع ذلك، فإن رفض القرار الذي اقترحه بوبر يوضح إحجام غالبية القادة الصهاينة عن الاعتراف به على هذا النحو.

غالبًا ما يشير المؤرخون في هذه الحقبة إلى المقالات المبكرة التي كتبها آحد هعام واسحق إبشتاين كاستثناءات، ولكن حتى مقاربتهم للمسألة العربية لم تكن مختلفة تمامًا عن غالبية الصهاينة، في مقال عام 1891 بعنوان "الحقيقة من أرض إسرائيل"، حذر آحد هعام من أنه "إذا حان الوقت الذي تتطور فيه حياة شعبنا في أرض إسرائيل إلى حد التعدي على السكان الأصليين، فلن يستسلموا بسهولة لمكانهم" على الرغم من أنه ربما يكون أكثر وعيًا من معظم معاصريه، إلا أنه رأى العداء العربي على أنه مجرد واحدة من العديد من العقبات التي تواجه الصهيونية، وليس مشكلة سياسية أو وطنية تتطلب دراسة أعمق، وفي العقد التالي، في خطاب 1905 (نُشر لاحقًا كمقال) بعنوان "سؤال مخفي"، رأى ابشتاين أن السؤال العربي "يفوق كل الآخرين [...] لكنه تم إخفاؤه تمامًا عن الصهاينة"، جادل بأنه يجب عليهم أن يسعوا إلى ترسيخ أنفسهم في فلسطين "دون أن يخطئوا ضد العدالة ودون إيذاء أي شخص"، وأنه يمكن تحقيق ذلك على أفضل وجه من خلال إدخال تحسينات زراعية وطبية وتكنولوجية على السكان الأصليين - ونتيجة لذلك "سيأتي مئات القرويين لمطالبة اليهود بالاستيلاء على أراضيهم" على حد زعمه، و انتشر الاعتقاد بأن العداء العربي يمكن تهدئته من خلال توفير المنافع الاقتصادية على نطاق واسع (في الواقع، اشترك بوبر نفسه في البداية في جوانب من هذا الزعم).

وبالتالي، لم تكن نقطة الاختلاف الرئيسية بين جماعة الدولة الثنائية والقيادة الصهيونية مجرد حساسية أكبر للمخاوف العربية، بل بالأحرى فهمهم للغرض الصهيوني ذاته، وفي الغالب، كان هؤلاء المنشقون من أتباع فلسفة ثقافية صهيونية متجذرة في تفكير أحاد هعام، والتي قضت بأن الهجرة اليهودية إلى "أرض الكتاب المقدس لإسرائيل" ستمكن من إنشاء مركز روحي يتألف من نخبة فكرية تحقق إنجازاته سيثري اليهودية في جميع أنحاء العالم، وبهذا المعنى، لإعادة صياغة المؤرخ شالوم راتزابي، فإنهم لم يسعوا إلى حل محنة الشعب اليهودي (ما يسمى المسألة اليهودية) ولكن محنة اليهودية نفسها، كما، في حين سعت قيادة الحركة الصهيونية العلمانية إلى حد كبير إلى وضع حد لحالة الشتات اليهودي من خلال أن تصبح أغلبية في "وطن أجدادهم"، اعتقد الصهاينة الثقافيون أن هذا مسعى غير مجدي - في الواقع، مسيحاني - حيث لا يمكن حل المسألة اليهودية، كما اعتبر جماعة الدولة الثنائية الصهيونية عمومًا حركة للعودة إلى الشرق بدلاً من إنشاء موقع استيطاني للغرب، وعلى عكس القيادة الصهيونية، عارضوا تحقيق الصهيونية بفضل قوة الإمبراطورية البريطانية.

من بريت شالوم إلى إيهود

كانت بريت شالوم (ميثاق السلام) المجموعة الصهيونية الأولى وربما الأكثر شهرة في فلسطين الانتدابية التي تبنت منصة ثنائية القومية. تأسست في عام 1925، وتضم عضويتها موظفين صهاينة (بما في ذلك آرثر روبين، إسحاق إبشتاين وحاييم مرغليت كالفاريسكي) بالإضافة إلى العديد من المثقفين الأكثر تطرفًا في أوروبا الوسطى (بما في ذلك إرنست سيمون وهانز كون). كان مارتن بوبر نشيطًا في المرحلة الألمانية لبريت شالوم لكنه لم يستقر في فلسطين إلا بعد أن انحلت المجموعة في ثلاثينيات القرن العشرين، بينما كان يهوذا ماغنس - الذي أصبح في نفس العام الذي أسس فيه تأسيس شالوم أول مستشار للجامعة العبرية - مرتبط بالمثل ولكن لم ينضم أبدً".

منذ البداية، تم تصنيف أعضائها بـ "الإيديولوجيين" والحالمين "من قبل قادة العمال الآخرين، واعتبر دعمها لدستور سياسي لفلسطين قائم على التكافؤ" سياسة كسولة للتوفيق " وأعلن ديفيد بن غوريون في اجتماع مبكر مع أعضاء بريت شالوم أن مطالب المجموعة كانت غير مناسبة لأن "الشعب اليهودي يريد أن يكون شعبًا حرًا في أرضه، وأن يكون سيده، وهذا يعني دولة يهودية"، وبدأ بيرل كاتسنلسون، وهو زعيم عمالي آخر، بمراقبة منشورات بريت شالوم في الصحيفة التي قام بتحريرها، وبحلول عام 1929، كان بوبر على علم بأن "الكثير يجدون هذه المجموعة مسيئة"، بل كانت هناك مناسبات حاول فيها المتظاهرون منع مؤيدي بريت شالوم من التحدث إلى الجماهير، وغالبًا ما ادعى المنتقدون أن بريت شالوم كانت معادية للصهيونية لرغبتها في قبول وضع قيود على الهجرة اليهودية، و تم تفسير قرار في المؤتمر الصهيوني السابع عشر (1931) يحدد الهدف النهائي للصهيونية من حيث حل القضية اليهودية (أي من خلال الهجرة الجماعية) من قبل البعض في بريت شالوم على أنه هجوم موجه على سياساتهم الخاصة، وكتب أحد الأعضاء بعد المؤتمر إنه "وفقًا لهذا القرار[..] لم نعد حقا صهاينة".

تفاقم العداء الموجه نحو بريت شالوم بسبب الإجماع الناشئ في اليشوف في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي على أن الصهيونية لا يمكن أن تتحقق إلا على الرغم من إرادة عرب فلسطين وليس من خلال موافقتهم، وجاء الدافع وراء هذا الإجماع من الزعيم الصهيوني التنقيحي فلاديمير زئيف جابوتنسكي، الذي تشترك فلسفته في الجدار الحديدي مع جماعة بريت سالوم في الاقتناع بأنه لا يمكن استرضاء السكان العرب من خلال الحوافز الاقتصادية، وبدلاً من الدعوة إلى اتفاق سياسي، جادل جابوتنسكي بأن السكان العرب لن يقبلوا الصهيونية إلا بعد أن لم يعد لديهم أي إيمان بقدرتهم على مقاومتها.

هذا التصلب في المواقف في الييشوف فاقم الانقسامات الداخلية في بريت شالوم، كان هانز كون، من بين الأعضاء الأكثر راديكالية في بريت شالوم، غير راضٍ لعدة سنوات عما اعتبره نقصًا في العمل السياسي من قبل الحركة، وبعد هبة البراق التي تسمى صهيونيًا "اضطرابات" عام 1929 ورد الفعل الصهيوني عليها، أصبح كوهن ساخطًا تمامًا ليس فقط على بريت شالوم ولكن على الصهيونية ككل، وكتب لاحقًا لبوبر، مستقيلًا من منصبه في المنظمة الصهيونية وهاجر إلى الولايات المتحدة: "الصهيونية إما أن تكون سلمية أو ستكون بدوني"، وفي غضون ذلك، توصل آرثر روبين إلى استنتاجات مماثلة فيما يتعلق باستحالة التوفيق بين الصهيونية والقومية الثنائية السلمية، لكنه اختار الصهيونية بدلاً من ذلك، على عكس هذين الرجلين، أدرك بوبر أن "الاتصال بالعالم الحقيقي سيبطل نقاء المبادئ الأخلاقية" لكنه ظل ملتزمًا بعدالة ثنائية القومية على الرغم من تفكك بريت شالوم في عام 1933.

استمر القليل من النشاط الثنائي القومي المنظم خلال ثلاثينيات القرن العشرين من خلال كيدما مزراها (إلى الأمام إلى الشرق)، هشومير هاتزائير، وأبرزها رابطة التقارب والتعاون بين اليهود والعرب، لكن الدافع الذي حفز القومية الثنائية الصهيونية ليصبح مرة أخرى قوة سياسية أكثر حزماً كان برنامج بيلتمور في مايو 1942، و مع الحرب العالمية الثانية التي جعلت من المستحيل اجتماع التجمعات المقررة للمؤتمر الصهيوني العالمي، حرض بن غوريون على "اجتماع استثنائي" في نيو يورك في فندق بيلتمور لمندوبي المنظمات الصهيونية الرئيسية في أمريكا الشمالية وأي قادة صهاينة آخرين قادرين على الانضمام من أوروبا وفلسطين، رداً على الكتاب الأبيض لعام 1939 (الذي فرضت بريطانيا بموجبه قيوداً صارمة على الهجرة اليهودية إلى فلسطين) وما كان معروفًا بالمحرقة النازية التي أصابت اليهود الأوروبيين، بعد اعتماد هذا القرار من قبل لجنة الإجراءات الداخلية في المنظمة الصهيونية، أصبح السعي وراء دولة يهودية سياسة صهيونية رسميًا.

أنتج برنامج بيلتمور، ردودًا مختلفة من المعسكر ثنائي القومية، ولكن لا شيء أكثر أهمية من إنشاء يهوذا ماغنس لإيهود (الوحدة)، وهي منظمة جديدة كانت من نواح كثيرة الوريث المباشر لبريت شالوم، و كان اللغز الأساسي، كما رآه ماغنس، هو "كيفية إعطاء اليهود فرصة هجرة أكبر وفي نفس الوقت تخليص العرب عن خوفهم من أن تغرقهم وتهيمن عليهم أعداد كبيرة من اليهود"، وهكذا تصور الشرق الأوسط بعد الحرب بدولة تضم اتحادًا لليهود والعرب في فلسطين، والتي سيتم دمجها في اتحاد أكبر للدول العربية، واتحاد آخر لهذه الدول مع جميع دول العالم الحر، وفي بعض الأحيان يتصرف بالتنسيق مع هشومير هاتزير والعصبة ولكن في كثير من الأحيان يتصرف وحده، سرعان ما أصبحت إيهود (وخاصة مغنيس) طليعة القومية الصهيونية الثنائية، وعلى الرغم من إعادة تنشيط المعسكر ثنائي القومية خلال سنوات الحرب، إلا أن إيهود لم يتمكن من تغيير اتجاه السياسة الصهيونية بشكل جذري.

ثنائية القومية كأساس للمفاوضات اليهودية العربية

إلى جانب نشاطهم داخل الحركة الصهيونية، تابع جماعة الدولة الثنائية المفاوضات مع القادة العرب كوسيلة محتملة أخرى لتحقيق أهدافهم، على الرغم من أن الدعم النشط للقومية الثنائية ربما لم يتجاوز أبدًا عشرة في المائة من اليهود في فلسطين، إلا أنهم كانوا يأملون في أن يؤدي التوصل إلى اتفاقية ثنائية القومية مع القادة العرب إلى "ثورة في الرأي العام اليهودي" وبالتالي إجبار القيادة الصهيونية على الوفاء بشروط الاتفاق، وإحدى التهم العديدة التي وجهها المنتقدون إلى إيهود (والقومية الثنائية بشكل عام) كانت فكرة أنه على الرغم من كونها "مصممة في المقام الأول لتخفيف مخاوف القسم العربي من المجتمع"، فقد كان برنامجها في الواقع "لا يجد دعمًا على الإطلاق بين أي جزء من السكان العرب" وفي الواقع، لم يكن هذا صحيحًا تمامًا: طوال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، انخرط قادة عرب مختلفون في مبادرات مختلفة تهدف إلى التفاوض على اتفاقية يهودية عربية على أساس فلسطين ثنائية القومية، ومن بين هذه المبادرات، ربما كانت أبرزها مبادرة الخمسة، واقتراح هيامسون-نيوكومب، والمفاوضات مع "فلسطين الجديدة".

أولها، مبادرة الخمسة، بعد عدة أسابيع من بدء الإضراب العام العربي عام 1936، بدأ قاضي المحكمة العليا مصطفى الخالدي (عربي) وجاد فرومكين (يهودي) مناقشات مع العربي البارز موسى العلمي، بخصوص كيفية إنهاء الإضراب. ثم التقى فرومكين مع ماغنس وثلاثة يهود بارزين آخرين (بما في ذلك الخمسة) من أجل تطوير برنامج لتقديمه إلى القادة العرب، تمحور جوهر الاقتراح حول الهجرة اليهودية: سيكون هناك وقفة مؤقتة بشأن الهجرة أثناء المفاوضات لإنهاء الإضراب، قبل أن يُسمح بعد ذلك بـ 30.000 سنويًا للسنوات العشر القادمة (وبذلك يصل عدد السكان اليهود في فلسطين إلى 40 في المائة قبل نهاية هذه الفترة). كما اقترحت تشكيل مجلس تشريعي على أساس التكافؤ).

كان رد السلطة التنفيذية للوكالة اليهودية (JAE)، بعد أن قدم الخمسة اقتراحهم، هو أنه لن يتم الإبقاء على وقف الهجرة (مهما كان مؤقتًا)، وأن معدل الهجرة السنوي لا يمكن القبول به عند رقم أقل من الرقم السابق، أي 62.000، والتي اعتبرت القدرة الاستيعابية الاقتصادية للبلاد، علاوة على ذلك، كانت القيادة الصهيونية مستعدة فقط لمناقشة فكرة حكومة التكافؤ طالما أن الانتداب لا يزال موجودًا، وفقط كنقطة انطلاق نحو دولة يهودية بدلاً من ترتيب دائم، واستدعت JAE الانضباط الصهيوني على النحو الذي تم تحديده من قبل الكونغرس الصهيوني عام 1933 وأخرجت المفاوضات من أيدي الخمسة، حيث سرعان ما انهارت المحادثات، و في حين أن JAE ألقت باللوم على العلمي لعدم قدرته على الحصول على دعم المفتي الحاج أمين الحسيني، رئيس اللجنة العربية العليا (AHC)، ألقى فرومكين باللوم على JAE للمطالبة بشروط يعلمون أنها ستكون غير مقبولة للعرب كما يجادل المؤرخ نيل كابلان، يبدو أن JAE واصلت المفاوضات فقط "لخلق المظاهر المناسبة"، حيث كان همهم الأساسي في هذا الوقت هو كيف سترد بريطانيا على الإضراب العربي، لذلك، لم تكن المفاوضات نفسها هي الأولوية على الإطلاق.

وبينما كانت القيادة الصهيونية تستحق اللوم على انهيار مبادرة الخمسة، فهذا كما يرى المؤلف لم يكن صحيحًا لمبادرة هيامسون-نيوكومب 1937-1938، وكتب ألبرت هيامسون، وهو غير صهيوني ومدير سابق لإدارة الهجرة في فلسطين، إلى الممثلين الصهاينة في لندن وإلى ماغنس يبلغهم أنه يعرف القادة العرب (الذين يُفهم أنهم أعضاء في اللجنة العليا AHC الآن في المنفى) على استعداد للتفاوض، شروط الاقتراح، التي أوضحها هيامسون، هي نتيجة المناقشات التي دارت خلال صيف عام 1937 في أمريكا وإنجلترا وجنيف والتي تضم اليهود والعرب والإنجليز، وشملت: فلسطين مستقلة تسمح بوطن قومي يهودي ولكن ليس دولة يهودية، وسمحت بالهجرة اليهودية بنسبة أقل من 50 في المائة، وتبع ذلك عدة أسابيع من التوضيحات التفصيلية، مع ماغنس يحاول العمل كوسيط بين هيمسون وموشيه شيرتوك، رئيس الإدارة السياسية في الوكالة اليهودية، و في خضم نقاشات داخلية وخارجية صاخبة حول اقتراح التقسيم الذي قدمته لجنة بيل، وبسبب هوية القادة العرب المعنيين غير المعروفين، كانت JAE متشككة بشكل خاص في أن المبادرة يمكن أن تكون مجرد "مناورة لليهود والإنجليز الذين يرغبون في هزيمة مخطط إقامة دولة يهودية" ازداد هذا الشك بعد أن أبلغ ماغنس أن الاقتراح لم يتم صياغته من قبل العرب ولكن من قبل "إنكليزي ويهودي" - الإنجليزي هو العقيد ستيوارت إف نيوكومب، مؤسس مكتب يمثل AHC في لندن زقال عنه بن غوريون إنه "معادٍ للصهيونية سيئ السمعة"، واليهودي همسون.

وكانت «خطة هايمسون ـ نيوكمب» تنص على ما يلي: 1ـ قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة عن الانتداب./ 2ـ يتمتع اليهود والعرب بالحكم الذاتي في شؤونهم الخاصة (وهذا يعني قيام وطن قومي يهودي لا دولة يهودية)، وبحقوق متساوية في الشؤون العامة./ 3ـ يجب ألا يتجاوز عدد اليهود في فلسطين وشرق الأردن 50% من عدد السكان في أي حال من الأحوال.

وأكدت JAE أن السبيل الوحيد للمضي قدمًا هو مقابلة القادة العرب بشكل مباشر وسري (وقد ذكر هايمبسون حتى الآن العديد من الأسماء بما في ذلك المفتي) و بعد مناقشة هذا الأمر مع ممثل AHC في القدس ، أبلغ ماينز وكالة JAE أن الاقتراح قيد النظر لم يكن مقبولًا في الواقع للزعماء العرب لأن نيوكومب عدل شروطهم، ونقل ماغنس بعد ذلك مصطلحات جديدة تمامًا يمليها القادة العرب ("نص بيروت")، والتي تضمنت وقف الهجرة اليهودية وحذف الإشارة إلى الوطن القومي اليهودي. على الرغم من أن ماغنس أكد أن الاقتراح كان دائمًا ما يتم تقديمه كأساس للنقاش بدلاً من الشروط النهائية للاتفاقية، ليس من المستغرب أن JAE اعتبر القضية كلها غير جديرة بالثقة، وبالتالي، أدى ضعف التواصل بين القادة اليهود والعرب والذي نتج عن سوء الإدارة من قبل منظمي هذه المبادرة إلى تقويض فرصة أخرى محتملة.

يوضح اتفاق عام 1946 بين جماعة التوفيق الغربي اليهودي ومجموعة جديدة من القادة العرب تسمى (فلسطين الجديدة) عقبة أخرى في طريق الاتفاق اليهودي العربي خلال هذه الفترة: القوة الساحقة للرفض العربي، و بمبادرة من حاييم كالفاريسكي وأهارون كوهين (رئيس وسكرتير الجامعة على التوالي)، جرت مفاوضات مع مجموعة من العرب بقيادة فوزي درويش الحسيني، ابن عم المفتي البعيد، وقعت الجماعات اتفاقية غامضة في نوفمبر 1946، كونها المثال الوحيد لبرنامج يهودي عربي مقبول خلال فترة الانتداب، و أيد العرب برنامج الجامعة السياسي في يونيو 1942.

بعد أقل من أسبوعين من توقيع الاتفاق، اغتيل الحسيني على يد أحد مؤيدي المفتي كتحذير لردع أي زعماء عرب آخرين عن متابعة مبادرات مماثلة، وأعرب بوبر عن أسفه لأن فوزي الحسيني كان "رجل حسن النية مستعد للتعاون معنا في إعداد تحالف السلام العظيم"، وبعده تم اغتيال وقتل سامي طه الزعيم النقابي البارز، في العام التالي في ظروف مماثلة، وزعم جماعة التوفيق أن هذه الاغتيالات تعكس مظهرًا واضحًا لموقف القيادة العربية "الرسمية" التي "اعتبرت جميع التنازلات بمثابة انتكاسات" بسبب الأغلبية الديموغرافية الساحقة للعرب، وبالتالي، كانت AHC تعارض بشدة ليس فقط دولة يهودية ولكن أيضًا مع أي ترتيب متكافئ، خاصة عندما كان السكان اليهود لا يزالون مثل هذه الأقلية (حتى في عام 1931 كان العرب لا يزالون يشكلون 80 في المائة من السكان) كما تلخص المؤرخة سوزان لي هاتيس: "كانت فلسطين ستبقى في الغالب أرضًا عربية، وأكثر ما يمكن أن يتوقعه اليهود هو حقوق الأقليات".

سعيًا وراء الفرض الخارجي

بعد قبول الهزيمة و تحقيق الهيمنة الإيديولوجية داخل الحركة الصهيونية في التفاوض على اتفاق مع القادة العرب، لجأ التوفيقيون الثنائيون إلى الخيار الوحيد المتبقي لهم: القوى الخارجية، مبررًا هذا التحول في الاتجاه، أوضح ماغنس وبوبر: " لا يمكن إيجاد حل اليوم والذي سيكون مقبولًا على الفور لكل من اليهود والعرب. من المؤكد أن الأمر يستحق مع إيلاء الاعتبار للمقترحات التي، على الرغم من أنها لم تلبي جميع مطالب أي من الطرفين، وبالتالي لم تحبط وتغضب الطرف الآخر عمداً، وجدت تفضيلاً بين أقلية ذكية وذكية من كلا الجانبين والتي قد تثبت أنها ليست مقبولة فحسب، بل مربحة ومفيدة حقًا ليس فقط لليهود والعرب، ولكن من خلال هذا إلى عالم مضطرب".

برزت في الطريق فرص لتجاوز القيادات العربية واليهودية التي وصفت بالمتصلبة التي تقدمت إلى لجنة التحقيق الأنجلو أمريكية (AAIC) ولجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين (UNSCOP)، التين أنشأتا في عام 1946 و1947 على التوالي . وكُلِفت كلتاهما بدراسة الوضع في فلسطين والتوصية ببدائل الانتداب، بالإضافة إلى السعي إلى معالجة مشكلة الناجين من المحرقة النازحين في أوروبا. وقام القوميون الثنائيون بكسر "الانضباط" الصهيوني في محاولة إقناع هذه الهيئات الخارجية بأن السياسة الصهيونية الرسمية غير قابلة للتطبيق. وتم منع كل المجموعات الصهيونية باستثناء اللجنة التنفيذية من الظهور بشكل مستقل أمام أي من الهيئتين، لكن إيهود وهشومر هاتزوير والرابطة تحدوا هذه الأوامر للإدلاء بشهادتها لصالح القومية المزدوجة.

إن شهادة القوميين الثنائيين أمام اللجنتين نصت على أن العلاقات السلمية لا تزال ممكنة بين اليهود والعرب في فلسطين غير مقسمة وأن ثنائية القومية تمثل أفضل حل. واتهموا الإدارة البريطانية والقيادة الصهيونية والقيادة العربية بعدم إعطاء الأولوية للتعاون العربي اليهودي، مؤكدين أن اليهود والعرب قادرون على التعايش كما أكدوا على أوراق اعتمادهم الخاصة: حيث شهد أرنست سيمون نيابة عن الرابطة التي وصفها بأنها "مجموعة كرست قدرًا كبيرًا من العمل لحل المشكلة اليهودية العربية" وجادل بوبر بأن الصهيونية تمثل شكلاً فريدًا من أشكال القومية يختلف عن التعبير السياسي لجميع الدول الأخرى، وبالتالي فإن قضية فلسطين تتطلب تفكيرًا وخيالًا جديدين بعيدًا عن تلك الحلول وشدد على عدم قابلية التقسيم، وقدم ماينز القومية الثنائية كحل وسط يفي بالمطالب الأساسية لكلا "الشعبين" ويخلق " منارة سلام في العالم".

في الشهادة أمام هذه الهيئات الدولية، واجه القوميون الثنائيون معارضة يهودية وعربية كبرى. فجميع القادة العرب الذين شهدوا قبل UNSCOP و AAIC عارضوا ثنائية القومية. حتى عوني عبد الهادي، الذي كان يُنظر إلى آرائه على أنها "سمة للعرب المعتدلين" والذين شاركوا في العديد من المفاوضات التي حاولت التوصل إلى اتفاق يهودي عربي (بما في ذلك مبادرة هيامسون-نيوكومب ) طلبوا فوراً إقامة دولة عربية يمكن لليهود فيها "العيش مع العرب في وئام وسلام" وكانت المعارضة الصهيونية قوية بنفس القدر، وركزت مرة أخرى على عدم قدرة ثنائية القومية على تمكين اليهود من الهجرة بحرية وأن يصبحوا أسياد مصيرهم.

ومع ذلك، تبنت AAIC المبادئ الأساسية ثنائية القومية لتعلن في تقريرها أنه "ليس من العدل أو من العملي أن تصبح فلسطين إما دولة عربية ... أو دولة يهودية" بسبب سيطرة الأغلبية الحتمية على الأقلية في أي من قضية، وتم الاحتفال بالتقرير من قبل القوميين الثنائيين، على الرغم من أن ماغنس أكد أنه لم يقترح صراحة دستور ثنائي القومية ورفض توصيته بأن إرادة العمل معًا يجب أن تسبق إنشاء مؤسسات الحكم الذاتي (كان ماغنس مؤمن قوي بقدرة هذه المؤسسات على توليد هذه الإرادة) وعلى الرغم من أن تقرير الأغلبية في UNSCOP أوصى بالتقسيم، إلا أن القوميين الثنائيين ما زالوا يواجهون بعض النجاح مع الأمم المتحدة أيضًا، وأدت جهود الضغط التي قام بها هشومير عتسعير إلى خطاب لصالح ثنائية القومية في الجمعية العامة من قبل السفير السوفياتي لدى الأمم المتحدة، في حين أيد تقرير الأقلية في يونيسكوب بدعم من أعضاء اللجنة الهندية والإيرانية واليوغسلافية، نوعًا من اتحاد ثنائي القومية.

ربما كان تأثيرها على AAIC والأمم المتحدة يمثل أعظم نجاحات الصهيونية ثنائية القومية، لكن هذه كانت لا تزال غير كافية لإحداث دولة ثنائية القومية، وكما هو متوقع، تم رفض تقرير AAIC من قبل القيادتين العربية واليهودية، وحتى الحكومة البريطانية، التي شكلت اللجنة بشكل مشترك، رفضت توصياتها، التي ألقى إيهود باللوم فيها على الدعاية القوية لصالح التقسيم وكذلك افتقار التقرير إلى اقتراح دستوري واضح على الرغم من تقرير الأغلبية الذي أصدرته اللجنة الخاصة بالتوصية بالتقسيم، واصل ماينز تحذيره علنًا من أن "التقسيم سيثير استياء عدد كبير من اليهود، ومن جميع عرب فلسطين تقريبًا، ومن العالم العربي" ومع ذلك، سرعان ما أصبح تقرير الأقلية المستوحى من القومية الثنائية غير ذي صلة عندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح خطة التقسيم لتقرير الأغلبية، وتم الترحيب بهذه النتيجة، وإن كانت على مضض، من قبل حركة صهيونية موحدة الآن، باستثناء القوميين الثنائيين.

استمر ماغنس في رفض التقسيم رغم اندلاع الحرب عام 1948 كما لم تتوقف أنشطته ثنائية القومية بعد إعلان الحكومة المؤقتة "إستقلال إسرائيل"، ولا بعد تعرضه لسكتة دماغية أثناء الانخراط في دبلوماسية شخصية مع الرئيس الأمريكي ووزيرة الخارجية الذين فضلوا حينئذ تأجيل التقسيم وتنفيذ وصاية الأمم المتحدة، ولم تأت الخطة الأمريكية بأي شيء، ورفض ممثل "إسرائيل" لدى الأمم المتحدة اقتراح ماينز المصاغ حديثًا، والذي يتضمن جوانب ثنائية القومية والدولة.

ثنائية القومية لعصر جديد؟

في نفس العام الذي توفي فيه الزعيمان القوميان ماغنس وكالفاريسكي، أعلن قيام "إسرائيل" و أكد بوبر في العام التالي أن "قضيتنا قد فقدت أقدامها، ووجهها ملطخ، ولكن لم يتم التغلب عليها"، واستمرت أنشطة إيهود بفترة طويلة بعد قيام الدولة اليهودية، وفي الحقيقة، عكست هذه الأنشطة الواقع السياسي الجديد الذي اضطر القوميون الثنائيون إلى التصالح معه، وتصرفوا بعد ذلك في المقام الأول كعائق أخلاقي على سياسة الدولة "الإسرائيلية"، على عكس ادعاء بوبر المتفائل، تم التغلب بالفعل على ثنائية القومية.