يلعب العامل الديني دورًا كبيرًا في توحيد مشاعر الأمة العربية والإسلامية والقفز على الخلافات السياسية بين الدول وعلى مر تاريخ المنطقة العربية، كان للعامل الديني دوره الكبير، في الكفاح والجهاد ضد أعداء الأمة، كان ذلك في القديم في مواجهة الحملات الصليبية على الديار العربية في المشرق التي وجهتها الدول الأوروبية وبحماس كبير من ملوكها وأمرائها ومرجعياتها الكنسية، وكذلك أيضًا هجمة جيوش المغول والتتار المشبعة بروح البطش والدمار لإنجازات الحضارة الإسلامية في بغداد، عاصمة الخلافة العباسية. واليوم يجدد العامل الديني دوره الهام في نصرة الأقصى، حيث يلعب هذا المسجد المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين الدور الكبير في توحيد مشاعر الأمة وإيقاظ الوعي القومي العربي والإسلامي، بمخاطر المشروع الصهيوني العنصري الذي يتجاوز أهدافه فلسطين المحتلة، إلى باقي أجزاء الأرض العربية، ويسود الغضب كل المدن العربية والإسلامية، من مدينة طنجة المغربية إلى جاكرتا العاصمة الإندونيسية، وذلك بصرف النظر عن مواقف الأنظمة السياسية العربية والإسلامية التي لم ترتفع إلى مستوى التحدي التاريخي، لأنها في الحقيقة؛ مجرد أنظمة وكلاء للدول الغربية الرأسمالية وظيفتها التي تقوم بها ليس الوقوف ضد الخطر الخارجي أو تحقيق تنمية اقتصادية وطنية، تخرج البلاد من علاقات التبعية بكل أشكالها، بل إن وظيفتها الحقيقية التي اعتادت أن تمارسها منذ حصول بلدانها على "الاستقلال الوطني" عن المستعمر الأوروبي، هو العمل على تعميق واقع التجزئة السياسية الممنهجة... وهكذا يفرز المسجد الأقصى في أزمته الحالية التي سببها الاحتلال، من خلال السماح لاقتحامات متتابعة لباحاته الطاهرة من قبل المستوطنين الصهاينة العنصريين، خاصة بما يسميه بمسيرة الأعلام، وذلك كخطوة كبيرة على طريق تقسيمه وتهويده... يفرز المسجد الأقصى حقيقة وجود معسكرين متعارضين في الواقع العربي والإسلامي: معسكر الشعوب التي يجتاحها الغضب وتوحدها المشاعر ويحركها الهدف في تحقيق الكرامة الوطنية والقومية، وفي مقدمة هذه الشعوب شعبنا العربي الفلسطيني، حيث تلتف الآن كل تجمعاته في الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل الفلسطيني في أرض 48 وفي مخيمات الشتات، حول المسجد الأقصى في صورة تحدي كبير للمخططات الصهيونية التهويدية. والمعسكر الثاني هو معسكر الأنظمة السياسية التي تسعى إلى تحقيق مصالحها في الاستمرار في البقاء في السلطة السياسية وممارسة الاستبداد السياسي، بكل أشكاله، وهذا الموقف السياسي المتخاذل الذي تتصف به الأنظمة العربية والإسلامية، وهو موقف الصمت المطبق وعدم استخدام وسائل الضغط المؤثرة وهي كثيرة.. هذا الموقف السياسي الرسمي للأنظمة السياسية، ليس جديدًا في مسألة المواقف من قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل مارسته قبل ذلك في وقائع كثيرة تتعلق بعناوين متعددة من عناوين الصراع ومنها المقدسات، وقد تم تسجيل مثل هذا الموقف المتخاذل في حادثة حرق منبر صلاح الدين في المسجد الأقصى عام 1969، وحينها وصفت جولدا مائير الأمة الإسلامية، بأنها أمة نائمة. وتكرر هذا التخاذل، عندما أقدم أحد المستوطنين اليهود المشبع بروح العداء والانتقام على قتل المصلين في الحرم الإبراهيمي في الخليل، وقد شجع ذلك الموقف المخزي للأنظمة العربية والإسلامية التي تكتفي دائمًا كعادتها في إصدار بيانات شجب واستنكار.. شجع الكيان الصهيوني في الإقدام على تقسيمه بعد هذه الحادثة الأليمة زمانيًا ومكانيًا، وهو يحاول أن يفعل ذلك الآن في المسجد الأقصى، بعد ما يسمى تنفيذ مسيرة الأعلام الصهيونية؛ مستثمرا بذلك حالة التخاذل والصمت التي يتصف به معسكر الأنظمة السياسية.
من المهم أخيرًا: أن نشير في هذا السياق، إلى خطورة موقف الصمت والتخاذل للأنظمة العربية والإسلامية التي درجت على ممارسته تاريخيًا تجاه الاعتداء على الأماكن المقدسة، وعلى اعتداءات أخرى كثيرة، خارج نطاق الأماكن المقدسة كالغزو الصهيوني للبنان الذي حدث عام 1982، والذي أدى إلى حصار بيروت وإخراج مقاتلي الثورة الفلسطينية، وكذلك الحروب العدوانية الصهيونية، والذي استمر آخرها في معركة سيف القدس 11 يومًا، وكان ذلك كله في ظل موقف الصمت العربي والإسلامي.. مواقف سياسية مخزية كثيرة سجلت لأنظمة العالم العربي والإسلامي السياسية، وهي بخلاف موقف الشعوب العربية والإسلامية الملتفة دائمًا حول نضال الشعب الفلسطيني ومناصرة قضيته الوطنية العادلة وخطورة موقف الصمت والتخاذل، هذا هو في كونه يلحق أكبر الأضرار بقضية النضال الوطني الفلسطيني، لأنه يعمل على زيادة وتائر سياسة التعنت والصلف الإسرائيلي اليمينية والفاشية المتطرفة وبإطالة عمر الاحتلال وتأخير تحقيق الاستقلال الوطني للدولة الفلسطينية المعترف بها دوليًا كعضو مراقب في الأمم المتحدة.

