Menu

النكبةُ مستمرّةٌ والمقاومةُ أيضًا

معاذ الجحري

نشر في العدد 38 من مجلة الهدف الرقمية

أطالعُ أخبارَ فلسطينَ كلَّ يوم، وكلَّ يومٍ يذكّرني بانطلاقِ النكبة، لما قامت العصاباتُ الصهيونيّة بتشريد مئات الآلاف من الفلسطينيّين بعدَ الاستيلاءِ على أراضيهم وتدمير مئات القرى والمدن وأعمال إبادةٍ جماعيّةٍ ومجازرَ بشعةٍ وتطهيرٍ عرقيٍّ وطمسٍ للهويّة الفلسطينيّة، لصالح إقامة "دولةٍ يهوديّةٍ" لليهود من شتّى بقاع العالم، لا حقَّ لهم في هذه الأرض ولا علاقة لهم بها ولا بينهم أصلًا ما عدا أساطير الحركة الصهيونيّة التي تكذّبها وتفنّدها الأبحاثُ العلميّة.

لذا لا أحبُّ الحديثَ عن تخليد ذكرى النكبة، بل للدقّة أحبّذ الكلام عن تخليد ذكرى انطلاق النكبة، ذلك أنّ هذهِ الأخيرةَ ما زالت مستمرّةً في كلّ مناطقِ وجود الشعب الفلسطيني: في الضفّة الغربيّة عبرَ السيطرة على الأراضي وعلى المياه وتهديم المنازل وحرق المحاصيل الزراعيّة وإتلافها واقتلاع أشجار الزيتون وغيرها وبناء المستوطنات، تجاهَ ضمِّها بالكامل بعدَ الإعلان عن ضمّ القدس مع محاولاتٍ متسارعةٍ للسيطرة على مسجد الأقصى، ومن خلال التحكّم في حركة المواطنين وأنفاسهم عبرَ الطرق الالتفافيّة والحواجز والمعابر وتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيمٍ يوميّ. ومستمرّة من خلال الرعب المتواصل الذي يبثّه جيش الاحتلال وسط السكان باقتحام البيوت في كلّ لحظةٍ متى أراد ودونما سبب، فقط لبثّ الرعب، ومن خلال الإعدامات اليوميّة في الميدان خارج أحكام القضاء الصهيونيّ نفسه، رغبةً في القتل ليس إلّا. ومستمرّةً من خلال الاعتقال الإداري ووجود آلاف الأسرى في سجون العدوّ حوكموا بمددٍ خياليّةٍ وفي ظروفٍ قاسية...

ومستمرّةٌ هي النكبة، باستمرار مأساة اللاجئين وفي الشتات وبحصارٍ جائرٍ على غزّة طال أمده.

ومستمرّة بالداخل المحتلّ منذ انطلاقها بإقرار قانون القوميّة والطابع اليهوديّ لدولة الكيان الصهيونيّ، وجعل الفلسطينيّين مواطنين من الدرجة الثانية، وتفشّي جرائم القتل في صفوفهم والاعتداء عليهم والاستيلاء على أراضيهم.

النكبةُ إذًا ليست حدثًا في التاريخ مضى وانتهى، بل كما كتب سماح إدريس، حدث يحدث (بصيغة المضارع) أي يتدحرج ويتواصل، فهي فعلٌ إجراميٌّ ممتدٌّ في الزمان والمكان، غطاؤه الأيديولوجيُّ هو الصهيونيّة، أيديولوجيّةً استعماريّةً عنصريّةً قائمةً على ادّعاءٍ كاذبٍ يفنّدُهُ التاريخ، مفادُهُ أنّ اليهوديَّ لا يمكنُهُ التعايش مع غير اليهودي. لقد قرصنت الصهيونيّة نجمة داوود كما قرصنت النازية شعار البوذيّة، وكلاهما، أيّ النازيّة والصهيونيّة، من إفرازات الرأسماليّة الإمبرياليّة القائمة على الاستغلال والنهب والاستعمار والقتل وعبادة الربح وتكديس الأموال.

واضحٌ أنّه ما كان للحركة الصهيونيّة وللكيان الصهيونيّ أن يتمادى لهذه الدرجة من الغطرسة لولا الدعم الإمبرياليّ الغربيّ له، ولولا المواقف المخزية للأنظمة الرجعيّة العربيّة التي انتقلت من التواطؤ السرّيّ والمكشوف مع العدوّ الصهيونيّ إلى التطبيع الرسميّ معه ومنه إلى عقد أحلافٍ ذات طابعٍ أمنيٍّ وعسكريٍّ واستخباراتيٍّ معه. غيرَ أنّ الأسباب الباطنيّة لاستمرار النكبة تكمن في أعطاب حركة التحرّر الوطني الفلسطينيّة نفسها والناتج عن الطبيعة البرجوازيّة لقيادتها والتحوّلات التي لحقت بها. فقد انتقلت من الكفاح الشامل ضدّ العدوّ الصهيونيّ تيمّنًا بتجارب الشعوب في الكفاح المسلّح إلى البحث عن تسوياتٍ جزئيّةٍ باسم الواقعيّة إلى أوسلو والتعاون الأمنيّ مع المستعمرّ، وهذا أمرٌ مخزٍ ونادرٌ في تاريخ حركات التحرّر عبرَ العالم. إنّ العلة الباطنيّة أي الذاتيّة هي الأساس أمّا العواملُ الخارجيّة، فرغمَ أهميّتها فإنّها لا تفعل فعلها إلا من خلال العوامل الذاتيّة.

إنّ العطب قديمٌ كما يقال وأستسمح القارئ لتقديم جزء مركز ممّا دار في لقاءٍ ل ياسر عرفات مع الجنرال جياب نهايةَ مارس 1969 على إثر زيارة للصين وفيتنام الشمالي للاستفادة من تجارب حرب العصابات في مقاومة الاستعمار.

قال عرفات: "إنّ ثورتنا مدينة لكم ونحن نكّرر يوميًّا أنّ مجموع انتصاراتٍ صغيرةٍ سيؤدّي إلى النصر".

فردّ جياب: "أنّ بلدنا ظلَّ يقاوم الهيمنة الخارجيّة والإمبرياليّة منذ 2000 سنة، وفي السنوات الأخيرة تمكن من هزم الفاشية اليابانيّة والإمبرياليّة الفرنسيّة، وأمريكا في الطريق نحو هزيمةٍ مدوية، وذلك بفضل منهجيّةٍ واحدةٍ ووحيدةٍ وهي الاستمرار في الكفاح. إنّ انتصاراتنا على الأعداء حقّقناها بفضل عواملَ عدّة وهي:

1. تصميمُ شعبنا على النضال من أجل الحريّة والاستقلال والاشتراكيّة، ودون هذا التصميم لما حقّقنا شيئًا يذكر.

2. توفّرنا على خطٍّ سياسيٍّ وعسكريٍّ مبنيٍّ على وحدة كلّ الشعب المصمّم على القتال من أجل الأهداف المذكورة.

3. التأكيدُ على وحدة القاعدة وفي الوقت نفسه على عزل العدوّ وكسر قوّته وتعميق تناقضاته.

4. القيامُ بحربٍ شعبيّةٍ يشارك فيها النساء والرجال والشباب ويقودُها الجيشُ الشعبيُّ الذي يعدُّ نواةَ الشعب ومحوره، ودونه لن يحرز الشعب على أيّ انتصار، لكن شريطةَ ألّا يكون هذا الجيش معزولًا، بل أن يكون الشعب من ورائه، ومن هنا تنبع أهميّة تنظيم الشعب. وبالنسبة لشكل الحرب الشعبيّة ووسائلها فيجب الانطلاق من الواقع والإبداع، المهمّ أن تؤدّي إلى الانتصار على العدوّ.

5. أهميّةُ كسب تعاطفٍ دوليٍّ وهذا التعاطف يتعاظم كلّما ناضلنا وقاومنا بشجاعة."

"هذهِ طرقٌ بسيطةٌ جدًّا"، يقول العظيم جياب رفيق هوشي منه، "وبفضلها حققنا الانتصارات التي حقّقنا وسأكونُ سعيدًا أن تتّبعوا المنهجيّةَ والتجربةَ نفسهما"، غيرَ أنّ القيادة المتنفّذة في منظّمة التحرير الفلسطينيّة كان لها رأي آخر وسلكت مسلكًا آخر وزاد الانقسام المستعصي الطين بلة، لكن الشعب مستمرٌّ في المقاومة. لقد سجّلنا في المدّة الأخيرة تحولًا وإبداعًا لافتًا للنظر في أساليب الكفاح المسلّح تنفّذها مجموعاتٌ مقلصة جدًّا أو فردٌ واحد، يجعل استباقها من طرف العدو أمرًا عسيرًا، إن لم يكن مستحيلًا، لذا نفّذت أغلب العمليّات الفدائيّة في قلب الكيان. وتستعمل المقاومة كلّ ما لديها من وسائل وإمكانيّات كالطعن والدهس والرصاص والفأس وأي شيءٍ بسيطٍ يدمي هذا العدوّ.

لا ننسى معركة سيف القدس العظيمة قبل سنة والإضراب العام العارم ليوم 18 ماي 2021، وتلك الوحدة الرائعة لكل مكونات الشعب الفلسطيني، وفي كلّ مناطق وجوده وعيشه، وهذا معطى يجب البناء عليه، ويجب البناء على شيءٍ آخرَ وهو شعوبنا، شعوب العالم العربي، فهي رافضةٌ لأيِّ نوعٍ من التطبيع مع الكيان الصهيوني. هي شعوبٌ ممانعةٌ تسكن فلسطين في وجدانها، لكن لا بدّ من تشكيل جبهاتٍ لكل القوى المناهضة للتطبيع بأشكالٍ مرنةٍ وتقوم بأعمالٍ ملموسةٍ مركزةٍ على المقاطعة الاقتصاديّة للعدّو وعلى النضال الأيديولوجيّ والثقافي لتفكيك الإيديولوجيّة الصهيونيّة. ونفس الشيء مطروح عالميًّا، حيث حركة "البدس"، سجّلت انتصاراتٍ سياسيّةً مهمّةً ضدَّ الأعداء الإمبرياليّين، في: ألمانيا وفرنسا وكندا وغيرها، فضلًا عن كونها تكبّد العدوّ خسائرَ مهمّة.

ورغمَ الانقسام وسيادة الاتجاه الاستسلامي المتنفّذ، فإنّ القضيّةَ الفلسطينيّةَ ما زالت متوقّدةً وتكسبُ المزيد من التعاطف وتنفضحُ كلّ يوم، أمامَ أعين الشعوب حقيقة الكيان الصهيوني، كنظام للفصل العنصريّ، وهو الأمرُ الذي خلصت إليه تقاريرُ المنظّمات الحقوقيّة وعلى رأسها منظّمةُ العفوّ الدوليّة في تقريرها الأخير حولَ فلسطين في فبراير من هذه السنة.

هذا الخطُّ الكفاحيُّ الشاملُ وحدَه، الكفيل بتشكيل قيادةٍ بديلةٍ للنضال التحرّري للشعب الفلسطينيّ والسير به نحو النصر.