Menu

في الحالة السياسية الفلسطينية

موسى جرادات

بعد أن دخلت الحالة السياسية الفلسطينية بمجملها حالة الجمود المطبق في الفعل السياسي، بسبب عوامل كثيرة ومتنوعة ومتداخلة، أصبح من الصعوبة بمكان التقاط الخط البياني العام الناظم لحركة تك الحالة، لكن بعض المؤشرات الأساسية تعطي الانطباع بأنها أسيرة الانتظار الطويل لمجمل التحولات الجيوسياسية التي تحدث في المنطقة، يضاف إليها حالة التكرار الممل والذي يظهر في الخطاب السياسي، سواء الرسمي أو الفصائلي، حتى أصبحت مفردات الخطاب مكررة ولا تلامس الواقع بقدر ما تعبر عن أمنيات اصحاب الخطاب.
وفي ظل هذا المسار تمضي الحالة السياسية الفلسطينية في متاهة البحث عن هوية واضحة قادرة على الصمود أمام المد الجارف من معسكر الأعداء الهادف إلى دفن القضية وأهلها، ليتجلى المشهد بتحالفات إقليمية بدون فلسطين. وعلى الرغم من المحاولات الكثيرة، لاستعادة الزخم وإعادة اللحمة للبيت الفلسطيني، كما يحب تسميته قادة الحالة، إلا أن تلك المحاولات قد باءت بالفشل، لأسباب عديدة، لسنا في مكان تقييمها، وتقديم الأسباب الحقيقية التي أدت لمسرح الفشل، بل إن هناك ملاحظات أساسية تطال مكونات هذه الحالة وارهاصاتها، والتي بدورها تمتلك خطابين سياسيين، الأول مضمر وهو المحرك الفعلي لتلك الحالة، والثاني المعلن وهو خطاب تجميلي يحاول أن يوفق ما بين قيح السياسة وبين مصالح المتنفذين في تلك الحالة.
أن تمتلك خطابين سياسيين الأول معلن فيه الكثير من القواسم المشتركة، والثاني مضمر مصلحي آني وحزبي، يعني أن الحالة السياسية برمتها تعاني مرضًا مزمنًا من المستحيل أن يصنع وحدة بحدها الأدنى، كما يحلو لعرابين تلك الحالة، فجزء من هذه الحالة وهو الرسمي قد ربط مصالحه تحت عناوين الشرعية الدولية وشروط الرباعية، وبعض الانتصارات الموضعية الموهومة والتي لم تترك أثرا في حياة الفلسطيني ولن تترك، حتى تحولت الممارسة السياسية في مربع تلك الحالة للعبة لغوية تقوم على شراء الوقت بانتظار مارلا ينتظر، حتى تحولت إلى أصل بديهي في الحياة السياسية الفلسطينية، وعلى المقلب الآخر الفصائلي فهو الآخر يعاني تصلبا في شرايين خطابه السياسي ، فلا هو قادر على تسييل لغته في فعله اليومي، ولا هو قادر على التراجع لبناء رؤية جديدة قادرة على إعادة موضعة القضية الفلسطينية في مكانها الصحيح، والبناء على الكل الفلسطيني القادر على المواجهة المفتوحة منذ قرن من الزمن، فالكل الفلسطيني هو أول الحساب وليس آخره، فهو أم الصبي التي تحملت عبئ مواجهة الحركة الصهيونية، بوجود أهل ودونهم، ففي ترتيب الأولويات تتضح الصورة وتأخذ كافة أبعادها دون نقصان، يحضر فيها الأخ والصديق والحليف.
وليس خفيا أن تلك الحالة تعاني من نقص في شرعيتها نتيجة للركود المزمن في فعلها وأدواتها القديمة وتصوراتها التي بنيت سابقا وفق معطيات مغايرة عن معطيات اليوم، ووفق موازين قوى دولية أفردت سابقا  للقضية الفلسطينية مساحات كبرى في المسرح الدولي، فيما الهامش يضيق اليوم على القضية وأهلها، حتى بتنا على مشارف التصفية عبر قذفنا خارج مسرح التاريخ، فإدانة دولة عربية لأنها قامت بفعل التطبيع مع العدو، باعتباره فعلا شائنا هو بدون شك في هذه اللحظة لا معنى له، فالدول التي طبعت مع الاحتلال ترى مصلحتها في هذا التطبيع، بل الأمر يتعدى فعل المصلحة ليطال مرتبة أعلى، وهو تجديد لشرعيتها الممنوحة من الغرب، فالتطبيع اليوم تجاوز حدود المصالحة مع العدو الذي أصبح صديقا، وحليفا موثوقا، لهذا فإن فعل الإدانة لا معنى له في وصف هذا الفعل.
مع إننا بدأنا نلمس بعض التحولات في أداء تلك الوجهة التي تعد نفسها بقوى المقاومة، سواء على الصعيد الداخلي لبنيتها المؤسساتية، عبر إجراء الانتخابات الداخلية سواء حدثت أو على طريق الحدوث، فالفعل الانتخابي يحضر فيه الأعضاء كذوات حية فاعلة تتحمل مسؤولية الانتماء، وليست بصفتها أرقاما حسابية لا وزن لها، من هنا يتشارك الجمع في تحمل المسؤولية، وتحضر المساءلة فيما بعد كأداة ضابطة للفعل السياسي. وربما تكون هذه المحاولات من هنا وهناك بداية جادة لملامسة فعل التغيير والتعويل عليه، وزيادة عليه المكاشفة أمام الأهل في كافة أماكن تواجدهم، ففعل المكاشفة هو الوحيد القادر على اختبار الخطاب السياسي والممارسة العملية له، فالأهل هم القضية والنخبة صنيعة الأهل وطليعته المضحية، ضمن المعادلة الصحيحة لأي حركة مقاومة أينما وجدت.
المكاشفة وحدها القادرة على صناعة الخطاب السياسي البناء والفاعل، بغض النظر عن واقع الحال، المكاشفة دون توظيف ودون تلطيف، الأهل هم ميزان الحكم ورجحانه، وكل ما عداه باطل لا يحتمل البقاء.