Menu

رجالُ الاستقلالِ القطريّ والوكالة اليهوديّة

د. موفّق محادين

نشر هذا المقال في العدد 38 من مجلة الهدف الإلكترونية

بقدرِ ما نحتفي بالذكرى المئويّةِ الأولى لوحدةِ البلادِ السوريّة، وأوّل محاولةٍ لبناءِ وطنٍ سوريٍّ عربيٍّ موحّد؛ بقدرِ ما نعيشُ اليومَ حقبةَ الانقسام التي تلت تلك المحاولة، وبجدلٍ صاخبٍ دمويٍّ طائفيٍّ جهويٍّ بين وعد بلفور واتّفاقيّة سايكس – بيكو، بين المشروعِ الصهيونيّ والشظايا السياسيّة الكيانيّة المقتطعة من لحم سوريا التاريخيّة، التي ولدت مع الشروطِ التي تعيدُ إنتاجَ التبعيّة، من عصرِ الإماراتِ الإقطاعيّة العثمانيّة، إلى عصرِ الإماراتِ الكولونياليّة وشبه الرأسماليّة.

من المعروفِ أنّه ما من دولةٍ عربيّةٍ تشكّلت في القرن العشرين وَفْقَ (النماذج) التي عرفها العالمُ شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا. فغالبيّةُ الدول - الأمم الأوروبيّة، خرجت من عباءة أو رحم السقوط التاريخيّ للإمبراطوريّة الجرمانيّة في ثوبها البابوي – الإقطاعي، وذلك في سياق الثورة الصناعيّة البرجوازيّة والثورات العلميّة واللوثريّة والمناخات الفكريّة لمفكّري عصر النهضة، وما أدّت إليه من حروبٍ طاحنةٍ انتهت باتفاقيّة وستفاليا (1648) ودولها القوميّة المعروفة (الدول الأوروبيّة) وما رافقها من نظريّاتٍ للعقد الاجتماعي، ظلّت الهويّة – الأمّة القاسمَ المشترك بينها.

كما هو معروفٌ أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة نشأت على دفعتين: الصراع بين الإمبرياليّة البريطانيّة المُستعمِرة، والبرجوازيّة الأمريكيّة الناشئة المدعومة من فرنسا، والصراع بين الشمال الأمريكي الصناعي، والجنوب الذي كان يسيطر على تجارة الرقيق شرقًا أو جنوبًا، كما تشكّلت اليابان وروسيا (الدولة – الأمّة) في سياق ثوراتٍ برجوازيّةٍ داخليّةٍ قادتها أوساط إمبراطوريّة ضدّ الإقطاع والنبلاء (الساموراي في الحالة اليابانيّة)، وهو ما عجزت عن إنجازه بالطريقة نفسها الإمبراطوريّات العثمانيّة والإيرانيّة؛ بسبب قوى الشدّ الرجعيّ بقيادة السلطان عبد الحميد، والشاه.

بالمقابل تشكّلت (دول – أمم) مثل الصين وفيتنام في سياق ثوراتٍ اشتراكيّة، ربطت بين تصفية الإقطاع ومواجهة البرجوازيّة الناشئة التابعة، كما بين استكمال تحرير الأرض من الاستعمار الياباني والأوروبي والأمريكي، والتوحيد القوميّ. وثمّةَ تَجارِبُ أخرى، لم تتجاوز فكرة (الأمة- الدولة) أو تتخلّى عنها، ممّا جعل من العصر الحديث عصر (دولة – الأمّة).

على الصعيد العربي، لم يُحرم العرب من تشكيل (الدولة- الأمّة) وحسب، بل ارتبطت غالبيّة الدول ال قطر يّة الجديدة، إمّا بصفقاتٍ مع المُستعمِر أو رجال الوكالة اليهوديّة، وأصبح رجال الاستقلال في العديد منها، هم رجالُ الوكالة.

في الأساس، لم توفّر البِنية الإقطاعيّة العثمانيّة الحدّ الأدنى من شروط الانتقال من المرحلة الإقطاعيّة إلى مرحلة  الثورة البرجوازيّة الصناعيّة، وذلك بسبب تركيبة النظام الإقطاعي (السلطان والتيمارو الزعامت) وما عرف بالركود الأسيويّ، الذي لم يقتصر على الاقتصاد، بل طال الحقول الاجتماعيّة والثقافيّة وحرم المنطقة من التطوّر من الحالة الطبيعيّة (حالة ما قبل الدولة - الأمّة والمجتمع المدنيّ)، إلى الحالة الحضاريّة والدولة – الأمّة كأرقى تعبيرٍ اجتماعيٍّ بشريٍّ حسبَ هيجل، وهو ما سهّل انتقال العرب من الاستعمار العثمانيّ الذي ينتمي إلى مرحلةٍ خارج التاريخ، إلى الاستعمار الأوروبيّ في مرحلة تحوّل البرجوازيّة إلى إمبرياليّةٍ للنهب وتكريس التبعيّة والتجزئة، كما لم يسمح هذا الاستعمار للعرب بأن يقيموا ثورةً برجوازيّةً صناعيّةً قوميّةً على شاكلته، وخاصّةً تجربة محمد علي.

في هذه المناخات ومع تقسيم الشرق العربي بين المتروبولات الاستعماريّة، وخاصّةً فرنسا وبريطانيا (سايكس-بيكو)، كان الاستعمارُ الأوروبيّ يربط هذا التقسيم بما اعتبره صمام الأمان الضروريّ وهو وعد بلفور. وكان تمزيق سوريا الطبيعيّة أخطر هذه الاستحقاقات، وهو التمزيقُ الذي ترافق كلَّ مرّةٍ بانتقال المشروع الصهيونيّ (إسرائيل الكبرى)، خطوة إلى الأمام مقابل تراجع (سوريا الكبرى)، ومن ذلك أيضًا توسّع الخطاب الصهيونيّ على مستوى الإقليم السوريّ، مقابل تراجع خطاب الوحدة وانحساره لصالح الهويّات الفرعيّة والكيانيّة (اللبننة، السورنة، الأردنة، الفلسطنة).

ومع الانتباهِ إلى أن حزبًا مثل حزب الاستقلال الذي حاول تمثيل كلّ الأطياف في سوريا الطبيعيّة، وكان تعبيرًا عن إرهاصاتٍ برجوازيّةٍ تحلم بسوقٍ قوميٍّ مشرقيّ، كما كان مسكونًا بأوهامِ الوعود الاستعماريّة، لم ينج هو الآخرُ من براثن الهُويّات الكيانيّة، التي امتدّت إليه بذريعة الاستقلالات.

ونعرفُ أنّ هذا الحزب الذي قامت عليه إمارة شرق الأردن وحكوماتها الأولى (أوّل رئيس حكومة، وأوّل قائد للدرك كانا من دروز سوريا وهما رشيد طليع وفؤاد سليم)، وقام ضبّاطه بإخماد حركات العصيان القبلي، وكان مسكونًا بوهم إقامة مملكةٍ على كلّ أراضي سوريا الطبيعيّة، سرعان ما قام عملاء الإنجليز بتصفيته وملاحقته بأقنعةٍ كيانيّة، وتمَّ ترويضُ ما تبقى من قياداته المحليّة لصالح هذه الهُويّات حيثما كانت.

إلى ذلك، وبالتزامن مع الاحتلال الفرنسي لسوريا، جرى اقتطاعُ المزيد من الأراضي السوريّة الشماليّة وضمّها إلى تركيا ، بدءًا من مرعش وانتهاء بالإسكندرون، فيما كانت الحركة الصهيونيّة بدعم الاحتلال البريطاني تقضم المزيد من سوريا الجنوبيّة، وخاصّةً في فلسطين، دون أن تتأسّس حركة المقاومة بكلّ مراحلها على إدراكٍ تاريخيٍّ بمغزى (إسرائيل الكبرى) مقابل انحسار (سوريا الكبرى).

فقد ولدت كلّ الهويّات الكيانيّة ودولها ليس نتاجَ تحوّلاتٍ اجتماعيّةٍ على غرار الدولة الحديثة، سواءً أكانت رأسماليّةً (دولة وستفاليا) أو كانت اشتراكيّة (نموذج الصين وفيتنام)، بل على إيقاع المُستعمِر الذي رسم كلّ شيء: الخرائط والهويّات والعصبيّات ووزّع الآثار القديمة بينها، من باب التأصيل المزعوم، فأصبحت الأبجديّة لبنانيّة فينيقيّة، والبترا أردنيّة، و القدس فلسطينيّة... وهكذا.

وكان أخطرُ ثمنٍ لذلك، إمّا الخضوعُ للعدو وإعادة الهيكلة الداخليّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والإداريّة شأنًا داخليًّا إسرائيليًّا، وإمّا العجز عن مواجهته والتعايش معه. إذ نعرف أنّه بعد سقوط أوّل دولةٍ سوريّةٍ موحّدةٍ بعد ميسلون، تم تكبير إمارة شرق الأردن بريطانيا، وعلى شكل بافر ستيت عامودي وظيفي (من ترانزيت أو عبر الأردن وشريط ضيق حول طريق الحج وسكة الحديد) ببادية الشام، وتم تكبير متصرفيّة جبل لبنان (بدأت بإمارات درزية اتسعت للفلاحين الموارنة القادمين من سوريا حول نهر العاصي) بـ قرارٍ فرنسيٍّ باسم لبنان الكبير، الذي أخذ من سوريا البقاع والمدن الساحليّة بما فيها بيروت، وظلَّ موضوعَ تجاذباتٍ بين رؤى مختلفة، البطرك حويك والمندوب السامي الفرنسي وبريطانيا وبرجوازية الشام. أما فلسطينيًّا، فقد ظلّت فلسطين بين مشروعٍ صهيونيٍّ كولونياليٍّ برعاية الإمبرياليّة البريطانيّة، ثمّ الأمريكيّة، وحركةٍ وطنيّةٍ بدأت عروبيّةً، وانتهت كيانيّةً على غرار مثيلاتها.

وبالمحصّلة، انتهت كلّ الكيانات والهُويّات الفرعيّة التي تمّ ترويجها استقلالاتٍ وهويّاتٍ وطنيّة، إلى الإنذارات المتوالية في استبصارات انطون سعادة ومهدي عامل، وكذلك قراءات الجابري والعروي: إما إسرائيل الكبرى أو سوريا الطبيعيّة عند سعادة، وإمّا جدل الصراع بين نمط الإنتاج الكولونياليّ ودولته وتعبيراته الطائفيّة، وبين دولةٍ وطنيّةٍ ديموقراطيّة بأفقٍ عربيٍّ عند مهدي عامل، كما نتذكّر ما كتبه الجابري عن ثلاثيّة القبيلة والعقيدة والغنيمة شكلًا مزوّرًا للدولة الحديثة، وما كتبه العروي عن الفوات والتأخّر، حيث لا سبيل لتجاوز الحالة الطبيعيّة ما قبل الرأسماليّة وما قبل الدولة وما قبل المجتمع والهُويّة الجامعة للأمة نحو الحالة الحضاريّة، إلا بقراءةٍ مركّبةٍ ماركسيّة – هيجيليّة عند العروي.

ظلَّ الجميعُ يتحدّث عن العلاقة بين وعد بلفور وسايكس بيكو التي قسمت سوريا الطبيعيّة والهلال الخصيب، دون أن يترجموا ذلك في مراجعاتٍ نقديّةٍ لمجمل الخطاب الكيانيّ قبل أن يدخلَ مرحلة الأفول لصالح الكانتونات واللامركزيّة، عبرَ معاهداتٍ واتفاقيّاتٍ مثل أوسلو ووادي عربة وصفقة القرن. فقد أسّست جميعها لتجزئة المجزّأ وتوفير الشروط الموضوعيّة لمزيدٍ من التوسّع الصهيونيّ وشطب الكيانات القطريّة نفسها، لصالح الاستراتيجيّة الصهيونيّة المعلنة: مركز إسرائيلي لمحيطٍ تابعٍ بلا دول، كانتونات ومجامع طائفيّة متناحرة.

هكذا، دخلت الحركةُ الصهيونيّةُ على خطّ (الدولة القطريّة الجديدة) وترجمت ذلك على دفعاتٍ أخطرها، الاتّصالات السريّة التي أدّتها الوكالة اليهوديّة، وظهرت في عشرات الوثائق والمذكّرات والكتب منها:

دراسات ماري ولسون، مذكرات الياهو ساسون، ومذكرات الياهو إيلات (ابشتاين) (إسرائيل وجاراتها)، يوميّات أكرم زعيتر، ودراسة (المتاهة اللبنانيّة) لرؤوفين أرلخ، والطائفيّون العرب والحركة الصهيونيّة لـ بني مورس، وكذلك دراسة أمين مصطفى (الاتصالات السريّة العربيّة - الصهيونيّة) ومقالات للكاتب صقر أبو فخر، وغيرهم... بالتمعّن في المذكّرات والدراسات المذكورة، نجد أن الذين وصفوا برجال الاستقلال في غالبيّة البلدان العربيّة، كانوا قد التقوا ممثّلين عن الوكالة اليهوديّة في ظروفٍ كان المشروعُ الصهيونيُّ فيها واضح الملامح، وكانت موجات المقاومين والمتطوّعين في فلسطين والشرق العربيّ قد دخلت في اشتباكاتٍ مسلّحةٍ مع المستوطنين الأوائل ورجال الاستعمار البريطاني، بل أنّ مكتب الكومنترن في موسكو البعيد عن  الشرق، أدان موقف الحزب الشيوعيّ الفلسطينيّ (اليهودي) وطالب بتعريب الحزب ونصرة الفلاحين المقاومين، وذلك قبل أن يغيّر ستالين موقفه بعيد الحرب الثانية، ويدخل في مساوماتٍ دوليّة، أعطته أوروبا الشرقيّة كاملة، مقابلَ دعمه لقرار التقسيم ورفع يده عن اليسار اليوناني وجمهورية ماهباد الكردية.

إلى ذلك، وفي استعراضٍ سريعٍ لأبرز رجال الاستقلال في الدول القطريّة العربيّة ولقاءاتٍ سابقةٍ جمعتهم مع الوكالة اليهوديّة، نجد ما يلي:

1- من لبنان، لقاءات جمعت الوكالة اليهوديّة مع رئيس الجمهوريّة، بشارة الخوري، ورئيس حكومته، رياض الصلح، وقبلهما إميل اده وخير الدين الأحدب (رئيسان سابقان للدولة والحكومة)، والبطرك عريضة الذي أشاد به البطرك الحالي، الراعي، وكميل شمعون.

2- من سوريا، لقاءات جمعت الوكالة اليهوديّة مع قادة في الكتلة الوطنيّة في بلودان 1936، بينهم شكري القوتلي ولطفي الحفار ونسيب البكري ومحمود سليمان الأحمد ومجحم الشعلان، بل إنّ الياهو إيلات (ابشتاين) في كتابه (إسرائيل وجاراتها)، تحدّث عن لقاءاتٍ مع الشهبندر وزعماء (العائلات الارستقراطيّة) في دمشق وبيروت وطرابلس وبغداد والقاهرة. كما جاء في يوميّات أكرم زعيتر، الجزء الثالث، أن بن غوريون التقى مع إحسان الجابري ص 147-148، والجابري من شخصيّات اليمين السوريّ المعروفة.

3- كما تحدّث إيلات عن لقاءاتٍ مع نوري السعيد وجميل المدفعي وحسين الجميل وعلي الأيوبي في العراق، ومع وفدٍ من مصر شاركوا في افتتاح (الجامعة العبريّة)، بالإضافة إلى عشرات الرسائل مع الملك فاروق. ولم تكن السودان وتيّار الاستقلال (عن مصر) بعيدة عن هذه المناخات، إذ نعرف أن (عبد الإله خليل) رئيس الحكومة الأسبق عن حزب الأمة التقى مع الوكالة أيضًا.

4- وبالمثل، فإن عبد العزيز آل سعود أول ملك للسعودية في مرحلتها الثالثة التقى ممثلين للوكالة بعد اللقاء الشهير مع روزفلت على ظهر السفينة كوينسي 1945.

5- أردنيًّا، وحسب ماري ولسون، فقد كانت لقاءات الأمير عبد الله مع الوكالة اليهوديّة، تتخطّى الإنجليز أنفسهم، فضلًا عن عشرات الكتب التي صدرت لاحقًا وطالت كلّ عهود المملكة، وتناولت أسماء، مثل: محمد الأنسي وبعض شيوخ العشائر.

6- فلسطينيًّا، وقبل أوسلو يتحدّث أكرم زعيتر في يوميّاته الجزء الثالث، عن لقاءاتٍ جمعت بين بن غوريون وعوني عبد الهادي وموسى العلمي وأخرى جرت بعد سقوط الضفة الغربيّة مع رؤساء بلدياتٍ وزعاماتٍ محليّة، جمعت بين موشيه ساسون ووليد الشكعة وحمدي طاهر كنعان، وفي مكانٍ آخرَ مع الجعبري. بعد ذلك، ارتبطت فكرة (أوسلو) بالاتّصالات واللقاءات المبكّرة مع الوكالة اليهوديّة، قبل أن تنتقل إلى (دولة العدو) وتعبيراتها (الرسميّة) ومرّت في محطّاتٍ عديدة، من عصام السرطاوي إلى سري نسيبه وخالد الحسن إلى إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد، وصولًا إلى أوسلو.

7- من مصر، علاقات مع رؤساء سابقين للحكومات في العهد الملكي مثل إسماعيل صدقي، أكبر داعمٍ لجماعة الإخوان في حينه ، وعلي ماهر.