Menu

ملامح من الأزمة الروسية -الأوكرانية الراهنة: بذور ومقدمات

محمد عبد الشفيع عيسى

الأزمة الروسية – الأوكرانية محصلة في حقيقتها للتفاعل بين أمور عدة يتقدمها إصرار عنيد من المجموعة الغربية بالقيادة الأمريكية على إعادة تفعيل سياسة "الأحلاف العسكرية"، ممثلة في محاولة إعادة الروح للكيان فاقد الحياة تقريبًا خلال العقد الأخير وخاصة فترة ولاية دونالد ترامب للإدارة الأمريكية-الجمهورية (2017-2021). وكان أن نهض "الجناح المتعسكر" من إدارة بايدين – (الديموقراطية)، لينفخ الروح في "منظمة اتفاقية شمال الأطنطي" – ناتو.   

ولما كانت وظيفة أي حلف عسكري، مواجهة وردع عدو مفترض، ولو باستخدام القوة المسلحة، إن لزم الأمر، فلذلك كان من الطبيعي أن يسعى مشروع الحلف المستعاد إلى بعث روحية العداء المستفحل في المواجهة مع عدو " قديم-جديد "؛ ليس باختلاقه، فهو قائم بالفعل منذ نهايات الحرب العالمية الثانية (1945-.. )، ولكن بإعادة توظيفه بعد أن انتهى مبرر وجوده بسقوط الحلف (الآخر-العدو) الذى كان ، في مطلع التسعينات، وهو " حلف وارسو" السوفييتي المنهار.    

وكانت الفرصة التي جرى اهتبالها غربيًا لبعث الروح في الجسد، هي استخدام دولة "أوكرانيا" - إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق – "مخلب قط"، إن صح التعبير، لمحاولة تقويض الكيان الروسي المُصغر، الوارث للكيان السوفيتي الكبير. فإن لم يمكن تقويضه فإضعافه بما لا يسمح له أن يكون ندّاً أو أن يصير عدوًا قويًا".   

ولما كان للغرب تجربة ناجحة نجاحًا مبهرًا في إسقاط الدولة السوفيتية العتيدة في مطلع التسعينات من القرن المنصرم، فلذلك كان النموذج ماثلاً أمام قيادة روسية مستوعبة الدرس القديم، ممثلة في فلاديمير بوتين، ساعية إلى عدم السماح بتكرار ما جرى في ظرف جديد. 

آنئذ فكر، وسعى، الطرف الأمريكي إلى محاولة إدخال "مخلب القط "الأوكراني عضوًا في التحالف العسكري، ومن ثم اتخاذه مدخلاً لبعث سياسة الأحلاف من جديد، بنفخ الروح في حلف ليس أمامه حلف آخر أو أحلاف، ولكنه وحيد، في مواجهة عدو بل وأعداء عديدين. 

وسرعان ما فهم الطرف الروسي "اللعبة" فحاول مقاومتها سياسيًا ودعائيًا، وقدم جملة مطالب أمنية للطرف الآخر الذي رفضها كما هو متوقع، ليضع القيادة الروسية في موقع "الدفاع الهجومي" الذي لا خيار أمامه سواه، عن طريق استخدام القوة لمنع الاحتمال الطارئ، فكان تطبيقًا للقول السائر (لابد مما ليس منه بدً). ووقعت الواقعة فيما أسماه الطرف الروسي بالعملية العسكرية الخاصة، تلك التي بدأت بالغة الطموح وانتهى بها الأمر، في ظل تعثر عسكري روسي نسبى، إلى محاولة الإطباق على إقليم بعينه كمدخل لتفتيت الكيان الأوكراني، (إقليم "دونباس").

هكذا وقعت "ضربة مزدوجة" ذات أثر بالغ في مسار النظام (أو "اللانظام") الدولي: فمن ناحية، أتاح ذلك التطور للقيادة الروسية، من جديد، ادّعاء أن ما تسميه عمليتها العسكرية تقوم على تطبيق -غير مبرَّر تماما في الحقيقة- لحجة "الأمن القومي". ومن ناحية أخرى، إن ذلك اتاح للغرب إمكانية العمل على استعادة سيرة (الأحلاف العسكرية) أو (التكتلات المسلحة) في العصر الحديث للقارة الأوربية و ما حولها، بعد غياب زهاء قرن ونصف قرن، أي منذ "الحرب السبعينية" تقريبا، والتي انتصرت فيها (ألمانيا أو –بالدقّة-"بروسيا بسمارك") على (فرنسا نابليون الثالث) ( 19 يوليو 1870-10 مايو 1871) ، حين أعلنت الأولى قيام ألمانيا الموحدة من قصر فرساي في قلب باريس. ومذْ ذاك انبعثت ألمانيا قوة اقتصادية وعسكرية قلبت، إلى حدّ بعيد، الموازين الدولية –الأوربية السائدة لعدة قرون، لمّا كانت بريطانيا وفرنسا "بيضتي الميزان " دون منازع. واستطاعت الدبابات والمدفعية الألمانية أن تعيد تشكيل صورة المنظومة الدولية المقسمة أخيرا، وقبيل الحرب العالمية الأولى، بين قطبين: مجموعة دول "الوفاق"-بريطانيا وفرنسا وروسيا، ومجموعة دول "التحالف الثلاثي"- تركيا وألمانيا والنمسا. ذلك حتى اندلعت شرارة الحرب العالمية الأولى في 28 يوليو من عام 1914 على إثر مقتل وليّ عهد النمسا في مدينة سراييفو، مستمرة حتى 11 نوفمبر 1918.

انتهت الحرب رسميا عام 1919 بعقد اتفاقات فرساي برعاية معنوية فحسب من الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، ومن ضمنها معاهدة الصلح (المُذِلّة) مع ألمانيا، لتعقبها فترة قلقة أُسميت فيما بعد " فترة بين الحربين" لمدة عشرين عامًا (1919-39) ومنتهية باندلاع شرارة الحرب العالمية الثانية على إثر قيام (هتلر-ألمانيا) بغزو بولندا. ظلت الحرب سجالا عالميًا ستة أعوام بين المعسكرْين (المحور): الألماني - الإيطالي – الياباني؛ و (الحلفاء): ممثلين أخيرًا في الغرب الأوربي -الأمريكي والسوفييت. وع لى وقع "الإذلال الألماني" مرتين، عقب كلّ من الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، أقيم نظام دولي جديد حقا، بعد 1945، قيل له (نظام ما بعد الحرب)، لم يسبق له نظير في العصور الحديثة.  

كانت القاعدة التشريعية –التنظيمية للنظام الدولي المنبجِس ميثاق ومنظمة "الأمم المتحدة" لعام 1945، وقاعدته السياسية-العسكرية، تعادل تقريبي لقوة الردع العسكرية والسياسية بين القطبين البازغين في طرفين متقابليْن شرقًا وغربًا: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وإن ظل التفوق الاقتصادي النسبي يميل بشدة تجاه القطب الأمريكي ذي ثلاث شعب: الولايات المتحدة وأوربا الغربية واليابان، كتجسيد لما يسمّى "المركز الرأسمالي الثلاثي".

وظل هذا هو الحال حتى سقوط القطب الثاني السوفييتي عام 1991 بعد سجال طويل، وليقوم من بعده نظام مؤسس على هيمنة "القوة العظمى الوحيدة" -الولايات المتحدة- منذ ذلك العام وحتى الآن.     

ولقد ورثت "القوة العظمى الوحيدة" منظومة دولية كاملة من الحقبة التي سبقتها (جاهزة تقريبا)، حاولت تكييفها (على مقاسها)، باستخدام القوة العسكرية (أعمال الحرب والتدخل العسكري والغزو التي بلغت ذروتها في الغزو المزدوج للعراق وأفغانستان 2001،2003. وكذا بالهيمنة الاقتصادية على قاعدة من التفوق التكنولوجي المقارَن إزاء كلّ من أوروبا واليابان، وما يسمى "الإمبريالية المالية –النقدية" وفق نسيج متجانس ذي قماش متين مكون من هيمنة الدولار، والنظام المصرفي الأمريكي ونظام التحويل المالي –"سويفت"، ومن التعَمْلق النسبي الساحق للشركات عابرة الجنسيات ذات المنشأ الأمريكي بالذات، وفي عقر دار أوربا الغربية بالذات.   

وعلى الطريق الطويل لتكوّن وتعمْلق ""القوة العظمى الوحيدة" خلال مرحلة (1990- ..) ومن قبلها مرحلة القطبية الثانية (1945-1990)، استطاعت تلك الدولة الإطاحة بالاتحاد السوفييتي ومعها و قبلها، وبُعَيْدها مباشرة، أطاحت كذلك بالتفوق التكنولوجي الياباني ( Japan as No.1) خلال التسعينيات، بل أطاحت الولايات المتحدة أخيرا بالمشروع الأوروبي التوحيدي بعد اكتماله عام 2000 باعتماد "العملة الموحدة" (يورو) وبالسوق الواحدة أيضا Single market. وخلال عقد قلِق، وقعت الأزمة المالية العالمية 2008-2009 لتطيح بدورها بالاتحاد النقدي- المالي البازغ (منطقة اليورو) (أنظر جوزيف ستجلتز، اليورو، كيف تهدّد العملة الموحدة مستقبل أوروبا، ترجمة أ. مجدي صبحي، سلسلة "عالم المعرفة"، جزءان، سبتمبر وأكتوبر 2019). ومن بعد ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية –"القوة العظمى الوحيدة Lonely Super Power قد تربعت على عرش الاقتصاد والعسكرية والديبلوماسية العالمية دون منازع طوال عقد ونيّف حتى الآن، عدا منازعة اقتصادية محقة من جانب الصين، وندّية نووية، استراتيجية وخاصة تكتيكية، من جانب روسيا.

هكذا إذن سقط الغرماء الثلاثة واحدا تلو الآخر عبر حقبة لا تتجاوز ثلاثين عامًا (الاتحاد السوفييتي- اليابان – أوروبا الموحدة) لتجيء الأزمة الروسية – الأوكرانية الراهنة ربما علامة على انبثاق حقبة دولية جديدة بدورها، ربما حقبة انفراط عقد المنظومة الدولية كلها، أو انبثاق قاعدة سياسية – اقتصادية – عسكرية جديدة لا تحكمها قوة عظمى وحيدة، وإنما قوة أو قوى معلومة أو غير معلومة. 

ومن عجب في ضوء كل ما سبق، أن يتنادى الأوربيون يقودهم الأمريكيون، بمشروع ضم أوكرانيا– "مخلب القط" –إلى الاتحاد الأوروبي، الذى لم يعد قائمًا في الحقيقة، إلا حطامًا..!، بل و "منطقة اليورو" أيضا - فعلام الجلَبَة، ولم تلك الضوضاء إذن؟ وأليس في الإعلام الدولي وعالّم الديبلوماسية العالمية رجل رشيد..؟      

هذا، وما يزال في الجعبة حديث سوف نسميه "الدروس غير المستفادة من الأزمة الروسية-الأوكرانية الراهنة" على صعيديْن: التكنولوجيا مقابل الأنْسَنة، والانتشار النووي مقابل الحرب الكونية.