تدخل العملية الروسية في أوكرانيا شهرها الخامس الذي تحرز فيه قوات التحالف الروسي تقدمًا ملموسًا على الأرض، يحقق الأهداف المعلنة التي وضعتها القيادة الروسية عندما أعلنت عن بدء عمليتها الخاصة في الرابع والعشرون من شباط ٢٠٢٢. المدقق في قرار القيادة الروسية والاجتماع الذي عقده الرئيس فلاديمير بوتين لمجلس الأمن القومي الروسي في ٢٢ شباط ٢٠٢٢ الذي ضم كافة قيادات الأمن الروسية، طلب فيه من أعضاء المجلس إعلان موقفهم من الاعتراف باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، هذا الاعتراف الذي سيبنى عليه الأساس القانوني لبدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا. الطلب كان بشكل معلن على شاشات التلفزيون الروسي في سابقة لم تحصل من قبل، أراد منه الرئيس بوتين أن يظهر وحدة الموقف السياسي والعسكري للقيادة الروسية بالرغم من تلعثم رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين الذي يرجح أن تلعثمه كان مدروسًا لأسباب استخباراتية أظهرتها الأحداث اللاحقة؛ فما بين تغيير النظام والاستقلال والضم تدحرج الموقف الروسي. كان الهدف الأول السعي لتغيير النظام عبر قوى داخلية أوكرانية مدعومة من الرتل العسكري الذي طرح تساؤلات إعلامية غربية لأسبابه وعدم تقدمه، والذي كان يمتد لمسافة ٦٠ كيلو ينتظر خارج كييف لمدة تزيد عن أسبوعين، وَتَوَضَحَت وظيفته بعد تراجعه عن دخول كييف لعدم نجاح الإطاحة بالنظام الأوكراني الذي وصفته القيادة الروسية بنظام تسيطر عليه المجموعات القومية النازية (أنصار بانديرا) الذين دعموا النازية الألمانية في الحرب العالمية الثانية. بعد تعثر تغيير النظام من الداخل لجأت القيادة الروسية إلى الخطة البديلة وهي تركيز عملياتها في الجنوب الغربي ومحيط بحر آزوف الذي كانت تُجْرى عمليات تدريجية فيه، لتحويله إلى جيب عسكري للناتو سيكون جسرا لإسقاط سيادة روسيا في البحر الأسود وفي أدق موقع جغرافي يشكل الخاصرة الرخوة لروسيا. العملية الروسية لاقت موقفًا حذرًا رافضًا لها من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، استطاعت فيه واشنطن أن تعيد رص مواقف أوروبا خلفها، تتقدمهم لندن التي أخرجت كل ما في جعبتها من عداء دفين لِروسيا، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا حتى طالت الملكيات الفردية. واشنطن وحلفائها سارعت إلى تحديد استراتيجيتها لمواجهة روسيا على كافة الجبهات باستثناء العسكرية منها التي أوكلتها إلى كييف، بالرغم من علمها أن كييف لن تستطيع أن تهزم روسيا. وتعمل واشنطن على تنفيذ استراتيجية منفردة عنوانها إضعاف الجميع: روسيا ودول الاتحاد الأوروبي عبر سياسة الاستنزاف التدريجي الاقتصادي. من الواضح أن سياسة واشنطن في استنزاف روسيا لم تعمل بل تحولت إلى استنزافًا لِحلفائها بعد أن استطاع الاقتصاد الروسي أن يمتص الضربة الأولى لِيُعيد تموضعه لمواجهة طويلة دامية، ستطال اقتصاديات أكثرية دول العالم. فالتحذيرات التي أطلقت من منظمة الفاو والأمم المتحدة عن بوادر أزمات غذائية عالمية، سينتج عنها أزمة لجوء جديدة من الجنوب إلى الشمال وحروب داخلية تقوض النظام العالمي الذي بني ما بعد الحرب العالمية الثانية. سياسة العقاب التصاعدي غير المدروس ضد روسيا وبيلاروسيا، بهدف إخضاع موسكو ومينسك للسياسة الغربية لم تحقق نتائجها المباشرة، بل انعكست على الوضع الداخلي لدول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة التي تعاني من أزمة تضخم وبوادر لحالة ركود اقتصادي سَيُنتِج أزمة اقتصادية عالمية مُرَكبة لن تستطيع الدول الغنية تغطيتها ماليا، كما حدث ٢٠٠٨ لِكَونِها هي ستكون عنوان الأزمة. البنوك المركزية الأوروبية لن تستطيع الاستمرار في طباعة العملة غير المدعومة لتغطية حاجيات الدول مثل (إيطاليا واليونان وقبرص وإسبانيا، ناهيك عن الدول الأوروبية الشرقية التي أصلا هي تعاني من أزمات مزمنة) التي بدأت تظهر فيها الآثار العكسية المباشرة للعقوبات، حيث طالت صناعاتها ومواطنيها وسوف تتضح معالمها مع بداية الشتاء القادم. الرد الروسي التصاعدي على العقوبات الغربية، خاصة في الجانب المالي والنفطي والغازي والغذائي أربك مراكز القرار في بروكسل وواشنطن ووضعها في حالة كمن أطلق النار على قدميه. فوقف إمدادات الغاز عبر السيل الشمالي واحد (بحجة الصيانة أو عدم إرجاع شركة سيمنز للتوربينات بسبب التزامها بالعقوبات الأوروبية) وتوقف الغاز عبر أوكرانيا وقرار موسكو بوقف إمدادات الغاز إلى بلغاريا وبولندا وليتوانيا واستوينا وهولندا لعدم التزامهم بقرار الرئيس بوتين بدفع قيمة الغاز بالروبل، ستظهر آثاره في الشتاء القادم، خاصة في ألمانيا التي تعتمد صناعاتها الرئيسية على إمدادات الغاز الروسي. من المرجح أن يعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال شهر عن انتهاء العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا بعد أن حققت أهدافها المباشرة في تحرير دولتي دونيتسك ولوغانسك وسيعلن عن وقف إطلاق نار من جانب واحد، ليفتح الباب أمام بدء محادثات سياسية لفرض نتائج انتصاره على الأرض، هذا الإعلان سيربك الموقف الغربي ويظهر التباين ما بين عواصم الدول المعادية لموسكو التي سَيقوم بعضها بالإصرار على تحريض زيلينسكي لرفض الهدنة تحت وهْم إمكانية هزيمة روسيا على الأرض، وهذا الموقف تتزعمه لندن ويحظى بدعم واشنطن، طالما لا يدفع للتورط المباشر بالحرب مع روسيا. برلين مدعومة من بودابست فيينا وإلى حد ما باريس، سترى بالموقف الروسي المحتمل بانتهاء العملية الروسية الخاصة مبادرة للتسوية السياسية والعودة لطاولة المفاوضات التي ستتيح عدم تطور الأزمة لمواجهة بين الأطلسي وروسيا. إن روسيا لم تلجأ بعد إلى الورقة الرابحة للضغط على معظم الدول الأوروبية التي تعتمد على النفط والغاز الروسي، خاصة بعد أن فشلت محاولاتها في تأمين البدائل لأسباب متعددة: إنتاجية ولوجستية وسياسية، حيث يتوقف طرح الكرت الروسي الرابح على مدى اعتراف الدول المعادية لروسيا بنتائج العملية الروسية الخاصة التي تعتبر انتصارًا لروسيا وهزيمة مباشرة لكييف وحلفائها. عدم الاعتراف بالنتائج يعطي مبررات لِموسكو بالتصعيد الميداني وتوسيع الأهداف جنوبًا وغربًا وشمالًا ليطال كل شرق أوكرانيا على طول نهر دنيبر من الشمال إلى الجنوب، بالإضافة إلى أوديسا، هذا التمدد الذي سيحقق عمقًا استراتيجيًا لحماية الأراضي الروسية ويعزل أوكرانيا عن البحر الأسود. هذا الهدف الثاني الميداني للعملية الروسية وسيكون تحقيقه أسهل بعد الانهيارات الميدانية لخطوط الدفاع الاوكرانية وإذا ما تحقق ستكون كييف قد حوصرت مرة أخرى وسقوط نظامها سيكون مسألة وقت مرتبطًا بتراجع الدعم المالي والعسكري والأهم الشعبي الغربي بعد أن تصل آثار الازمة لكل بيت في الدول الغربية مع حلول الشتاء القادم. الخضوع للمطالب الروسية هي أهون الشرين بالنسبة للغرب وسيكون بالنسبة لروسيا إعادة الاعتبار وتأكيد الاعتراف بالدور الروسي العالمي، هذا سيفتح الباب للاعتراف بعالم جديد متعدد الأقطاب، يراعي مصالح الدول والشعوب الصاعدة والفقيرة التي تعاني من هيمنة نظام القطب الواحد، وستحسم هذه الجولة من الصراع بين الدول الصاعدة والدول التي تعمل لصالح شركات الاحتكار العالمية لصالح الدول الصاعدة، وستكون فرصة لدول إقليمية مثل: تركيا وإيران والسعودية و مصر والهند والبرازيل لفرض حضورها الفاعل بعيدًا عن هيمنة القطب الأمريكي الغربي الواحد. وستشهد الأسواق العالمية أنماطًا جديدة من التداول والتبادل الاقتصادي والمالي، تعكس المتغيرات التي فرضتها العملية الخاصة الروسية في أوكرانيا بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية. الخطر الذي يواجهه العالم إذا انتصر الموقف البريطاني الذي يسعى لهزيمة روسيا على الأرض، متغاضيًا عن الموقف الذي أعلنه الرئيس بوتين سابقًا: أنه لا يمكن أن يكون عالم بدون روسيا، هذا الموقف الذي وضع كرامة روسيا في كفة والعالم في كفة أخرى. في نهاية النهار العملياتي - يطرح السؤال الأهم: مَنْ وَرَطَ مَنْ؟

