Menu

غسان اليوم: المهمة 

خاص_بوابة الهدف الإخبارية

لم تكن الكتابة عند غسان غواية لصنعة أدبية أو تلبية لطلبات بلاط سلطان أو أمير نفطي أو ممول غربي، بل جزء من متطلبات الدفاع عن الحقوق العربية والفلسطينية المسلوبة، وأداة إسهام جوهري في المعركة ضد الغزاة المُستعمِرين في فلسطين والوطن العربي.

كان خطاب غسان أدبيًا وسياسيًا فعل قتال ثوري، يختص بالأساس برفع قيمة الكفاح على ما عاداه، مقررًا سلفًا اتجاه هذا القتال، ولتكن اللغة غاية في الوضوح، كان ترجمة لبرنامج الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وما يقترحه هذا البرنامج بشأن الاشتباك مع العدو الصهيوني ومن تحالف معه، وفي اتساعه الأدبي كان يغوص في تفاصيل تشخيص الصراع ومصائر الفلسطينيين الجمعية والفردية ضمن مختلف سياقات الموت والتهجير التي صنعها العدو، وفي كل مرة كان الجواب الأدبي لديه كما السياسي، القتال، الكفاح المسلح وانتزاع واستخدام موارد وادوات القوة المادية كطريقة لتغيير الواقع.

إن الاشتباك لتغيير شروطه كان وما زال هو قاعدة غسان ورفاقه، وهو ما ناضل ويستمر بالنضال لأجله هؤلاء الرفاق والمؤمنون بالخط الثوري التقدمي العربي التحرري، وإن محاولة نزع غسان من سياق انتمائه السياسي وخياره الأيديولوجي، ووضعه على الطاولة بمنتوجه الأدبي، ودوره الكفاحي، كما لو كان منتجًا أدبيًا معزولًا عن تموضعه وتموضع تيار سياسي وأيديولوجي عربي، ما هي إلا جزءًا من عمليات معتادة لإعادة إنتاج الرموز وما تمثله واستخدام صورتها كجزء من عدة الإنتاج والاستهلاك الإعلامي العربي.

إن برامج محطات إذاعات النفط عن غسان، كما كثير من كتابات نخب الكتاب الرجعيين العرب أو الاستهلاك المفرط للاستعارة من غسان لدى مرتدي اليسار، ليس أكثر من استخدام لصورة الشهيد الأديب الرمز المناضل، في الانقضاض على حقوق الجماهير، وأيضًا على قدرة التنظيم لدى هذه الجماهير، والتي تمثلها الأحزاب والقوى التقدمية العربية.

نعم.. لقد كان غسان وما زال بجانب الحكيم بكل ما أنتجاه أدبيًا وفكريًا وسياسيًا، أعضاء في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفي قيادة حركة النضال التقدمي العربي ضد العدوان الاستعماري والرجعية العربية وأدواتها العسكرية والسياسية والإعلامية وسياساتها الصحية والتعليمية وخطابها في قضايا المرأة والتحرر والعمل، وهذا ليس من باب المبالغة اللفظية في حضرة الذكرى، ولكن قراءة لحجم التأثير الذي تحدثه الأدبيات التي أنتجها غسان والحكيم وغيرهما في الحفاظ على خط النضال الفلسطيني العربي التقدمي وتطويره.

إن مهمة النضال الفكري اليوم تتلخص في الكلمة الأخيرة بالفقرة السابقة، فالمعضلة تحديدًا في "التطوير"، ليس بمعنى غياب القدرة على التطوير ولكن في محاولة تجميد ما أنتجه غسان، وإعادة تقديمه وإنتاجه كمضاد لموضعه وخياره السياسي والطبقي، ذلك في مقابل واجب ومهمة ما زالت تعاني الكثير من العراقيل، لتوفير بيئة ملائمة لإعادة الإنتاج الأدبي والفكري اليساري التقدمي، بذلك الزخم والعمق والتنوع والجرأة والوضوح السياسي كما فعل غسان ورفاق دربه.

إن دور التنظير أو الكتابة أو الأدب أو الفكر مركزية بقدر ارتباطها بالعناوين التنظيمية والسياسية والكفاحية، وتكتسب قيمتها من كونها جانب من عمليات صياغة الأسئلة وتحديد المهمات وشرح هذه المهمات واختبار الفرضيات، وأيضًا الإعلام بمعنى الاتصال مع الجمهور، فيبدو أن هناك من اقنع شريحة واسعة من الناس أن الإعلام الناجح هو ذلك الذي يحقق أعلى معدل استهلاك من قبل المتابعين، وتلك رؤية انتهازية قاصرة.

عدد من قرأ غسان وترسخ لديه ما أنتجه يفوق بكثير ما تحاول منظومة الاستهلاك والهيمنة الرجعية الوصول إليه من هيمنة، بل إن هذه المنظومة ما زالت أعجز من أن تنتج ما هو ذو تأثير مستدام فكريًا وإعلاميًا مثلما فعل غسان.

نعم.. إن أسئلة غسان اليوم فكريًا مختلفة عن تلك الأولى، وهي ترتبط بعناوين الصحة والتعليم والخدمات كما ترتبط بالعنوان الكفاحي والتحرري، وأيضًا قائمتها الاصطلاحية أكثر تعقيدًا، وإن كانت لا تقل جدية في انحيازها للجماهير وحقوقها ومعاناتها.