Menu

لأجل الحق في التعليم

خاص بوابة الهدف

في البداية هناك تحية واجبة ومباركة لكل تلك العقول والقلوب الشجاعة والمجتهدة، من شباب فلسطين الذين خاضوا محطة الثانوية العامة، ولذويهم الذين حملوهم على عاتقهم طيلة سنوات تعليمهم المدرسي وصولًا لتلك المرحلة، للأمهات وقلوبهن التي حرست هؤلاء الأبناء، وأوصلتهم لهذه المرحلة، رغم كل التعقيدات والصعوبات المالية والاقتصادية وما يلقيه العدو على رؤوس أهلنا في كل يوم.

أن نرجو مستقبل مشرق، للناجين من مقصلة الاحتلال وحواجز الفقر والعوز والإذلال والتجهيل، يعني أن نبصر هذه الحواجز، وندرك ما ينتظر هذا الجيل من خريجي الثانوية العامة في قادم الأيام، ولنبدأ بمحطة تعليمهم الجامعي، وتحديدًا قضية الرسوم الجامعية في ظل موجة الغلاء المستشري التي تضاعف أعباء الأسر وتجعل صمودها اليومي رحلة معاناة شاقة محفوفة بالمخاطر والآلام والصعوبات، والأخطر في هذا الجانب ما حدث من تسليع للتعليم في جامعاتنا، بما يعنيه ذلك من ضرب للمسؤولية الاجتماعية والوطنية للمؤسسات التعليمية؛ فالجامعات دورها تخريج أجيال جديدة بقدرات تخصصية ملائمة لاحتياجات هذه البلاد وشعبها، وتشكيل بيئة حامية للطلاب؛ تعمل على تعميم قيم العدالة والمساواة وغرسها، لا التعامل بكل نقيض لها.

إن الرسوم الدراسية قد باتت فاعلًا رئيسيًا في حرمان جزء أساسي من طلابنا من حقهم في التعليم، وفي جانب آخر ثقل يكسر ظهور ذويهم ويدفعهم نحو الفقر ومعاناة الضوائق الاجتماعية لأجل تعليم أبنائهم، أبناء فلسطين، ذلك في ظل تقويض لمنظومات الرعاية والضمان والمساندة للطالب بكافة أشكالها، فلا صندوق الطالب ولا المنح توزع بعدالة؛ هذا إن وجدت من الأساس، وأيضًا لا نوايا ولا خطط ولا قرارات للمعالجة مطروحة على الطاولة.

الحقيقة أن طلابنا لا يتوجهون للجامعات للتسجيل، ولكن أولًا للدوائر المالية في الجامعات لمعرفة مصيرهم وقدرتهم على الدراسة أم لا، ولا اعتبار في ذلك للقدرة الدراسية أو الكفاءة العلمية أو معدل الدرجات؛ المعيار هو المال، فمن معه المال بوسعه أن يدرس ما يشاء- غالبًا- إما بشكل مباشر أو بنظام التسجيل "الموازي"، الذي ابتدع خصيصًا ليتمكن الغني من دراسة تخصص لا تؤهله درجاته الدراسية للتسجيل فيه.

نعم لقد أبدع نظامنا التعليمي في إيجاد الحلول لمن معه المال، ولكنه يأنف حتى عن أي دراسة جدية لمقتضيات العدل المطلوب لتوفير حق الفقير في التعليم، مؤسسًا بذلك لمعادلة الإفقار والتجويع المستمر؛ فالغني سيحوز الشهادة العلمية ويزداد غنى، والفقير سيحرم مما يحتاج ويريد ويزداد فقرًا، أو يضطر للاقتطاع من قوت أخوته ليتمكن من التعليم أملًا أن يتمكن ذات يوم من العمل في وظيفة لائقة يساعد فيها أهله.

إن "الخطة" المالية للأسرة الفلسطينية متوسطة الحال أو الفقيرة، تحتاج لسلسلة من المعجزات كي تنجح في انقاذ مجموع أفراد الأسرة من المستقبل المظلم ومن التردي المعيشي مستقبلًا، ولا يمكن لأي خطة اعجازية مشابهة حتى أن تكفل لهم قدر من التطور الاجتماعي والمالي، فقط الحفاظ على وضعهم الحالي في السلم الاجتماعي الذي تتزايد الفوارق بين طبقاته ومكوناته.

إن المسؤولية عن مواجهة هذا التداعي الكارثي لقيمة ودور العملية التعليمية ليس منوطًا فقط بالطلبة وذويهم أو الحركة الطلابية التي يمزق الاحتلال والعدوان والتضييق الأمني والاعتقال السياسي والانقسام لحم كادراتها ويأكل مستقبلهم وأعمارهم، ولكن بالأساس على عاتق الفصائل والقوى الوطنية والمجتمعية والقطاع الخاص الذي يزداد ثراءً وتجبرًا ووقاحةً، وهنا السؤال لكل هذه المُركّبات لاعتبار أساسي هو سقوط السؤال على السلطات الحكومية من الحسابات، فلقد قررت هذه السلطات مبدأ الإفقار منذ قررت هذه الموازنات المزرية لقطاع التعليم وضخمت قطاعات الأمن وأحالت التوظيف والتعليم  لامتياز خاص بحواشيها، وما نأمله الآن فقط أن تثبت لنا أي جهة سلطة في هذا الوطن أننا على خطأ وأن بوسع كل طالب فلسطيني الوصول لحقه في التعليم، ليس بعد عام أو ٢٠ عام.. الآن وفي هذا العام الدراسي.