Menu

في خمسينيّة غسّان: المستقبلُ لن يرحمَ من لا روايةَ له!

مروان عبد العال

نشر في العدد 40 من مجلة الهدف الرقمية

روائيٌّ وكاتبٌ وعضوُ المكتب السياسي للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين/ لبنان

قد يتساءلُ المرء: لماذا نستعيدُ غسّان كنفاني؟ لم نتوقّف من استذكاره على مدار نصف قرن؟ الجواب بسيط. أورثنا رصيدًا هائلًا من إبداعاتٍ إشكالات؟"، شغلت بالنا طوالَ نصف قرن، نحتاجُ أن نستعيدَ أسئلته ونرجعَ إلى تفسير ما كتب، لنستقويَ به على عيوبنا ونواقصنا، ونستدرك الأسئلة التي طرحها، باذلين الجهد بقصد حلّها. ولنتذكّر أنّه في الزمن الحديث، خصوصًا، جرت في النهر مياهٌ كثيرةٌ جرفت الكثير من الأفكار والقيم والأنساق، معادلات تبدّلت إلى درجة الهزيمة، وغسّان كنفاني لا نزال نعيش على صداه حتّى الآن. ولكي نفهمَ الأمر جيّدًا، نضيءُ على بعضِ هذهِ السياقات الفكريّة والأدبيّة التي لم تفقده راهنيّته. حقًّا المبدعون لا يموتون.. فلنوضح ذلك.

القتال ضد التطبيع هو قتالٌ ضدّ احتلال العقل والإرادة؛ الجبهة التي قاتل عليها غسان كنفاني هي جبهة اختراق اللغة وصناعة وعيٍ جديد! والتسرّب إلى المجتمع بوسائل ذكيّة، يتمُّ تمريرها في الصورة واللوغو في تكرار مفردات اللغة في تشويه الذاكرة وتخريب الثقافة، توكيل العدو في إعادة صياغة التاريخ، ومساعدته في صياغة مناهج التعليم لشطب كلّ ما يشير إلى الاحتلال، بل عليك أن تقلع عن رواية الماضي، ومعها ذكريات البلاد وحكايا الأجداد، وأحلام العودة. نلتقط عبقريّة غسّان على سبيل المثال في نموذجين أدبيّين لهما قيمة استشرافية عالية:

الأول: رجال في الشمس المتمرّد والمقاوم

لغة كتابة متمرّدة على السائد تطرح أسئلة الأكثريّة، ولكن بعيدًا عن مركزيتها السلطويّة، المستندة إلى إبداع آليات وأساليب وتقنيات جديدة ليست مسقطة أو مترجمة من خارج السياق، إنما من تعقيدات الحياة وظروف الناس وإشكاليّات الواقع. كما في روايته (رجال في الشمس: 1963) قائلًا: «في رجال في الشمس دعوتُ بصوتٍ شديدِ العلوِّ إلى المقاومة والعنف». (مجلة مواقف، عدد9، ص142)، إنّها رواية تقوم على المقاومة التي تهدفُ إلى الصراع الطويل مع المحتلّ.

»لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ لماذا وفجأة بدأت الصحراء كلها تردد الصدى: لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟». القرع يرمز إلى المقاومة لرفض الاستسلام!

إنّ هذا السؤال ذاته ينطوي على ممارسةٍ ذهنيّةٍ تعيد القارئ إلى التأمّل: هل رغب الرجال الثلاثة في الموت؟ ولماذا لم يحالوا النجاة؟ هل حاولوا ولم يسمعهم أحد، إنهم عجزوا حتّى عن المحاولة وماتوا صامتين؟ والنتيجة أن الاستسلام يعني الموت! أم أنها صورة اخترعها غسان في سبيل إيقاظ الذات بضرورة مواجهة العدو، ومقاومته! رفض الدونية الأدبية استكانة الضحية أمام الجلاد.

الثاني: أدب الوعي ضد التفاهة

سردية العائد الى حيفا التي تدل على السمو والارتقاء إلى الحافة أو الحد الأقصى من التجربة، حتى تصل إلى سباقٍ مع ما هو مفترض:

»لقد فتحوا الحدود فور أن أنهوا الاحتلال فجأة وفورًا، لم يحدث ذلك في أي حربٍ في التاريخ، أتعرفين الشيء الفاجع الذي حدث في نيسان 1948، والآن، بعد لماذا؟ لسواد عينك وعيني؟ لا. ذلك جزءٌ من الحرب. إنهم يقولون لنا: تفضلوا انظروا كيف أنّنا أحسن منكم وأكثر رقيًّا. عليكم أن تقبلوا أن تكونوا خدمًا لنا، معجبين بنا.. ولكن رأيت بنفسك: لم يتغيّر شيءٌ.. كان بوسعنا أن نجعلها أحسن بكثير«.

فبين موقف صفيّة المندفع غريزيًّا تجاه الوطن والابن بغض النظر عن الطريقة التي تؤدي إلى العودة، وبين موقف سعيد س. الغاضب من عودة تأتي بشروط العدو والخضوع لمنطقه وإملاءاته، يسجل الإرباك الذي أحدثته هزيمة حزيران (النكسة) في المجتمع العربي حيث علت أصوات تدعو إلى تغيير الخطاب المتصلب من إسرائيل، تنبأ بولادة التطبيع، المستند الى ثقافة الهزيمة..

البعد الفكري لأدب التطبيع:

نؤكّد دائمًا واليوم وفي خمسينية غسان كنفاني أن المستقبل لن يرحم من لا رواية له! نكتب كي لا ننسى، وهكذا أيضًا تكتب الصحف العبرية، قرأت أنّ مؤسّسة المحرقة في القدس تتلقى سنويًّا 200 كتاب مذكرات شخصيّة ليهودٍ عايشوا المحرقة. إذن، فالصراع محتدمٌ بين روايتين، أصيلة ودخيلة، متجذّرة ومخترعة، حقيقيّة ومزيّفة، العلاقة بينهما نفي النفي، فالاعترافُ بالرواية الصهيونيّة حُكمًا يتأسّس عليه إلغاء الرواية العربيّة.

كذلك جوهر الصراع يدور بين النصّ والخطاب والرواية، السيطرة على المعنى والفحوى والحقّ والحقيقة. هنا تمامًا يأخذ الصراع في معركة التطبيع بعده الحاسم. ترويجٌ أدبيٌّ وثقافيٌّ وفنيٌّ وإعلاميٌّ وسياسيٌّ جديد، له سيقاتُهُ ومرجعيّاتُهُ الفكريّةُ من خلال فذلكاتٍ وفبركاتٍ وتخرّصاتٍ تنضحُ فيه وسائلُ الإعلام والتواصل:

أدب التحرّر من التحرّر الوطني!

تطالب بمراجعةٍ نقديّةٍ لتجارب حركات التحرّر الوطني، ودعوتها بالتحرّر من حركات التحرّر الوطني، من فكر وثقافة التحرر الوطني واعتبارها مجرد أوهام وخرافات وشعارات ووصفها أنّها خزعبلات. تمهيد يتمّ المطالبة بفصل فوهة القلم عن فوهة البندقية، وحقيقته شيطنة أو تشويه أو نكران مرحلة تحرّرٍ وطنيٍّ والقفز عن مهمّاته والاندماج بالبنى الاستعماريّة والمشاريع الاحتلاليّة، لاختراق العقل وتكوين فهمٍ جديدٍ لحركة تحرّر وطني، عبرَ تغيّر مفهوم الاحتلال من العدوّ الخارجي إلى العدوّ الداخلي، تغيّر معها مفهوم العدو ومفهوم التحرر الوطني أيضًا، وبدلت التناقض الرئيسي بالدعوة للخلاص من الاحتلال الداخلي الذي هي السلطة المحليّة قبل الخلاص من الاحتلال الصهيونيّ والإمبرياليّ الخارجي.

أدب ما بعد المقاومة أو ما بعد الاستعمار

العداء لأدب المقاومة، باعتباره "أدبًا خشبيًّا"! وقد أكل الدهر عليه وشرب، تمهيدًا لفسح الطريق لتمرير موسم ثقافات التطبيع والسقوط والهزيمة وامتهان الكرامة، تجويف الأدب المقاوم من التزامه وتعبيره عن هُويّته وقضيّته، تمهيدًا لاختراق العقول باللغة العائمة والمائعة، والبدء بالترويج لبضاعة "أدب ما بعد المقاومة"، وأين المقاومة حتى نكتب لها أدبًا؟، ولا معنى لـ "أدب المقاومة"! دون "المقاومة". وبدأ التنظير لمرحلة "ما بعد الاستعمار" التي أسست لفكرة ما بعد الحداثة، مع سيلٍ من الأسئلة الفلسفيّة التي تحاول تفكيك الايديولوجيات المسيطرة، لذلك لا بدّ من تنويهٍ عندما يُستخدم مصطلح "أدب ما بعد الاستعمار": علينا الانتباه للقصد من استخدامه، أحداهما يعني بأن الاستعمار قد انتهى، ويقدم أطروحةً جديدةً حول "الاستعماريّة الحديثة"، تلك التي تتقن فنّ السيطرة على التقنيات، والوقت والفضاء، والتصنيفات والمعاني. في مواجهة أولئك الذين يؤكّدون أنّه "قد رحل الاستعمار" لذلك علينا التفكير بأدب ما بعد استعماري أو حداثي! يكشف عن نفسه بطرقٍ تختلفُ عن الماضي، من خلال أشكال سيطرةٍ غير مباشرةٍ مثل اختراق الثقافات واحتلال الوعي والعقل والإرادة، وعوضًا عن استهداف الأشكال المباشرة.

لماذا اغتيل غسان كنفاني بالذات؟

هكذا يحضرنا غسان كنفاني، ومعه إبداعاته وأفكاره وأبطاله وسرديّاته ونصوصه وأدبيّاته ودراساته، ولكنّما سبب اختياره لماذا غسّان كنفاني؟ الجواب لأنّه قاتل على جبهة الزمن، سينتصر من يربح الزمن، المقصود قتل الراوي كي ننسى الرواية، وقتل الإضافة المحتملة والخطر الكامن في استشراف المستقبل والسيطرة عليه.

الهدف هو قتل الإبداع، لينتصرَ الفراغ والتفاهة، وليهبط مستوى القرار. وهندسة الطريق للعبور نحو مشروعٍ آخر، نقيض لغسّان كنفاني، نقيض للروية ومضاد للثوريّة المتجدّدة، وبديل لصورة المثقّف الدينامو العضويّ الملتزم والمقاوم. لأن الأدب الملتزم بحد ذاته ثورة حقيقيّة.

سيظلّ يولد غسان كنفاني مع كلّ ملحمةٍ جديدةٍ كالتي قدمها الجيل الفلسطيني الرابع، في سيف المقاومة، حين قرر الشباب أن يلتحموا بوطنهم كاملًا، أن يحققوا نبوءة غسان كنفاني. جيل الاشتباك التاريخي الثوري المفتوح.

فعلًا، أن تكون مقاومًا معناه أن تُقدِّم طلب انتسابٍ إلى دمِ غسّان كنفاني.