عادت سلطات الاحتلال مجدداً إلى دمغ سبع مؤسسات فلسطينية بالإرهاب زوراً وبهتانا عندما أعلن وزير الحرب الصهيوني الخميس الماضي 18-8-2022، تصنيف بعض المؤسسات الحقوقية ك "منظمات إرهابية" بشكل نهائي، بعد لجوء القائد العسكري الإسرائيلي الاحتلالي للضفة الغربية، في الثالث من نوفمبر(تشرين ثاني) من العام الماضي إلى وصفها بأنه إرهابية، وأنها على صلة ب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ولم يثنها عن هذا القرار إدانة معظم المؤسسات الحقوقية والمدنية والثقافية والمجالس النيابية على مستوى العالم أجمع، بحكم أنها محمية من الإدارات الإمبريالية الأمريكية وتتصرف باستمرار أنها دولة فوق القانون، علماً أن الكيان الصهيوني لم يمتثل لمئات القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط صمت غربي حيال ازدواجية المعايير، حيث تطبق القرارات على العديد من دول العالم الثالث ومن ضمنها العديد من الدول العربية وفق الفصل السابع أو بدونه.
الجديد في الأمر بشأن المؤسسات الست، مضافاً إليها هذه المرة اتحاد لجان العمل الصحي أن قوات الاحتلال اقتحمتها وسرقت محتوياتها وأغلقتها بأبواب فولاذية، دون أن تقدم دليلاً واحداً على صلتها المباشرة بالمقاومة الفلسطينية، ضاربة عرض الحائط بكل الادانات والمناشدات.
وكانت المؤسسات السبع وهي (الحق، الضمير، ومركز بيسان للبحوث والانماء، اتحاد لجان العمل الزراعي، الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال – فلسطين، اتحاد لجان المرأة الفلسطينية، ومؤسسة لجان العمل الصحي) قد طالبت بالإلغاء الفوري لهذا القرار كونه غير قانوني ويفتقر للأدلة، ولم يخضع للمسار القانوني والقضائي العادل.
وما يجب الإشارة إليه هنا، أن الدور الوطني الذي تضطلع به هذه المؤسسات، منوط بعدة عوامل وشروط أبرزها:
1- أن تكون تطوعية تقوم على جيش من المتطوعين، بعيداً عن أية منافع خاصة وامتيازات فردية.
2- أن لا ترتبط بأي جهة دولية مانحة مشبوهة، وأن لا يخضع برنامجها لأية اشتراطات سياسية وغيرها.
3- أن تكون موازنتها شفافة من حيث المصروفات والإيرادات.
وتوفر هذه الشروط في المؤسسات السبع، هي التي دفعت العدو الصهيوني لإغلاقها وملاحقة أعضائها، كون العدو ينظر بعين الخطورة لوطنية واستقلالية هذه المؤسسات في تمويلها وقرارها وبرامجها وأنشطتها.
كما نعلم جيداً أن أطراف حكومة العدو، في ضوء السباق الانتخابي المبكر، بعد تبلور القوى الصهيونية التي تطرح نفسها كمرشحة للانتخابات، ومن ضمنها حزب الجنرالات وبقية أطراف اليمين من غير فريق الجنرالات، وحزب الليكود بزعامة نتنياهو، توظف مسألة إغلاق المؤسسات الحقوقية والمدنية الفلسطيني في قضية الانتخابات، تماماً كما توظف التوسع الاستيطاني، وكذلك دماء الفلسطينيين في عدوانها المستمر على قطاع غزة وعلى أبناء شعبنا في الضفة، حيث وصل عدد من استشهدوا على أيدي قوات الاحتلال في الضفة الغربية منذ بداية العام بعد استشهاد القائد إبراهيم النابلسي ورفاقه وشهيدي بلاطة وطوباس 123 شهيداً، في حين بلغ عدد الشهداء في قطاع غزة في العدوان الأخير 49 شهيداً.
لكن المخزي والمعيب أن لا تتصدى قوات الأمن الفلسطينية لقوات الاحتلال وهي تقتحم هذه المؤسسات الحقوقية المدنية المرخصة من قبل السلطة الفلسطينية، وأن تكتفي حكومة الدكتور اشتية لاحقاً بإدانة هذه الاقتحام، ومطالبة القائمين على هذه المؤسسات بالعودة إلى مزاولة عملهم فيها، متجاهلاً حقيقة أن القائمين عليها قاموا بإعادة فتحها دون إذن من الاحتلال ومن السلطة نفسها.
نعي جيداً أن التنسيق الأمني يفعل فعله حيال المقاومين والنشطاء الفلسطينيين، ونعي جيداً أن مقتضيات التنسيق الأمني المذل، تقضي بأن يتوارى رجال الأمن الفلسطينيين عن الأنظار عندما تقوم قوات الاحتلال باقتحام أي حي أو منزل من أحياء مدننا وقرانا ومخيماتنا، لتمكين جنود العدو من عمليات الاغتيال أو الاعتقال لنشطاء المقاومة الفلسطينية، من مختلف الفصائل أو من النشطاء الوطنيين الذي لا ينتمون لأي فصيل.
ونعي جيداً أن الكتائب التي شكلها الجنرال الأمريكي كيت دايتون والأدوات من مختلف الأجهزة الاستخبارية، تستأسد على شعبنا ونشطائه، وتقوم بسحل واعتقال الرجال والنساء على حد سواء، الذين يتمردون على عمليات القمع الممنهج، وفي الذاكرة عمليات الاعتقال والسحل التي تمت في رام الله، على خلفية الاحتجاجات المدنية على قتل الناشط "نزار بنات" بطريقة تكاد تقترب من طريقة قتل الأدوات الأمنية السعودية للمعارض السعودي جمال خاشقجي في مدينة اسطنبول.
لكن ما حصل يؤكد على عدة مسائل:
أولاً: أن سلطات الاحتلال على الصعيد الأمني تجاوزت التقسيمات المذلة للضفة في اتفاق " أوسلو 2" والتي حملت مسميات " أ ، ب ، ج" والتي اعتبرت ( أ) تحت السيطرة الفلسطينية و (ب) تحت السلطة الإدارية الفلسطينية والأمن الإسرائيلي و (ج) تحت السيطرة المطلقة للكيان الصهيوني وتتجاوز مساحتها 60 في المائة من مساحة الضفة الغربية، وباتت السيطرة الأمنية المطلقة للكيان الصهيوني على عموم مناطق الضفة.
ثانياً: رغم وجود السلطة ومؤسساتها، يزال الحاكم العسكري للضفة الغربية يتمتع بكامل صلاحياته في إصدار أومر الاعتقال والفصل في القضايا، ومن ضمنها مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية.
ثالثاً: أن السلطة الفلسطينية برهنت مجدداً أنها وكيل أمني للاحتلال، ليس في القضايا الأمنية المحضة، بل في القضايا التي يشتم منها علاقة أية مؤسسة من المؤسسات الفلسطينية بثقافة المقاومة، وكأنه يمكن عزل أي فلسطيني عن قضايا شعبه الوطنية والاجتماعية والاقتصادية.
لقد لفت انتباه المراقبين قول رئيس وزراء السلطة قوله: "أن هذا القرار والتصنيف غير قانوني " وحين سئل عن دور الأجهزة الأمنية إزاء عملية فتح المؤسسات، التي أغلقها جيش الاحتلال بالقوة، أجاب بطريقة مأساوية، لم يأتِ فيها على دور الأجهزة الأمنية بفتح المؤسسات وتوفير سبل الحماية لها، وكان رده: "روح أنت افتح المؤسسات"، "وأن السلطة لا تتعامل مع قرارات الاحتلال الخاصة بالمؤسسات، التي تعمل تحت مظلة القانون الفلسطيني".... فعلاً شر البلية ما يضحك، فطالما أنك تعترف بأن المؤسسات السبع تعمل تحت مظلة القانون الفلسطيني، فلماذا لم تبادر إلى حمايتها؟
وكان من الأجدر برئيس السلطة محمود عباس ، أن يصدر مرسوماً رئاسياً يلغي الأمر العسكري الإسرائيلي القاضي بإغلاق المؤسسات الحقوقية السبع، وأن لا يكتفي بالإدانة وبإجابات رئيس وزرائه محمد اشتية التي باتت محل تندر الشارع الفلسطيني.
في مواجهة هذه الهجمة على المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، لا بد من إدارة المسألة باقتدار على الصعيد الدولي، وعلى صعيد الرأي العام العالمي، وعلى صعيد المنظمات الحقوقية والإنسانية والإعلامية والثقافية والبرلمانية، على النحو الذي أدارته مختلف المؤسسات الفلسطينية والمؤسسات الدولية التي جرى التشبيك معها.
كما يتوجب البناء على حالة التضامن الأممي الكبير، مع ذات المؤسسات التي أغلقها الاحتلال الصهيوني العام الماضي، والذي تبدى في مواقف حقوقية دولية ونخص بالذكر مواقف " منظمة العفو الدولية، و"منظمة هيومن رايتس ووتش" ومركز حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إضافةً إلى مواقف العديد من دول العالم التي أدانت واستنكرت القرار الصهيوني.
وقد لفت انتباه المراقبين طروحات تحمل طابع التحدي على الصعيد الفلسطيني الداخلي قدمها عدد من النشطاء الفلسطينيين، وخاصةً ما طرحته الكاتبة الفلسطينية هند شريدة: "ضرورة تفعيل شعار طرح في أواخر تشرين الأول الماضي، يؤكد على تماسك المؤسسات الستة مع بعضها البعض، في مواجهة الصهيونية الفاشية من خلال رفع شعار #StandWithThe6 أو #ادعموا _المؤسسات الست". وهذا المقترح يقضي أن ترفع جميع المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية شعار التحدي بقولها: (هنا مقر المؤسسات السبع، وبإمكانها أن تزاول عملها ومهامها فيها، وليغلق الاحتلال جميع مؤسسات المجتمع الأهلية بأكملها، ولن ترهب هذه المؤسسات حركات الزعرنة والتهديد التي ينتهجها الاحتلال، بل ستستأنف عملها رغماً من الفاشية الصهيونية).

