معذرةً غسّان؛ في كلّ مرّةٍ تحلُّ فيها ذكرى استشهادك، تضعنا في حالة ارتباكٍ وحرج، ماذا نكتبُ عنك، بعد مرورِ خمسةِ عقود، كانت حافلةً بالتنقيبِ في زواياك، ولا تكفي للإحاطة بك، أكاديميّون، نقّاد، سياسيّون، شعراء، الكلُّ حاول أن يحظى بشرف الكتابة عنك والكشف عن بعض زواياك، أو كلّ زواياك، لكن الإحاطة بك تظلُّ عصيّةً على أفضل الكتّاب وأوسعهم ثقافة، ما هي هُويّتك الأساسيّة التي تحبّ، وكنت ترغب في أن تعكس شخصيّتك؟ هل أنت الصحفيّ اللامع؟ أم الروائيّ، والقاص، والمسرحيّ المبدع؟ هل أنت الفنان التشكيليّ الذي تُطرّز لوحاته نساء فلسطين، لتدخل كل بيت، حتى لو لم يكن سكّانه يعرفون صاحب اللوحة؟ هل أنت المناضل، والقائد السياسي في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، والمخلص لقضيّته؟ أم أنت مرآة شعبٍ تعرّض لمأساةٍ كنت وعائلتك بعضًا من ضحاياها والشهود عليها؟ أنت مفكّر أم فيلسوف، تخرج منه المقولات بعفوية، وكأنّها جنياتٌ عبقريّة، ونرددها نحن، دون أن نسأل عن مصدرها؟ غسّان المثقّف الشامل، كل هذا وأكثر، وفي زمنٍ قياسيّ.
كيف استطاع غسّان خلال عقدين من الزمان، بالكاد يكون الإنسان الطبيعيّ قد حظي خلالها بالنضج الكافي، أن يقدم كل هذا الإنتاج الأدبي والفكري والتاريخي والسياسي والصحفي والفني؟ وكم من المراجع والكتب والنشرات، تمكن من قراءتها حتى حظي بكل هذه الثروة الإنسانيّة الرائعة؟
عذرًا غسّان، إنّ أبناء جيلك من الرفاق والقرّاء لم يدركوا قيمتك قبل أن يتحوّل جسدك النحيل إلى شظايا. نعترف بأنّ العدوّ الصهيوني أدرك قيمتك، ومدى خطورتك على مخطّطاته الاستعماريّة، فبادر إلى اغتيالك، قبل أن يتفاقم خطرك على روايته ومخططاته، غير أنّك تفوقت على قاتليك، فما تركته من إرثٍ ما يزال حيًّا وسيظلُّ حيًّا متفاعلًا، حتى لو مرّ على استشهادك مئات السنين.. أنت جزءٌ أصيلٌ من منظومةٍ تنظيميّةٍ وكفاحيّةٍ حيّةٍ وقامةٍ من قامات شعبٍ حيّ لا يفقد بوصلته: فلسطين، وعليه لا ينسى أعلامه وأبطاله الحقيقيين الذين يشغلون صفحات مهمّة وواسعة من كتاب المجد.

