Menu

خمسون عامًا على استشهادِهِ.. المثقّفُ المشتبكُ غسّان كنفاني

محمد صوان

نشر هذا المقال في العدد 40 من مجلة الهدف الإلكترونية

أظهرَ الشهيدُ الباقي الأديب غسّان كنفاني بشكلٍ جليٍّ أنّ كتاباته ورواياته تقومُ على أهدافٍ استراتيجيّة، كما أظهر أن معرفته لا تنحصر في هُويّته الفلسطينيّة فقط، بل ترتبطُ أيضًا بتجربةٍ إنسانيّةٍ واسعةٍ تتّصلُ بظواهرَ متعدّدةٍ موجودةٍ في أماكن عدّة من العالم، وتشدُّ اهتمامَ المؤسّسات الثقافيّة والبحثيّة، مثل: الاقتلاع والتشريد والغربة واللجوء، التي تمسُّ الحياة الإنسانيّة والكرامة البشريّة، وليس لأنّ مجموعةً معيّنةً تعاني ويلاتها فحسب.

لقد قدّم الأديبُ غسّان موضوعاتٍ أساسيّةً في العلوم والسياسة والآداب، من الصعب تخيّلها لو أنّه تناولها من خلال تجليّاتها العينيّة الفلسطينيّة فقط، منقطعًا عن النظريّة العامة أو القيم الإنسانيّة الشاملة.. كما أظهر الشهيد غسان أن معرفته لا تنبع من منظورٍ ضيّقٍ للآخر، وإنّما من تفكيكٍ حسّاسٍ ومتفهّمٍ ومتأنٍّ لتكوين المنظومة المعرفيّة، وكيفيّة تسخيرها لمصالحَ عنصريّةٍ لا تخدم مبادئَ إنسانيّةً ساميةً تتّصلُ بالتحرّر والحريّة وتقرير المصير، وإنّما تخدم الكولونياليّة والعنصريّة والاستعباد ونزع الإنسانيّة عن كلّ من هو خارج "الحركة الصهيونيّة والعولمة المتوحشة" التي ترى نفسها أرقى من الآخرين وتحاول واهمةً الربطَ بين تفوقها التكنولوجي وتفوقها الحضاري..

لا جدال في أن رواياته الأدبية وأبحاثه السياسية كشفت عورات الفكر الصهيوني الذي كوّن معرفة فوقية زائفة تجاه العرب والفلسطينيين، وشرْعن احتلال فلسطين بجميع وسائل التضليل والتزييف والقوة الغاشمة المتاحة، وفي هذا السياق أوضح الأديب الحاضر غسان أن رؤيته النظرية الثاقبة غير متزمتة أو ملتزمة بقالب جامد ومحدد مسبقاً "لأن الوعي البشري في تطوّر وتغيّر دائم"، وبما أن التاريخ من صنيعة البشر، فإنه قابل للفهم بمصطلحات عقلانية وواقعية، وبالتالي مفتوح للإرادة الإنسانية، وقابل للتغيير لأنه من صنيعتها..

هذه التوضيحات المنهجية للشهيد غسان منحت كتاباته شرعية معرفية وثقافية لا يمكن لأي متنوّر أن يختلف معها أو يتغاضى عن أهميتها، لما فيها من عمق معرفي وإبداع ثقافي وعطاء إنساني.. فمن جهة اهتدى الشهيد كنفاني مبكراً لمقولة المفكر فرانز فانون التي تقول: "إن الحياد في علاقات القوة غير المتكافئة يؤدي دوراً لمصلحة القوي".. ومن جهة أخرى حرص على أن يبقى موقفه موقفاً إنسانياً يخضع لقيم إنسانية عامة يتم الحكم على الواقع المعاش من خلالها، ليس لأنها مسقطة أو مفروضة من إرادة إلهية، وإنما لأنها تعكس إرادة بشرية عامة تخدم مصالح إنسانية وتحررية شاملة.

يقول الشهيد الأديب المناضل والمفكر السياسي: "إن العمل الثقافي والجهد السياسي تحرري بطبيعته، وذلك بالإمكانيات والأدوات المنضوية فيه، وإذا لم نطوّر هذه الأدوات والوعي النظري من أجل ذلك، فإننا سنمضي حياتنا في معترك معرفي نحارب فيه من أجل مشروع يشرعن واقعاً منافياً ومناقضاً لحقنا الأساسي ليس في الثقافة والمعرفة فحسب، بل في التحرر من نير دهائها أيضاً"، وهذا لا ينطبق على ضرورة التعمق في فرضيات دراسة المشروع الصهيوني بوصفه مشروعاً كولونيالياً استيطانياً عنصرياً فحسب، بل أيضاً على الحاجة إلى عدم تحويل نموذج تحليلي ونقدي محدد إلى النموذج الوحيد القادر على فهم  الظاهرة  - حسب الأديب الراحل غسان – وبالتالي منحه نوعاً من القدس ية الميتافيزيقية التي لا تتماشى مع روح الوعي البشري المتغير والمتطور، مثلما أفصح العديد من مثقفي الفكر التحرري، وعلى رأسهم المفكر فرانز فانون، كما ينطبق على الحاجة إلى أن تكون الدراسات الثقافية والاجتماعية والإنسانية واعية لنفسها ولفرضياتها والتزاماتها المجتمعية والأخلاقية، وأن تكون انعكاساً للمفهوم الذي أوصى به الأديب الشهيد، أي وعي العلاقة التناحرية بين العلّة والمعلول.. وبالتالي النظر إليهما كنقيضين على المستوى الثقافي والأخلاقي على حد سواء.. وفي هذا السياق يدعونا الشهيد الأديب غسان إلى اليقظة الثقافية والاجتماعية قائلاً: "إن الأمر لا يتعلق بمتابعة شكل جديد من المعرفة المطلقة، بل بممارسة شكل محدد من اليقظة السياسية والطبقية.. وهو الشكل الذي يجب أن تتخذه هذه اليقظة في مساحة تكون فيها العقبات بداية، هي عقبات اجتماعية وطبقية وثقافية".

بعبارة أشمل، إن عملية تفكيك فرضيات وظواهر معينة كالتي نعالجها في هذا السياق، أي "إسرائيل" ومشروعها الكولونيالي العنصري المتجذر فيها على المستوى السياسي والديني والقومي الزائف، ينبغي أن تخضع لمقاييس مهمة يذكرنا بها المفكر الفرنسي جاك دريدا: "عدم الانجرار وراء نموذج جاهز لواقع شبيه بذلك الذي نصارعه ونفككه، وإنما إبقاء الباب الأخلاقي والإنساني للثقافة والمعرفة مفتوحاً على بناء مستقبل لا يستبدل فيه واقعاً بواقع آخر شبيه به".

نموذج الشهيد غسان ودريدا يكمّل أحدهما الآخر في محاولة ليست منهجية فحسب، بل ثقافية وأخلاقية تهدف إلى توفير أرضية لترسيخ الإنسانية في العالم، واستبدال ما نصارعه بنموذج يتجاوز خطاياه وأخطاءه وهمجيته.. ويسخّر العملية الثقافية والعلمية لخدمة واقع تعددي تشاركي متسامح وديمقراطي أكثر، فقط عند ذلك، أي عندما نتواصل مع مصالح اجتماعية وإنسانية عامة متجاوزين ضغوط الهوية العينية والحيثيات العنصرية، ونحرر الثقافة والمعرفة من أي نزعة كولونيالية تخضعها لاعتبارات الهيمنة والقوة، فقط عندها نؤكد ونحافظ على مشروع ثقافي تحرري وإنساني أكّده الشهيد غسان كنفاني في جميع رواياته الأدبية ومساهماته الثقافية والسياسية.

لقد علّمنا الشهيد الأديب والقائد السياسي غسان أن نموذج "إسرائيل اليهودية" هو الذي يحدد فرضية عنصريتها، وبالتالي النتائج المتعلقة ببحث تلك الظاهرة، وعدم التغاضي عن السياق التاريخي، ينبغي أن يكون محورياً في هذا السياق، إذ أن "إسرائيل" صنيعة مشروع استيطاني توسعي إحلالي في أرض عاش وما يزال فيها شعب آخر يناضل وما زال يناضل من أجل خلاصه الوطني وحقه في تقرير مصيره، وبأن إقامة "إسرائيل" هي العلة الأساسية حتى الآن التي تقف عائقاً أمام إنجاز هذا الحق، ومن هنا فإن الحديث عن "إسرائيل كنظام ديمقراطي"، مبني على قرارات الأغلبية التي بموجبها يتم تطبيق السياسات، كذبة كبيرة، ويعتم على حقيقة تاريخية مهمة، وبالتالي هنالك تساؤل كبير عن حق الأغلبية في أن تتخذ قرارات تتصل بمصير شعب آخر هو ضحية مباشرة لهذه السياسات، الأمر الذي يُفقد المشروع الصهيوني شرعيته الإجرائية والقيمية والأخلاقية على حد سواء.