(الهدف - فلسطين - السنة الأولى -العدد الرابع – تشرين أول 2001 –)
حينما فكرت بقول شيء مكتوب عن رفيق النضال الشهيد الرمز القائد أبي علي مصطفى جاشت عواطفي بحدة.. وتداعت خواطري وأفكاري بمواقف ومحطات مهمة في مخيلتي.. فلم أتذكر محطات مهمة في حياة ومسار أبي علي النضالية في حركة القوميين العرب وفي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فحسب، بل تذكرت تاريخ ونضال شعبنا الفلسطيني كله شهدائه.. قادته.. ورموز نضاله منذ مطلع القرن الماضي وحتى الآن.. تذكرت انتفاضاته وهباته.. تذكرت جمجوم.. والقسام.. عبد القادر الحسيني.. أبو جهاد.. أبو إياد.. وغسان.. وماجد وعياش والشقاقي وغيرهم كثر.
إنهم لوحة شرف واحدة.. كوكبة فرسان ترجلوا عن خيولهم في محطات مختلفة من تاريخ ونضال الشعب الفلسطيني.. ترجل "أبو علي" ليحرك أوجاع قلبي ونفسي وليضعني أمامها بحدة وقسوة.. فانبعثت في قلبي أسئلة كثيرة وكبيرة: لماذا فقدنا محمد الأسود (جيفارا)..؟ لماذا فقدنا غسان..؟ ولماذا فقدنا وديع..؟ لماذا فقدنا "أبو علي"..؟! لماذا فقدنا كل هؤلاء وأولئك الشهداء..؟
أسئلة كثيرة محملة بالألم والمشاعر.. إننا فقدنا هؤلاء، وفقدنا أولئك لأنهم أعطوا بدون حدود.. أعطوا فأجزلوا العطاء.. توحدوا مع الوطن فلم تعد تميزهم منه وعنه، إنهم مناضلون وقادة غير عاديين، أصبحوا رماحاً تقاتل وأرواحاً تحلق في سماء الوطن تطلق نيراناً على العدو، بالرصاصة والموقف المقاوم والكلمة الثورية.. إنهم يقاتلون بكل كيانهم، بكل أرواحهم لذلك فهم يخيفون العدو ويقضون مضاجعه، فيسرع لتصفية الحساب معهم عبر إسكاتهم إلى الأبد.
إن اليد الصهيونية الآثمة التي امتدت لهم، اعتقدت أنها بتصفية القادة والعقول الفلسطينية ستكون قادرة على إطفاء شعلة الثورة، وسلب ضميرها الحي واليقظ، هذا الضمير المقاوم والمنتفض والذي لا يساوم على موقف.. أو مبدأ.. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالأرض.. نعم بالأرض أو الوطن.. إن طيور الظلام القاتلة - طائرات الأباتشي- الأمريكية الصنع والتي استهدفت الشهيد "أبو علي"، قصدت قتل كل هذا وذاك مما يمثله "أبو علي". لقد كتب على روحه فلسطين، وكتب بالدم لفلسطين.. حلم بالقضية فتوحد معها وفيها.. إن الفاشية الصهيونية الجديدة المنفلتة من عقالها بقيادة مجرم الحرب شارون استهدفت باغتيال القائد الوطني الرمز أبي علي، اغتيال عنفوان الإرادة الثورية والثقة بالمستقبل.. هدفت لاغتيال الحلم النبيل بالغد.. واغتيال الموقف الصادق والكلمة الصادقة الشفافة والساطعة سطوع الشمس في وطننا الحبيب فلسطين.
منذ عرفت "أبو علي" في بداية الخمسينيات وحتى ترجله قائداً شهيداً، جرت في النهر مياه كثيرة، ومررنا في الثورة والجبهة بلحظات حاسمة وصعبة.. بل يمكن القول، صعبة جداً.. وكنا أمام تحديات كبيرة وحقيقية.. وتطلب الأمر منا مواجهة قضايا ومواقف قاسية والدخول في تجارب مريرة وتاريخية عديدة.. في هذه وتلك كان "أبو علي" حاضراً بقوة بجسده وروحه، بفكره، بمواقفه وقناعاته، سواء في المواجهة العسكرية مع "إسرائيل" أو في المعتركات المختلفة التي مررنا فيها في الأردن، ولبنان، أو في موضوعات أخرى كما الوحدة العربية، الوحدة الوطنية أو في الديمقراطية داخل الجبهة وخارجها.. أو في فهم طبيعة العدو، أو في قراءة صورة العلاقات والتحالفات العربية والعالمية.. نعم كان "أبو علي" القائد حاضراً في كل ذلك.
عن "أبو علي" الشاب ابن السابعة عشرة والذي التقيته في عيادتنا المشتركة وديع وأنا.. حين كان يطبع منشوراً لتوزيعه باسم حركة القوميين العرب، هو نفسه "أبو علي" الشهيد بعدما يزيد عن خمسين عاماً من حيث أنه جم الاحترام.. مُقل الكلام.. لا يتحدث إلا في أشياء أساسية ومهمة، وهو لم يكن غير ذلك في محطات أخرى في حياته، فحينما اعتقل وكان عمره قرابة عشرين عاماً، خلال الضربة التي وجهت إلى حركة القوميين العرب في الأردن آنذاك، فرض نفسه واحترامه ودوره داخل معتقل الجفر إلى جانب الرفيق الشهيد وديع حداد والذي كان من بين المعتقلين.. وأمضى "أبو علي" حوالي خمس سنوات في معتقل الجفر الصحراوي، خرج منها أكثر قوة ومعرفة وثقافة..
إن "أبو علي" قد تملك خصائص ومواصفات القائد السياسي والعسكري مبكراً، وعندما فكرت حركة القوميين العرب بالتصدي للموضوع الفلسطيني، لجهة الإعداد للعمل العسكري في الستينيات، تقدم "أبو علي" الصفوف في هذا العنوان وكان العنصر الأساسي لهذا الإعداد.. فالقائد يتقدم بالحس السياسي.. ويعبر عنه بالموقف السياسي المستند إلى أساس ونهج علمي للتحليل.. مع معرفة عميقة للعدو.. وفهم مميز لحركة المجتمعات وقوانين الصراع المتحكمة فيها، إضافة لروحية فكرية جمعية مُقاوِمة للانغلاق، أو الانعزالية مع تزاوج بحس الشعب الشفاف والذي يجعل القائد قائداً وطنياً وديمقراطياً، وهذا ما كان عليه "أبو علي"، نذر حياته لقضية كبيرة، فتوحد مع الوطن والحياة، وجعل من موته انبعاثاً للوطن بآلاف الرفاق المناضلين والذين عادوا إلى الحزب الذي يحب وينتمي إليه دفاعاً عن الوطن وعن المشروع الوطني التقدمي الديمقراطي، والذي وقف على رأسه "أبو علي" مصطفى قائداً ومناضلاً.
إن المناضل الذي لا تحرقه معاناة شعبه وثقافة شعبه حرقاً يخترق قلبه وكل شريان من شرايينه حتى تصل إلى نبض الحياة في جسده فتحمله هموم الناس، مرحهم.. حزنهم.. قضاياهم الملحة وغير الملحة، لا يمكن أن يكون قائداً وقد كنت يا "أبو علي" قائداً، وزرعت جسدك أشجاراً على درب فلسطين الديمقراطية.. فلسطين الأمل والحرية.. فكنت وأنت حي شهيداً مع وقف التنفيذ وقررت حينما جاءتك الفرصة العودة للوطن، أن تقبل التحدي وأن تبرهن على أن المناضل الحقيقي يستطيع أن يقهر المستحيل.
إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قادرة على الانبعاث من جديد لتأخذ دورها الريادي والطبيعي في مسيرة الشعب الفلسطيني، هذا الدور الذي كانته في مراحل وأطوار مختلفة من نضال وتاريخ الشعب الفلسطيني.. وكان لك ما أردت، وقد قدمت أمثولة المناضل والقائد حينما عمقت مقولة الفيلسوف ميكافيللي "إن النبي المسلح هو فقط الذي ينتصر.. أما الأنبياء العُزل السلاح، فيعلقون على المصالب".
نعم يا "أبو علي" جعلت من نفسك وقوداً.. بل زيتاً أبديا خالداً يشتعل بتوهج في بوتقة النضال الوطني الفلسطيني.. فليس هناك شيء أشرف من العبور فوق جسر الموت إلى الحياة التي تهدف إلى إحياء الآخرين، وإعطاء الشعب قوة إضافية للانتصار وترسيخ القيم والمثل بما يعمق قدرة الثورة والانتفاضة على الاستمرار والبقاء.
حينما سيُكّتب تاريخ فلسطين بعد الانتصار.. ستكون يا "أبو علي" من الرجال.. الرجال الذين صنعوا ملحمة حية للشعب الفلسطيني، إن يَكُن فكراً أو رجالاً وبنادق، قد وحدت بين سلاح الكلمة وكلام السلاح.. إنك الوحدوي الروح والهوى، فهمت الوحدة العربية وجدل الوطني والقومي.. والوحدة الوطنية.. وحاربت كل من وقعوا في أسر القُطرية.. والانغلاق.. فكنت فارساً يقاتل في مواجهة فلسفة "يا وحدنا" التي جرت الوبال والمصائب على شعبنا وأوصلتنا إلى ما نحن فيه، من وضع صعب بسبب اتفاقيات أوسلو.
كنت صادقاً وأميناً لمبادئ وأفكار مشروعنا الوطني التقدمي الديمقراطي، فأنت التقدمي بالموقف والرؤية، والإنساني غير المحدود.. لذا كنت قائداً وطنياً فلسطينياً بامتياز وجدارة زرعت وطننا، حباً، وأشجار رمان، وزيّنت بواباته بأغصان الزيتون والغار.
"أبو علي" يا أيها الصديق والرفيق القائد، ترجلت، نعم، ولكن هذا ليس هو الرحيل الأخير، بل استراحة محارب في ظل زيتونة هرمة في جبال رام الله الغالية.. لأن من يولّد الأفكار.. والرجال ويزرع البنادق في روابي الوطن، ويتركها حية تتفاعل تتجدد في كل يوم، ينبعث فينا وفي الوطن كل يوم.. بل كل ساعة.
إن نسور فلسطين الآن ونسور الجبهة الشعبية وعشاق حريتها وصناع كرامتها، وسكان أعالي قمم جبالها الشامخة يحيطون بك يا "أبو علي" ويعرفون إنهم بحياتهم حاولوا انتزاع الوطن من المجهول والذي وضعته فيه صكوك أوسلو، وفي مماتهم يطالبوننا، بأن لا نهدر كرامة الوطن، كرامة فلسطين، مع عدو فاشي وهمجي لأن الصراع معه صراع وجود لا حدود، نعم سنجعل من الوطن قبلتنا التي لا نحيد عنها نضالاً وصلاة حتى تحقيق كامل الأهداف التي قدمتم حياتكم قرباناً من أجلها.. فلسطين حرة، عربية، تقدمية، وديمقراطية.
تحية إلى كل شهداء فلسطين.. تحية إلى الشهيد القائد والرمز الوطني- أبي علي مصطفى - قائد مضى ولم يركع، وقد زُرعت أشلاؤه أشجاراً على درب فلسطين.. تموت وقوفاً ولا تركع.

