قدمت الجبهة الشعبية في خطابها ضمن مهرجان التأبين للشهيد أبو علي مصطفى ؛ توصيفًا لم يخلُ من النقد الحاد للوضع الفلسطيني وأداء مختلف أطرافه، لم يقتصر فيه تحميل المسؤوليات على تلك القوى في مواقع السلطة، ولكن طال أيضًا المجموع الحزبي والفصائلي ولم يخلو من نقد ذاتي وإشارة لواجبات الجبهة ذاتها، ولا شك أن هذا هو المنتظر؛ نظرًا للكلمة ولمناسبتها.
لسنوات يتراوح الخطاب الفلسطيني بين ذلك التمجيد للذات ولكل إنجاز تحققه، وبين الانهيار المعنوي وخطاب بكائي على الواقع ليقفز لهاوية الاستسلام أمام العدوان وخسارة إرادة النضال وأمل المقاومة، وسواء جاء خطاب الجبهة مناسبًا لآمال ورغبة الكثيرين أو مجافيًا لها؛ فمن المؤكد أنه كان خارج هذه الثنائية؛ مذكرًا بالدور المنوط بالحزب والفصيل المقاتل لأجل التحرير وأيضًا لأجل العدالة الاجتماعية في خندق القتال ومعسكر الصامدين في وجه العدوان.
تمسكت الجبهة في خطابها وبرنامجها السياسي المقر من قبل مؤتمرها العام الأخير بأمل الانتصار، ولكنها أيضًا قدمت مكاشفة حول القصور الكبير ونقاط العجز والفشل؛ مشيرة لمعضلات حقيقية تعيق النضال الوطني وتستنزف الصمود الشعبي. ففي جانب تمسكها بالمقاومة كانت الدعوة واضحة لتطوير أشكال هذه الممارسة، والتأكيد على خطورة الإخفاق الكبير في إيجاد جسم نضالي موحد في كل ساحات الاشتباك، وتلك الصلة بين السياسات الاقتصادية وبين معركة التحرر الوطني، متعهدة بمواصلة المعارضة لهذه السياسات التي تستنزف صمود المواطنين وتحابي المسؤول على حساب المناضل وذوي الشهيد والأسير، وتكشف ظهر الشعب.
لم تختر الجبهة تموضعًا سياسيًا جديدًا، ولكن خطابها وبرنامجها جاء ليبرز تموضعها، ويضع خارطة طريق وطنية لمغادرة مربعات الشلل والاستنزاف والتعطيل؛ برنامج يُذكّر بواجباتها كما بقية القوى السياسية: أن تكون مع فلسطين وشعبها، مع خيار المقاومة بكافة أشكالها؛ متمسكة بما تحقق على هذا الطريق أيضًا بضرورة بتطوير هذا الخيار وأدواته، وبضرورة نقد ثغراته.
ولعل الأهم في هذا البرنامج وطنيًا، ذلك الوضوح في ثلاثة من أبعاده؛ التأكيد على واجبات ومهمات للقوى الوطنية بشأن المقاومة كخيار محسوم لمواجهة الاحتلال، ولكنه يحتاج للتطوير في أدواته، والتمسك بحق الشعب في السيادة على سياسته من خلال تمثيل وطني ديمقراطي يضع القرار السياسي في موضع الخضوع لإرادة هذا الشعب، والتمسك بحق الشعب في موارده سواء تلك التي ينهبها الاحتلال أو التي ينهبها الفساد والمتسلطين والسياسات الاقتصادية الرديئة والرديفة للعدوان.
في موقف الجبهة لم يكن هناك بيع للأوهام؛ فالحصار سيرفعه هذا الشعب وأصدقاؤه وأنصاره، وليس أي صفقة مع المحتل، ومنظمة التحرير ستعود لدورها بالنضال الشعبي الديمقراطي وليس بتوقيع مزيد من الاتفاقيات والتفاهمات، والمقاومة ستتطور وتحقق أهدافها بإدراك الأخطاء والثغرات كما الإنجازات، والسلطة بكل ما فيها ليست موضع طمع لهذا الخطاب؛ فموضعها فيه أن تنهض بدورها في توفير موارد الصمود لشعبنا لا أن تعتدي على موارده وحقه الديمقراطي أو تتحول لبديل عن مشروع التحرير وتقرير المصير.
نقول في ذكرى القائد الأمين على حق فلسطين ومقاومة شعبها الشهيد أبو علي مصطفى: أن استعادة عافية الطريق الوطني وزخمه ووضوحه؛ مهمة كل الوطنيين الأحرار وقواهم، ولا يمتلك حزب أو فصيل في هذا السبيل إلا الصراحة والوضوح والمكاشفة مع الجماهير، وجدية العمل والنضال والاستعداد للتضحية، ومد يده لكل رفاق الخندق؛ لنقاتل معًا ونصمد معًا وننتصر معًا؛ فشعبنا واحد، ودمنا واحد، وقضيتنا واحدة.

