«سمعنا بأحياءٍ يحيون الموتى على لسانِ السيّد المسيح، أمّا أن يقوم الموتى بإحياءِ الموتى فهذا لم نسمع به أبدًا»
رئيف خوري
إذا كان الوطنيُّ الفلسطينيُّ يعودُ إلى غسّان من باب الأدبِ المعبّر عن بؤس اللجوء وضرورة اليقظة، فإنّ هذا الفلسطينيّ يمكن أن يعود إلى غسّان من بابٍ آخرَ من أبوابه الكثيرة الأخرى ومن هذه الأبواب المقالة السياسيّة التي ترصد مسارًا وتؤرّخ حقبة، وتنقد نقصًا، وترفع صوتًا، وتوقظ ذاكرةَ مفكّرٍ وطنيٍّ لا يكتبُ عن السياسة بل يكتب السياسة، فيكتبها حين يمارسها، ويمارسها حين لحظة الكتابة، وفي الحالين يقاوم الخطأ.
أليس من المنطقي أن نعود إلى غسان كي نقرأ في مرآته وضع الفلسطيني الراهن: ممارسةً ولغةً وكتابةً وسلوكًا؟ أين هو الأديب المثقف الفلسطيني الآن، إن صحّت كلمة أديب الواهنة، الذي يستطيع أن يكتب مقالة سياسيّة تحلل الراهن بلا خطأ؟ ما عدد الأدباء الذين يعرفون معنى النثر ويبتعدون عن أسلوب لا يرتفع أبدًا لأنّه يجهل معنى الأسلوب؟ وأين هو الأديب الذي يكون قائدًا داخل الغرفة وخارجها؟
في جمال غسّان نقرأ راهنًا لا تقبله الصفات الحميدة.
السبب الثاني الذي يدفعنا إلى العودة إلى غسان هو راهنيّة تحليله السياسي، فكأنّ مقالة هذا الشهيد قد كتبت لتقرأ في الأمس ولتقرأ اليوم. كان يستنهض وما زلنا إلى الاستنهاض نحتاج، وكان يفكر صاحيًا وقد غادر صحو الفكر الكثير منا منذ زمن، وكان ينقد الخطأ حين كان الخطأ متحجبًا، والخطأ الآن سافر للعين، ويعلو فوق سطح الممارسات والتصريحات والأقوال والمواقف، حتى أصبحنا نظن أن الخـطأ ملازمًا لنـا وقـرين، رغم صمود الشعب وشجاعة المخيمات وهدير المظاهرات.
كان غسّان صاعدًا في زمن كنا نظن أن الصعود جوهره الأزلي حتى جاء زمن هبط عليه السقوط وأقام، وارتبك العقل كما الذاكرة. لكن الصعود، كما الهبوط، لا يفرضه الإنسان، ولا يلازم الأيّام فكما يصنع المقاتل الصعود، فإنّ مبذر القتال يصنع الهبوط، وتظل إرادة الإنسان قائمة تنتظر الصحيح، وتقاتل ضد الانتظار.
ويكون السبب الثالث، وهو سبب أساسي، وأعني بذلك، مرور عشرين عاماً على ولادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وكان غسان في موقع القرار فيها، حتى أصبح من الصعب على الذاكرة الوطنية أن ترى غسان ولا ترى اسمه، الذي ارتبط طويلاً باسم مجلة "الهدف" وباسم الجبهة الشعبية.
الجبهة الشعبية تنظيم له تاريخ، ويستمر تاريخه في الحاضر، ويكون فاعلاً ولا يكّون التنظيم تاريخه لأن له قيادة ومجلة ومسؤولاً إعلامياً، بل لأنه ساهم في تكوين التاريخ، أي أضاف للأحداث عنصراً جوهرياً غير من صيغتها ومسارها والجبهة الشعبية كانت ولا تزال عنصراً جوهرياً في المسار الوطني الفلسطيني، ترفض الخطأ وتحاول، في حدودها إقامة الصحيح، وقد تقاتل من أجل صحیح مطلق، فتصل إلى حدود الرومانسية.
عشرون عامًا تمر على ولادة صوت سياسي جديد في العمل الوطني الفلسطيني، يتمايز عن المُسيّطر، ويختلف عن التقليدي، ويوحد ولو بحدود بين النظر والعمل. ويردع إن استطاع، كل نهج لا يخدم القضية الوطنية ولنا أن نسأل: لماذا تستمر الجبهة الشعبية عشرين عاما وتظل فاعلة؟
تستمر الجبهة بسبب بسيط، هو أنها تستجيب بشكل فعـلي لطموحات جزء فعلي من الشعب الفلسطيني، يرى فيها الصوت المعبر عنه والمقاتل من أجله، ولا يتحدد هذا الجزء بالمعيار السكاني الغائم أو العددي المجرد بل يتحدد بموقف سياسي معين لهذا الجزء هدفه الأعلى الدفاع الصحيح عن القضية الوطنية العادلة، أي أن هذا الجزء لا يرى مصلحته في السياسة اليمينية أو في الفكر التلفيقي، إنما يراها في سياسة وطنية مسؤولة ترفع راية الوحدة الوطنية، وتقاتل كل من يريد أن يجعل الرمل أساساً لها.
وما كتبه غسان، كاتب المقالة السياسية بامتياز يعبر عن رأيه، وعن رأي الفلسطيني المقاتل عن وجوده وتميزه وصـوتـه السياسي وهويته الوطنية وحقه في العودة إلى وطنه وحقه أيضا بالدعوة إلى الثورة، أي كان غسان يعبر أيضاً عن مواقف الجبهة الشعبية.
لا نتحدث عن الفكر السياسي عند غسان كنفاني ، فحديث كهذا يبدو فيه الكثير من التكلف، بل نتحدث عن ممارسة غسان السياسية، عن الوعي بالوضع الفلسطيني، الذي قاده شيئاً فشيئاً من وصف الوضع إلى العمل المباشر على تعبيره، فكان وصول غسان إلى السياسة تتويجاً مباشرا لحس وطني تنامى دائماً، حتى انتقل من وضع الغريزة السليمة إلى مستوى الوعي الصحيح.
ليس من الغريب أن تجد مثقفاً يتحرك في دائرة السياسة والسياسيين، فالمثقف، كان دائماً، ينظر إلى عالم السياسي، كمنافس تارة أو كنقيض مطلق تارة أخرى، أو ينظر إليه بشكل ثالث قوامة الحسد وعرض الخدمات والامتنان والطاعة. لا يدخل المثقف (التقليدي) إلى عالم السياسة من باب الخيار الموضوعي، بقدر ما يدخل إليه من باب الخيار الذاتي، حيث لا يعمل مع السياسي بل عنده ولا يمارس الأمور من وجهة نظر سياسية بالمعنى المباشر للكلمة بل يجلس في دائرة السياسة أو مكاتبها ليكون تقنيا أو إدارياً أو مبرراً أيديولوجيًا يحتاج إليه رجل السياسة.
كان دخول غسان إلى عالم السياسة مختلفا، لأنه كان يمارس الكتابة، ومنذ مرحلة معينة في تطوره، كممارسة سياسية أو کممارسة لا معنى لها، إن لم تنتج أثراً سياسياً أو تسعى إلى بناء جديد في السياسة ولأنه كان يرى معنى الكتابة في وظيفتها التحويلية، في احتجاجها على وضع يجب تغييره. فقد كان طبيعيا أن يصل إلى احتراف السياسة وأن يفتش حالما بوضع جديد تختلط فيه الطليعة السياسية بالطليعة الثقافية وتتوحدان في عمل نبيل غايته تحويل الواقع.
في مساره من الغريزة السليمة إلى الوعي الصحيح وصل غسان إلى الجبهة الشعبية، وكان فيها المثقف والإعلامي ومحلل الأخبار والقائد السياسي، بحث عن الوضوح فوجده في الجبهة الشعبية، وأخذ بوضوحه وأعطاه إلى الجبهة الشعبية وفي حقيقة الأمر لم يكن غسان، وهو القومي العربي، الذي صعقته هزيمة حزيران فتبدل، يبحث عن تنظيم تغلقه وينغلق فيه، إنما كان يفتش عن درب يقضي به إلى فلسطين وكانت الجبهة هي الأداة، التي اعتقد أنها ستدفع بالثورة الفلسطينية إلى أبواب المواجهة والاختلاف والصمود والانتصار.
لا تصدر ضرورة التنظيم عن ذاته، هكذا يقول غسان، فما ضرورة التنظيم إلا فاعليته الحقيقية، وممارسته الطليعية التي تنظم شعبا، وتفرض خطا سياسيا، وتقاوم اعوجاجاً، وتبني منهجا، لكأنه وقد استند إلى تجربة التاريخ. كان يقول لا تقوم الحقيقة في الشعب، ولا تنبثق عن عدالة القضية ولا تولد من جيوب التاريخ، إذ إن الحقيقة لها صفات ومزايا لا دور للشعب إن لم يكن واعيا ومنظما، والعدالة بدون قوة تستثير الشفقـة والتـاريـخ لا يخلق نفسه بل تكُّـونـه القـوى المناضلة وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فإن الحقيقة لا تقوم في التنظيم إلا بقدر ما يكون هذا التنظيم قادرا على إنتاج معطيات جديدة، لم تكن قائمة قبل وجوده. فتوليد الجديد وزعزعة القديم هما المعيار الوحيد الذي يبرر ظهور تنظیم أو اندثاره.
غسان كنفاني نموذج كامـل للمثقف الوطني، في شروط التبعية والتخلف والمعاناة واللجوء هذا المثقف الذي يكّون وعيه السياسي الوطني في مراقبته للواقع اليومي المرفوض، ونضاله العملي ضد هذا الواقع، أي أنه يصل إلى الوعي الوطني من خلال مواجهته اليومية لواقع مرفوض، ولأن هذا الوعي أطلقته الممارسة، وأصبح جزءا عضويا من كيان إنساني تبدل وتحول من خلال ممارسته العملية، فإنه لا يعرف التراجع أو السقوط، بل يكون متطوراً ومتنامياً أبداً وقد وصل بعض المثقفين، وهم كثر، إلى عالم الوعي الوطني من خلال القراءة والكتب ودروس المطالعة، لكن هذا الوعي كان يظل دائما هشاً وسريع الارتباك وقابلاً للسقوط، وكان يسقط أحيانا بلا جزع أو كرامة، إذ أن تحوّل الوعي لا يستقيم إن لم يكن التحول قد مس الفكر والممارسة والعلاقات اليومية ومنظور الكتابة والقراءة.
لم يبدأ غسان بالقراءة والكتابة ليصل إلى ممارسة سياسية، إنما بدأ بممارسة اجتماعية شاملة تراكمت خلال سنين طويلة، كي تقوده شيئا فشيئاً إلى منظور جديد يبدل معنى القراءة والكتابة، ويحدد معنى السياسة، ويوحد بين الكاتب والسياسي.
اليومي والإنسان المقهور والمثقف اليومي
باليـومي بدأ وإلى اليـومي عاد وكانت دعوة التغيير عنوان عودته وما هو اليومي في ظروف الفلسطيني؟
ومن هو المثقف؟ وكيف يكتب؟ أم لماذا يكتب؟ وما معنى التحويل؟
ليس اليومي إلا هذا المسلسل الطويل من الهزائم والجرائم ورجال العسس والبلاغـة الكـاذبة ورجال الحدود والرمل الذي يجلل بالذهب إنسانا يساوي حفنة من رمل وليس يومي الفلسطيني إلا سياجاً من المؤامرات والمذابح العربية ومؤتمرات خيانة سافرة ومخيمات مهانة وبطاقات إعاشة وتنقل مرهون بإرادات مريضة وتنفس مشروط. الفلسطيني هو نقيض الذليل، وهو من يعتبر كل خائن أن وجوده زائد والفلسطيني للفاشي نقيض، وللحكام الخائفين من الموت والحياة نقيض، والفلسطيني مقاتل ضد الموت بامتياز.
حين دخل غسان السجن، بسبب كتابته عن الملوك، لم يرَ في السجن غرفة رطبة وحارسا بلا وجه ومصادرة للحرية، إنما فكرَ أولا عن دلالة السجن، وربطها أولا بدلالات الحرية والاستعباد.
يقول غسان:
لعلهم يحكمون علينا بالضجر فلست أجـد - هنا - عقاباً أشد قسوة من ذلك، ومع هذا فإنه عقاب غير رادع، فما هو السجن؟ يخيل إلى أن الأقدمين استخدموا السجن كوسيلة مؤقتة للاحتفاظ بأسراهم قبل سوقهم إلى الموت في الاحتفالات، أو قبل "اقناعهم" بقبول العبـوديـة، ولكن هل تراهـم استعملوا السجون كعقاب في حد ذاتها؟ لا أعتقد فالفكرة تبدو مضحكة (الهدف: العدد 128).
إذا كان الفلسطيني مضطهداً بامتياز، فإنه يشعر بمعاناة كل مضطهد، فلسطينياً كان أم غير فلسطيني. حين يرى غسان "أم سعد" يكتب ما تقول "أنني أسأل دائماً: هل أعطوا الثورة أم اخذوا منها؟ إنني أفعل ذلك فقط. إنني لا أتفاءل ولا أتشاءم، إنني أسأل، والذي يسأل، كما يقولون، لا يضيع ورفعت راحة يدها عن الكتاب، فبدا فجأة عارياً ومحايداً مثل قطعة أثاث في واجهة معرض ما ومضت تسير، عالية إلى الباب" (الهدف: العدد 135).
ما معنى الكتاب إن لم يكن أداة لدعم "أم سعد" أليست "أم سعد" في معاناتها اليومية وصوتها الوطني أكثر نيلاً وفاعلية من ملايين الكتب، وهل نبحث عن المكتبات، من أجل المكتبات؟ أم إننا نناضل من أجل تدمير كل كتاب لا يرفع صوت الحرية؟
حين يكتب غسان عن إنسان فقير أعمى وغني الكـرامـة يقـول:
وبالفعل بدا أنه لا يريد شيئاً، خصوصاً وأن البرنامج الذي ظهر فيه "يستعطف ذوي المشاعر الكـريمـة" لتلبية الرغبات الكسيحة، التي يظهرهـا المحرومون على الشاشة لتدغدغ غريزة اسكات الضمير لدى الأغنياء.. وهكذا استطاع ذلك الفقير الأعمى، عبر محجريه المغلقين على شاشة التلفزيون أن يفوّت على "الكرماء"، لذة الاستمتاع برشوة أنفسهم (الهدف: العدد 124).
من هذا اليومي المفروش بملايين البسطاء أخذ غسان خبرته وكون منظورة للعالم، لم يكن يرى اليوم كان جزءا منه، جزءاً من البسطاء الذين ينتقلون من بلد إلى اخر لاقتناص لقمة العيش وبهذا المعنى لم تكن كتابات غسان كنفاني تعكس شروط الحياة كما لو كان الكاتب مرآة متعالية على الحياة، أو كما لو كانت الكتابة روحاً مضمرة للجسد اليومي، بل كانت كتابة غسان جزءاً من الحياة، تكتب عن حوادث الإنسان وتستعير شكلها من المواد الاجتماعية المتناثرة والتي يعيد الكاتب ترتيبها.
الكتابة انعكاس أو منهج في الحياة؟
يكتب البعض عن الحياة ويقفون خارجها، ويعلنون أنهم يكتبون عن الحياة، وتكون البلاغة هي المتاع الذي يحاول هذا البعض أن يحجب به مفارقته الصارخة. إن زخرف اللغة هو الأداة التي يلجأ إليها الكاتب - الحاجب كي ينتج إيهاما بالحقيقة، عن الواقع الذي يكتب عنه، في حين أنه يكتب من واقع وهمي لا علاقة له بواقع الحقيقة. غسان كاتب مختلف لأنه يكتب ممارسته، إن لم يكن طموحة الأعلى تحويل الكتابة إلى ممارسة عملية، بالمعنى الدقيق للكلمة.
يقود سؤال الوهم والحقيقة إلى سؤال عتيد عن جوهر الكتابة. يقول البعض أن الكتابة اختصاصا وأن سؤالها الأول: كيف نكتب؟ يبدأ السؤال بالعامة والخاصة، والفرق بينهما، وبالكتابة كطقس أصوله الخلق والإبداع، لينتهي أخيراً إلى اعتبار الشكل هو مبرر الكتابة وضامن دلالتها، وهكذا يحل سؤال الكتابة في تاريخ الكتابة منخلعاً عن كل مرجع يومي، وتصبح الكتابة اختصاص نخبة تبحث عن تاريخ الأشكال الأدبية في تاريخ الكتابة.
يعيد غسان كنفاني طرح السؤال على طريقته، فيقول: لمن أكتب؟ وبما أنه يبدأ باليومي ويعود إليه، ويعتبر تغيير اليومي هدف الكتابة، فانه لا يتعلثم في الوصول إلى الإجابة: يكتب الكاتب عن الإنسان المُضطَهَد، كي يحرض المُضطَهَد على الحركة والتمرد، لا يعني هذا أن الكاتب الواقعي لا يعود إلى تاريخ الأدب والأشكال، إنما يعني فقط أن هذا الكاتب يعيد صياغة الأشكال القائمة والموروثة من وجهة نظر الطموح السياسي للإنسان المُضطَهَد، وهنا تصبح استراتيجية التغيير الشامل هي المرجع الذي يحدد معنى الشكل والوظيفة.
إن ممارسة الكتابة، من وجهة نظر التغيير الشامل لليومي المعاش، يطرح على الكاتب الوطني أن يفتش عن استراتيجية جديدة في الكتابة، تمس اللغة والأسلوب والشكل والموضوع والمضمون، أي إنه في بحثه عن فاعلية جديدة للكتابة يصل إلى جديد حقيقي في الممارسة الكتابية: لمن أكتب؟ بعد أن يفتش غسان عن هذه الإجابة الصعبة ويقترب من بعض حدودها، يصل إلى سؤاله: كيف أكتب؟ والسؤال هذا لا يتحدد إلا في علاقته بالسؤال الذي سبقه. إن كان الإنسان المُضطَهَد هو مرجع الكتابة، بالمعنى العام للكلمة، فإن هذا المرجع هو الذي يحدد أيضاً: كيفية الكتابة. بالتأكيد فإن الكتابة لا تبدأ بالمُضطَهَد وترجع إليه كما لو كان هو كفرد مرجع للكتابة، إذ أن علاقة المُضطَهَد بالكتابة هي ليست أكثر من البحث عن استراتيجية جديدة في الكتابة تُقرّب بين القراءة والمُضطَهَد، لأن الأنظمة القمعية كلها تقيم فراقاً بين الإنسان المُضطَهَد وعملية القراءة والكتابة.
تحويل الكتابة من أجل تحويل الإنسان المُضطَهَد والفلسطيني منه، وتحويل الأخير من أجل فعل شعبي يغير القائم، أي أن التحويل هو فعل سياسي، أو هو صراع، والسياسة هي الصراع وإدارة الصراع بين طرفين متناقضين أو مختلفين، وبهذا المعنى فإن غسان حين كان ينتقل من شكل كتابي إلى آخر، كان يمارس سياسة الكتابة، التي هي أحد عناصر المنظور السياسي الشامل الذي كان يأخذ به غسان ونفتش عنه، بدءاً بوجد حزين نشره في قصصه القصيرة وصولاً إلى دوره القيادي في الجبهة الشعبية.
لعل الإشكال الكبير الذي تطرحه أعمال غسان الأدبية، يقوم في طموح غسان المليء بالمفارقات والذي يقول، ولو بشـكـل مضمر: على الأدب أن يمتزج بالنظرية إلى حدود الاختلاط، أي أن يقدم حلولاً عملية لأسئلة نظرية، ومثل هذا الافتراض يتضمن تحويل الأدب تحويلاً يحمل معنى المفارقة، لأنه قد يؤدي في بعض الأحيان إلى إلغاء الأدب، أو إغراقه في عقلانية باترة، وبما أن غسان كان يبحث عن العملي فقد كان طبيعيا أن يُكثر من التحريض وأن يظل دائما في دائرة النقد ومدار الأداة العملية التي من المفترض أن تحقق النقد، وكان بذلك أيضا يفتح للكتابة الأدبية أفقا جديدا، رغم صعوبة السؤال.
المثقف والنقد الشامل
غسـان مثقف نقدي؛ بداهة لا تحتاج إلى تأكيد، فقد نقد الأنظمة العربية والبرجوازية الفلسطينية والفلسطيني الذي خرج من الوطن وسلبيات المقاومة، ومن يقرأ "الهدف"، يجد أن غسان كان ينتقد أحياناً التنظيم الذي ينتمي إليه الجبهة الشعبية، وبذلك كان يأخذ بمنهج النقد الموضوعي الشامل، الذي ينقد الآخرين، ولا يمنح الذات العصمة الخالدة.
ولكن ما معنى النقد عند غسان؟ ربما يعتقد البعض أن النقد يساوي الهجاء، التحطيـم، التسفيه، الإساءة، السلب.. لكن غسان كان يمارس النقد، كما يجب أن يكون: النقد قراءة موضوعية للعلاقات القائمة في الحاضر في صراعها، وللعلاقات القائمة في الماضي، في صراعها، علماً أن الماضي يستمر في الحاضر وإن أخذ فيه أشكالاً مختلفة، النقد هو إنتاج معرفة موضوعية تصلح لبناء عمل مفيد، أو هو معرفة موضوعية ضرورية من أجـل إنـتـاج حل ضروري لبعض المسائل القائمة، النقد إنتاج معرفة من ناحية والنقد لا يستقيم إن لم يستند على معرفة من ناحية ثانية، أي إن النقد هو إعادة التقييم المستمر للمعرفة القائمة.
المعرفة لماذا؟ لا يتم تصحيح المعرفة بالرجوع إلى تاريخ المعرفة، فما يصحح المعرفة هو القدرة على قراءة تطبيقاتها، والإشارة إلى أسباب انزياح التطبيق العملي عن مبادئه النظرية، أي إن تصحيح المعرفة يتم في حقل ممارساتها العملية، وماذا يفعل الفلسطيني بالمعرفة؟ يعرف بها الأسباب التي قادت إلى انتصار المشروع الصهيوني، ويتكئ عليها لاستكشاف السبل التي تقود إلى هزيمة المشروع الصهيوني. المعرفة التي يحتاج إليها الفلسطيني هي تلك التي تشرح له تاريخه كفلسطيني أو هي تلك التي تشرح أسباب هزيمة الفلسطيني المتكررة على الرغم من الشجاعة والصمود وبذل الروح وزرع المقابر بالشهداء.
من يقرأ كتابات غسان في أشكالها كلها، يجد النقد يتجلى في سلسلة من الأشكال: نقد العفوية والدعوة إلى التنظيم، نقد القدرية والدعوة إلى الفعل، نقد الفلسطيني الأعزل والدعوة إلى الكفاح المسلح، نقد المقاتل العفوي والدعوة إلى مقاتل واع، نقد ترجمة الماضي من وجهة نظر الحاضر ونقد الحاضر اعتماداً على دروس الماضي، نقد العدمية، والدعوة إلى الفعل المتفائل، نقد اللفظية الفارغة والدعوة إلى المنهج العقلي.. ونقد الأنا حين تقع في الخطأ واعتبار النقد الذاتي أساساً للفعل الصحيح وبهذا المعنى، فإن النقد لا يخضع للمناسبات أو الاعتبارات الذاتية أو إرضاء لطرف إداري أو غرور ذاتي مسكون بالمرض والعجرفة، إنما يكون النقد نقداً حين يأخذ المنهج الشامل ويكون جزءاً أساسياً في المنظور والرؤية والادراك والشرح والتحليل، والتي لم تعد تكتفي، او التي لم تكتف بالشكل الكلاسيكي للاستعمار والاستعمار الجديد بل خلقت شكلاً جديداً، يقوم على بناء كيان سياسي فوق أرض يتم تشريد أهلها، وبذلك يأخذ الاستعمار شكل الخلود ، أو هكذا يتوهم.
كان غسان ينتقد ويعرف أن النقد ضرورة، ولا يعتقد تماماً أن كل نقد صحيح سيجد بالضرورة تجسيده الفعلي، لذلك يقول بشيء من المرارة:
"وهل تنتهي كل هذه التحذيرات، مرة أخرى، إلى الإهمال.. كما انتهت كل التحذيرات التي سيقت علناً وبوضوح يكاد يكون وكأنه استباق حرفي للأحداث التي ما لبثت أن وقعت؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي القيمة الحقيقية لكل الفكر النقدي، والتحليلات والتحذيرات التي يسوقها العلم النضالي سلفاً" (الهدف: العدد 86).
ويتابع قوله ليتساءل عن الثوري الذي لم يتعود معنى النقد، والذي لن يكون ثورياً قط، إذا لم يكن ناقداً ويقبل كل نقد صحيح، يقول غسان:
"إن هذه التساؤلات مطروحة على وجه الأخص أمام أولئك الذين "يجرحهم" النقد، وكأنهم من الهشاشة بحيث تحطمهم كلمة مراجعة، ومع ذلك فقد أتضح أن التحذيرات التي كانت تعلنها الجبهة الشعبية مرة وراء أخرى، كانت في محلها تماماً، فحتى متى ستظل هذه الحساسية المفرطة، المبالغ بها، غير المبررة، هي ميزان العلاقات بين المنظمات الفدائية، وبينها وبين أصدقائها، وكأن المذبحة ودروس المذبحة أقل ايلاماً من النقد الرفاقي، والنقد الذاتي: هل تستطيع المقاومة أن تتجاوز ذاتها، وأن تعتبر النقد والنقد الذاتي جسرها إلى التجدد النضالي؟
إن ذلك يحتاج إلى جرأة تتجاوز الخطابية، وتتجاوز كل شؤون المظاهر، وتغرس في منطق المقاومة مبضع الثورة، فذلك وحده هو طريق المقاتلين للتفوق على أنفسهم" (الهدف: العدد 86).
التنظيم كسلاح عملي للنقد
لا يغير المثقف شيئاً إن لم يندرج في إطار نضالي جماعي، يستعمل فيه ثقافته ومعرفته بقدر ما يكبح فيه ذاتيته وفرديته، لأن العمل الثوري يقوم على وحدة العمل الجماعي، الذي لا مكان للذاتية المتفردة فيها ومن الطبيعي أن يكون غسان الحالم بالثورة، والمطالب أبداً بدور تاريخي للجماهير مقاتلاً من أجل تنظيم ثوري، ووجد في الجبهة الشعبية إطاراً تنظيمياً يمارس فيه فكره الوطني.
إن دعوة غسان إلى تنظيم ثوري لا تنفصل عن منظوره الوطني والمسؤول لدور الجماهير الفلسطينية، يقول غسان مشيراً إلى الشكل الذي يمكن أن نواجه به المؤامرة القديمة والمتجددة على القضية الفلسطينية:
"لا نستطيع أن نواجه هذه الحالة إلا من خلال عمل جماهيري، بالإضافة إلى قوة السلاح والمقاتلين، ما هي القوى التي يمكن أن تواجه هذا الاستنفار؟ الجماهير.. الجماهير العربية والفلسطينية، وبالتالي فإن دائرة التعبئة، وهذه هي النقطة الأساسية، لا يجوز أن تقتصر بعد اليوم على العمل العسكري، بل يجب أن تتسع عملية التعبئة في الدائرة الفلسطينية لنواجه هذا التآمر ونواجه هذا المعسكر من خلال عمل عسكري وسياسي يعبئ الشعب الفلسطيني والعرب في كافة الساحات التي تواجه فيها حركة المقاومة مثل هذا الخصم" (الهدف: العدد 86).
ويكثف هذا القول في معرض حديثه عن سقوط الأنظمة فيقول: "إن البديل الوحيد لقمة الأنظمة هو قمة الجماهير" (الهدف: العدد 22).
والتنظيم هو أداة تعبئة وتنظيم وقيادة الجماهير، إذ أنه، نظرياً، البوتقة التي يتفاعل فيها هذا "الكم الكبير" من الطاقات الإنسانية، ليتحول إلى كيف جديد يصنع الحياة، بقدر ما تصنعه الحياة، يقول غسان:
"نحن نقول: أمام هذا العدو لا بد من استنفار جماهيرنا الكثيفة، ولكن كلمة جماهير لا تعني شيئاً محدداً، لا بد من تنظيمها وتثقيفها وتعبئتها. إن الذي يقوم بمثل هذه المهمة هو الحزب، والحزب هو تعبير طبقي، فأي الطبقات هي التي لها مصلحة في التحرير؟ وهل هي ذاتها الطبقات التي تستطيع إنجازه؟ إن الرحلة طويلة، مفروشة بالتضحية والموت، فمن الذي يقود؟ من الذي يضمن لنا ألا تباع هذه التضحيات كما بيعت في عام 1936، وفي 1948، وربما سنقول في عام 1967؟ نحن نقول: الجماهير العربية برمتها هي صاحبة المصلحة في التحرير: الفلاحون الفقراء العمال، فقراء المدن، ونازحو المخيمات والبورجوازية الصغيرة، فمن الذي ينظم هؤلاء ويستنفرهم ويمضي بالمسيرة إلى الأمام؟ حزب الطبقة العاملة، هذا ما نقوله، وهنا يصبح المثال السوفياتي، والصيني، والكوري، والكوبي، والفيتنامي، مهماً ومرشداً، ولكنه في الوقت نفسه غير قابل للنسخ (الهدف: العدد 125).
إن الحزب في مفهوم غسان، كما هو الحال في منظور كل عقل سليم، هو اقتصاد الطاقة البشرية، وعدم إهدارها بشكل لا مسؤول، وإرسال الطاقة الإنسانية المبدعة إلى قناة صحيحة تنتج فعلاً ثورياً، أي أن الحزب هو مترجم النظرية، بقدر ما تكون النظرية هي ضابط الإيقاع في سياسة الحزب الثوري. لقد قاتل الشعب الفلسطيني بشجاعة نادرة خلال عقود طويلة من السنين، وكان هذا القتال يتبدد، بسبب غياب القوة السياسية، التي تربط بين مهمات الحاضر ومتطلبات المستقبل، وبسبب غياب الوعي العلمي الذي يحفظ استمرارية الفعل الثوري ولا يبدد دماء المقاتلين، أي أن الحزب الذي يقاتل من أجله غسان هو ذاك الذي يقطع مع كل ما هو تقليدي سواء كان ذلك في النظر أو العمل، يقول غسان:
"إن المرحلة الصعبة والحساسة التي تعيشها المقاومة الآن خصوصاً، والحركة الوطنية العربية عموماً، تجعل من إلقاء الكلام على عواهنه باسم "المراجعة" و "المحاكمات" و "الاستخلاصات" و "الاستيعابات"، مسألة تترتب عليها نتائج بالغة الخطورة، فالمقاومة ليست مختبراً نظرياً للسفسطائية الإصلاحية، بل هي كفاح في أرقى أشكاله، حيث يجري ترجمة المواقف النظرية، على التو إلى مقاتلين ورصاصات وشهداء.. وبالتالي لا مكان للارتجاليات التراجعية (الهدف: العدد 90).
إن كلمات: المختبر والسفسطائية وترجمة المواقف والمقاتلين والارتجال، تشير في علاقاتها المختلفة، إلى طموح غسان الأعلى وهو: الوعي الصحيح الذي يناضل بشكل صحيح من أجل قضية عادلة، ومن المفترض أن يكون الحزب الثوري هو حامل هذا الطموح والمقاتل من أجل هذه الحقيقة، خاصة أن دور الحزب الثوري هو استقطاب الطاقات الوطنية من ناحية، وخلق ميزان قوى سياسي جديد، يحاصر القوى المحافظة، ويقلص تأثيرها بين الجماهير.
الحزب توسط بين القاعدة الجماهيرية والطليعة السياسية التي تنظم طاقة الجماهير وتصوغ طموحاتها في برنامج سياسي، قابل للتحقيق على المدى البعيد ومفهوم الحزب لا يأخذ بمفهوم تقسيم العمل البرجوازي الذي يعطي القاعدة دور تنفيذ الأوامر وإنجاز المهمات العملية، ويعطي القيادة دور التفكير وصياغة القرارات، كما لو أن دور الحزب "الجديد" إعادة إنتاج علاقات القمع القائمة في كل مجتمع طبقي. إن دور الحزب كتوسط بين مستويين هو ليس أكثر من عملية تفاعل بين طرفين متكاملين، يكتشف أحدهما حقائق الواقع ويساهم في بناء قرار ويقوم الطرف الثاني بتنظيم هذا القرار، بناء على ممارسة سياسية وتجربة حياتية ومستوى من الوعي والانضباط والصمود.
المثقف الوطني داخل العمل الوطني
حين وصل غسان كنفاني إلى موقع القيادة والقرار في الجبهة الشعبية، لم يكن يبحث عن منصب شكلي أو لقب إداري، يضفي على ذاتية المثقف بعض الهيبة والوقار، إنما كان يدفع خياره الوطني – السياسي إلى حدوده العليا، مقتنعاً أن التنظيم الوطني يسمح له بأن يكون أكثر فاعلية في العمل الوطني، بقدر ما يساهم أيضاً في دعم وتطوير التنظيم الذي ينتمي إليه.
يحمل الانخراط في تنظيم معين دلالتين محددتين، أولهما، الدفاع عن موقف سياسي – أيديولوجي يعمل من أجل الدفاع عن القضية الوطنية وانتصارها. وثانياً، الصراع مع مواقف أخرى قائمة في داخل العمل الوطني، أي أن الاختلاف في جوهره صراع بين موقفين، علماً أن هذا الاختلاف لا يمنع أبداً ولا يعوق أبداً، وحدة جميع القوى الوطنية في النضال ضد العدو الأساسي.
ناضل غسان كنفاني من أجل إيضاح وتطوير ونشر مواقف الجبهة الشعبية في وجوهها كلها، بدءاً بتحديد طبيعة الصراع العربي – الصهيوني وصولاً إلى تبيان طبيعة الأنظمة العربية القائمة، التي تأخذ مهما كانت أقنعتها، باستراتيجية الاستسلام، وكان الأساسي عنده بناء استراتيجية وطنية فلسطينية قادرة على مواجهة الاستراتيجية الصهيونية، الأمر الذي يعني أن شكل ومضمون، وأهداف وممارسات الاستراتيجية الأولى تختلف كيفياً، وفي الوجوه كلها، عن الاستراتيجية الثانية، وأن كل اقتراب أو تقاطع في المنظور والممارسة بينهما يقود آلياً إلى تراجع أو انهيار الاستراتيجية الفلسطينية، يقول غسان:
"إن الانحراف الأساسي يبدأ في النقطة التي نتنازل فيها عن استراتيجيتنا التحريرية لحساب استراتيجية العدو. إن الخلاف هنا ليس على كمية هذا التنازل، ولكن على نوعية هذا الانتقال من "الصمود" و"التحرير" إلى الاستسلام لإرادة العدو" (الهدف: العدد 58).
كان غسان، في هذا القول، يرفع الوضوح إلى مرتبته العليا، ويمسك بالجوهري الذي إن ارتكب هدم المشروع الوطني الفلسطيني برمته والجوهري بسيط، بالغ البساطة وبالغ التعقيد أيضاً: إن كانت الصهيونية مشروعاً ظلامياً استعمارياً معادياً لكل ما له علاقة بالحرية والتحرر، ومرتبطاً بشكل عضوي بكل القوى الرجعية في العالم، فإن الثورة الفلسطينية لن تكون جديرة باسم الثورة، أو المقاومة، أو العمل الوطني، إن لم تكن تختلف كلياً في منظورها وممارساتها وأهدافها عن المشروع الصهيوني، اختلافاً يتجلى بعلاقتها بالإنسان وبنمط الفعل المقاتل ويستعلن في التحالف وفي العلاقات اليومية ومسائل الثقافة والكتابة وقضايا الديمقراطية اليومية. كان غسان يفتش عن الثورة في مواجهة الثورة المضادة وتكون فلسطين الثورة في مواجهة الصهيونية رمز الثورة المضادة الكامل. إن السير إلى فلسطين ليس أكثر من السير في طريق الثورة، وبدون طريق الثورة المتصاعدة لن تكون فلسطين أكثر من حلم كسيح أو صفقة سياسية أو أرضاً محتلة مصادرة إلى الأبد.
ويفتش غسان عن تميز الجبهة الشعبية كي تكون أداة فاعلة في تمييز العمل الوطني الفلسطيني برمته، ويناضل من أجل تحقيق التمايز الأول، ولهذا لا يقتصد في النقد، وقد يكون نقده ساخناً يترك في وجوه الآخرين الحروق والبثور وقد تمحورت كتابات غسان السياسية، وفي الإطار الفلسطيني، على نقاط ثلاثة أساسية هي:
لماذا المقاومة الفلسطينية؟ ما أهمية الوحدة الوطنية وطرق الوصول إليها؟ هل المطلوب ثورة فلسطينية أم كيان سياسي – إداري لا علاقة له بطموحات المقاومة؟
في محاولته على الإجابة عن السؤال الأول، يقول غسان:
"إن الأخطار الذاتية في العمل الفدائي مسألة يجب مواجهتها بوضوح وشجاعة، فبعد هزيمة حزيران طرحت شعارات سليمة، إلا أن عملية ملء هذه الشعارات قامت في أغلب الأحيان على العفوية، وفي الحقيقة لم يبذل حتى الآن جهد تنظيمي وتعبوي ونظري بالمستوى المطلوب.. إن عملية مضنية ينبغي أن تحدث لإجراء التحويل الثوري إلى أقصى مدى، وهذه العملية ينبغي أن تكون مبنية على خطة سياسية وتثقيفية وممارسات يومية تجعل من المقاتل عنصر التفاف جماهيري" (الهدف: العدد 86).
يؤكد غسان ضرورة التحويل الشامل للمقاتل الفلسطيني والقائد الفلسطيني، إذ إن هذا التحويل شرط الرؤية السياسية الصحيحة، وبدون هذا تكون الهزيمة هي الأفق المحتمل، يقول غسان:
"إن المقاومة لا تستطيع بأي صورة من الصور أن تخرج من مرحلة الانحسار التي تمر بها إلا إذا رفضت أسلوب المهادنة رفضاً كلياً، شرط أن تدرك خطورة قرار من هذا النوع ونتائجه الصعبة والخطرة، ولكن التي تقود في نهاية المطاف إلى النصر" (الهدف: العدد 83).
ويقول أيضا:
"إن سلاحنا الوحيد الذي نستطيع به خوض المعركة، ليس هو الكلاشينكوف أو الدوشكا، فذلك سيجعل منا جيشاً عربياً خامس عشر لا يختلف عن الجيوش الـ14 إلا بأنه أضعف من أكثرها ضعفاً، إن سلاحنا أمام العدو الهائل والقوي والمطلق التفوق، هو الجماهير، وبالطبع فإن هذه الجماهير ليست كلمة سحرية، وقوتها ليست في تراكمها الكمي، ولكن في التنظيم، أي الحزب، والحزب الجماهيري المقاتل هذا ليس جمعية خيرية، ولا نادي شعراء حماسيين، ولكنه الحزب المحكوم بفكر وبرنامج وقيادة القوى الأطول نفساً في المعركة، والأقل احتمالاً للسقوط في التعب عند الضربة الأولى أو الثانية والمنظم تنظيمياً حديدياً على ضوء ذلك البرنامج" (الهدف: العدد 97).
ما أراد أن يقوله غسان هو التالي: أن النضال الوطني لن يستمر إلا إذا كانت القوى القائدة فيه أو الأكثر تأثيراً، هي تلك التي تجمع في برنامجها بين الوعي العلمي الدقيق والتنظيم الجماهيري، البعيد عن العفوية وهذا يعني أن المقاومة، لن تكون ما أرادت أن تكونه، إلا إذا كانت مختلفة كيفياً عن أشكال العمل السياسي المسيطر في الواقع العربي لا يقوم السر في الشعار أو البندقية، بل في وعي من يردد الشعار وممارسة من يحمل البندقية، وإذا كانت الصهيونية هي التكيف الأعلى لكل خبرات قوى الظلام المتوارثة، فإن المقاومة، لن تكون مقاومة، وفي شروطها الصعبة، إلا إذا كانت تكثيفاً خلاقاً لكل التراث الثوري المعاصر.
الوحدة الوطنية شعار المثقف المسؤول
لم يكن شعار الوحدة الوطنية لصيقاً بغسان كنفاني كمثقف وطني، بل كان لصيقاً به أيضاً، من حيث هو قيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبذلك لم يكن غسان يعلن عن فكره الذاتي، بقدر ما كان يعكس فكر كل تنظيم وطني، وكان هذا التأكيد مرآة لوعي صحيح، إذ لا أفق للعمل الوطني الفلسطيني، بدون وحدة وطنية للقوى الفعلية، يقوم على برنامج واضح ومحدد يستجيب لدلالة النضال الوطني، وهذا ما يقود دائماً إلى التمييز بين الوحدة الفعلية، والوحدة الشكلية. لا معنى للوحدة الوطنية بدون ربطها بشكل دقيق بمعنى النضال الفلسطيني، من حيث هو نضال ضد كل ما هو رجعي واستعماري ومستبد وفاشي في هذا العالم.
يقول غسان:
"إن الجبهة الوطنية الفلسطينية أضحت الآن ضرورة أكثر منها في أي وقت مضى، ولكنها لن تكون جبهة فاعلة إن هي لم ترتكز على برنامج عمل واضح وعلاقات جبهوية منضبطة وعلى إتاحة مكان كاف لقيادة القوى المرتبطة بأكثر الجماهير فقراً، وببرنامج هذه الجماهير ومطامحها، أما إذا كانت هذ الجبهة، كالسابقات مجرد تراكم رقمي، فذلك لن يوصلنا إلى أي مكان" (الهدف: العدد 97).
ويقول أيضاً:
"إن طبيعة الأخطار التي تواجه المقاومة الفلسطينية.. تفرض على التو أن يكون المسعى، أي مسعى للوحدة الوطنية الفلسطينية قائماً على إدراك مشترك ومتفق عليه لمهمات الثورة الفلسطينية، وبالتالي، فإن أي حديث عن الوحدة الوطنية الفلسطينية يتجاهل معنى وجوهر تلك المهمات والتحديات كما تبرزها الأحداث اليومية الراهنة، لن يكون في أحسن الأحوال أكثر من الاندفاع، بعيون مغمضة، باتجاه حقل ألغام خطر" (الهدف: العدد 6).
ولا ينطلق غسان في حماسه للوحدة الوطنية من نية طيبة ساذجة، بل من الواقع الفلسطيني المعاش، الذي تنتشر فيه سلسلة من التنظيمات ذات الولاءات المختلفة والأفكار المختلفة، يقول غسان:
"إن التناقضات الجزئية القائمة، من ناحية أيديولوجية فيما بين التنظيمات الفدائية العاملة، يمكن ويجب تطويعها لخدمة التناقض الرئيسي القائم بين حركة التحرير الفلسطينية والعربية من جهة، وبين الحركة الاغتصابية الصهيونية كممثلة أصيلة للإمبريالية العالمية، من جهة أخرى" (الهدف: العدد4).
ويوغل غسان في تأكيد تعلقه بالوحدة، فيقول:
"وإدراك هذه الحقيقة يستدعي تغيير الكثير من أسلوب نظرتنا إلى قضية الوحدة الوطنية، فمثل هذه الوحدة ليست "تكتيكاً" مؤقتاً يسعى إليه التنظيم لمنافسة تنظيم آخر، أو لتحريض تنظيم ثالث، أو لتحقيق مكاسب إعلامية أو للتخلص من حالة حصار، ولكنها مسألة أكثر جدية وأكثر خطورة على المدى البعيد، خصوصاً إذا كان التوجه إليها نابعاً من قناعة عميقة بضرورتها التاريخية، وبقيمتها الثورية وبمنعاها المصيري" (الهدف: العدد 4).
ولا ينسى غسان وهو الداعي الملخص إلى الوحدة أن يعلن أن الوحدة المنشودة لا يمكن أن تتحقق في جو التوتر والبغضاء، كما أن هذه الوحدة لا تعني أبداً أن يذيب تنظيم معين هويته السياسية والأيديولوجية لصالح تنظيم آخر، فدفاع التنظيم الوطني عن الوحدة هو تأكيد لهويته الثورية وليس تمييعاً لها. أضف إلى ذلك أن الدعوة إلى الوحدة يقتضي الاعتراف المتبادل بوجود خلافات، وبأن هذه الخلافات نتاج طبيعي لاختلاف الموقف الأيديولوجي. إن الاعتراف بالاختلاف هو الشرط الأساسي لقيام الوحدة، إذ أن الدعوة إلى الوحدة لا معنى لها على الإطلاق، إن كان الاختلاف غائباً وكانت المواقف متطابقة.
وإضافة إلى موقف غسان من الوحدة، فإنه كان يجاهد من أجل توضيح الهدف الذي تقاتل من أجله المقاومة، وكان في هذا ينطلق من منطق واضح وبسيط، إذا كان الفلسطيني يقاتل من أجل استعادة أرضه المغتصبة، فإن قتاله هذا لا معنى له إن لم يحقق الهدف المقصود منه، وهو نقل الفلسطيني من حالة اللجوء إلى حالة المواطنة، ونقل فلسطين من حالة الاحتلال إلى حالة التحرر، وهذا ما كان يدفعه إلى رفض كل منطق يطالب بحل مشوه للقضية الوطنية، سواء تمثل في "فيدرالية" تعلن انتصار الملك أو في أي مشروع آخر يكون بمثابة جسر لفرض السيطرة الصهيونية على العالم العربي.
لقد أصبح الفلسطيني لاجئاً بسبب ميزان قوى معين فرض عليه اللجوء، وقامت المقاومة الفلسطينية لتغير ميزان القوى السابق، فنقلت الفلسطيني من وضع اللاجئ إلى وضع الفدائي، وبما أن الكيان الصهيوني قد قام بسبب وجود ميزان محدد، فإن إلغاء حالة اللجوء يتطلب كسر وهزيمة ميزان القوى التي قامت عليه "إسرائيل" ومعنى هذا أن كل ميزان يكون لصالح الكيان الصهيوني، وميزان القوى الراهن هو كذلك يمنع استقلال الفلسطيني ويجعل من كل "حل سياسي" أو تسوية مزعومة مجرد امتدادا آخر لحالة اللجوء، التي يعيشها الفلسطيني وهذا ما دفع غسان إلى رفض فكرة "الدولة الفلسطينية" ليس من موقع رفض الفكرة بصورة مطلقة، بل لأن الشروط الموضوعية والصحية لقوام هذه الدولة لم تتكون بعد، وقيامها في شروط التراجع هو انتصار مطلق للصهيونية والرجعية العربية – الإمبريالية العالمية.
الوعي المسؤول والموقف الوطني
حين شارك الوفد الفلسطيني في مؤتمر الرباط في كانون أول عام 1969، كتب غسان كنفاني مُقيّماً قصور الموقف الفلسطيني:
"وفي الواقع فإن الطرف المرشح بديهياً لطرح تصور شامل للمعركة ولأبعادها كان وفد منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن هذا الوفد أظهر قصوراً مذهلاً في هذا النطاق، إذ أن مذكرته المقتضبة للمؤتمرين، جاءت بعيدة كل البعد عن وضع صورة استراتيجية لمعركة شعب فلسطين وآفاقها واكتفت بالدعوة للبذل المالي الرسمي للمنظمة، وهي – في هذا المجال- أضافت إلى مذكرة الدول العربية الفضفاضة مذكرة فضفاضة جديدة" (الهدف: العدد 23).
كان غسان يعتقد أن الأنظمة العربية في سياساتها وجيوشها وشكل تعاملها مع الجماهير لا يمكن إلا أن تكرس العجز القائم وأن تدعم بالتالي وجود الكيان الصهيوني وتعمق جذوره، وبما أن الأمر كذلك، فإن المقاومة الفلسطينية لا معنى لوجودها إن لم تكن مختلفة في ممارساتها كلها، عن الأنظمة العربية وحين تقترب المقاومة من الأنظمة وتختلط بها تكون قد أضاعت هويتها، والهدف الذي تقاتل من أجله، أي فقدت المبرر التاريخي لقيامها.
مع ذلك، فإن نقد غسان للمقاومة كان باستمرار نقداً مسؤولاً لا يقترب من التحطيم ولا علاقة له بالعدمية ولا تربطه أية قرابة بأشكال النقد الرومانسية أو الذهنية، أو تلك القائمة على تأمل يطلقه مثقف معزول عن الواقع والفعل، وهذا ما كان يدفع غسان إلى مقاتلة بعض الأقلام، التي لم تكن تنقد المقاومة من موقع مسؤول بل ترجمها عن بعد، محاولة تسفيه العمل الوطني الفلسطيني، وقافزة باستخفاف وسخف وخفة بائسة فوق أنهار الدم الفلسطيني.
يقول غسان:
"إن موجة النقد الموجه الآن، وأحياناً بلا رحمة، لحركة المقاومة ينبغي ألا تخيفنا، فالثورات تشبه أحياناً الإنسان نفسه، إنه وهو في القمة يحاط بالدفء والدعم والتصفيق ويبدو مقدساً وبعيداً عن اللمس، وحين يتراجع إلى السفح يعاني من برودة الوحدة المؤلمة ويستمتع الآخرون بنقده وايذائه، وأحياناً يرون الصواب فيه خطأ، وليس هذا هو المهم، فالثوريون وحدهم هم القادرون على تجاوز فترات الصقيع نحو قمم لا حدود لها (الهدف: العدد 97).
يمارس غسان في هذه الكلمات ما تعود ان يمارسه كمثقف تحريضي بامتياز يرى اليوم والأخطاء التي تسكنه ويرى اليوم القادم الذي تخلقه الإرادة الحرة بعد أن تحررت من الأخطاء، ولهذا نقول من جديد إن غسان لا يعكس في كتاباته الواقع بل يساهم في صياغة الواقع، فيعتبر نفسه مسؤولاً بمعنى ما، عن الأخطاء، ومسؤولاً أيضاً عن تصحيح الأخطاء، والكتابة والحالة هذه عنصر داخلي في ممارسته اليومية، من حيث هي ممارسة ثورية تتكون وتتعدل كجزء من حركة الواقع، إضافة إلى هذا يكشف غسان عن الفرق والاختلاف القائمين بين المثقف الثوري، والمثقف المختص، والأول يسير مع الشعب، والثاني يعتبر نفسه، مختصاً، بأعراض الشعب وأمراضه، والأول يعتبر نفسه مسؤولاً عن مستقبل البشر، والثاني يعتبر نفسه مسؤولاً عن سلامة المفاهيم والأفكار، علماً أن هذا الأخير يشوه معنى الأفكار، لأنه يراها مستقلة عن حياة البشر وفي هذا الموقف أو ذاك، يكون غسان صورة الكاتب الباحث عن الحقيقة والمعرفة، وهذا ما جعله يصف كاتب آيسلندا، "هالدور لاكنس" بإعجاب كبير، ويعجب برواياته لأنها:
"مبنية بدقة، ويستطيع كاتبها أن يغوص عميقاً في النفس البشرية ويستكشف تعقيداتها ويسبر غور بؤس البشر ويعرضها على حقيقتها" (الهدف: العدد 128).
إن تجربة غسان اليومية والعميقة هي التي جعلته يعتبر نفسه مسؤولاً عن كل مضطهد وبائس وكان في موقفه يضاعف ما قاله بيتر فايس: الكاتب الحقيقي هو الذي يشعر أنه مسؤول عن بؤس كل إنسان في هذا العالم. وكان غسان يسحب موقفه هذا على المقاومة الفلسطينية، فيحارب كل ما يمكن أن يقودها إلى العثار، بما في ذلك التحليلات التي ظاهرها الحماس وجوهرها التسفيه، يقول غسان:
"إن تراجع المقاومة المؤقت، الذي نعيشه في هذه الفترة لا يعطي أحداً الحق في تحمليها مسؤولية مجمل الوضع الراهن الذي تعيشه الحركة الوطنية العربية، هذه التي كانت غائبة تقريباً حين كانت المقاومة تتلقى وحدها الضرب (بالعصي والسلاح أحياناً وبالورود والريحان أحياناً – ولكن كله ضرب) لمدة أربع سنوات على الأقل، بل يجب أن نعمل جميعاً للانطلاق إلى مرحلة جديدة من النضال في طريقنا إلى شن حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد لدحر العدو الصهيوني الإمبريالي الرجعي وبناء سلطة الشعب" (الهدف: العدد 125).
جدل الممارسة والوضوح
إن كان من الصعب معرفة أين تذهب الأفكار الصحيحة، فليس من الصعب معرفة من أين تجيء الأفكار الصحيحة، كيف تتكون وما هي العناصر المتعددة التي تساهم في صياغتها، وكتابات غسان مجال واسع للتأمل والحوار والمساءلة، إذ إننا لا نندهش من حجم المتابعة السياسية للأحداث الفلسطينية والعربية والعالمية، إنما نندهش أولاً من هذا الوضوح السافر الذي تتصف به كتابات غسان، والذي يجعلها راهنة باستمرار ليس المهم أن يكون غسان كاتباً سياسياً، فالكتابة السياسية حقل كل من يحترم الحقيقة ولكل من يحترف توزيع الأوهام والأكاذيب بل المهم أن يكون قادراً على تحليل العلاقات من وجوهها المتعددة، وأن يكتشف المحرك الأساسي لها، وأن يشير إلى النزوع العام الذي يحكم وضعاً معيناً، ولهذا فإن غسان لا يمارس الكتابة السياسية إلا بقدر ما يمارس الإيضاح السياسي والوضوح الفكري، ومقاتلة كل تزوير أو شعوذة أو إرباك للعقول.
كتب غسان في 17 حزيران عام 1972: "ذلك كان تاريخ رحلة الاستسلام لقد عودتنا الأنظمة العربية، في مجملها على أن تلحق بعضها بعضاً إلى محطات الاستسلام واحدة بعد الأخرى، وذلك بعد أن يتولى النظام الأردني بالذات عملية استكشاف المحطات الجديدة وتطويع الرأي العام بالتدريج" (الهدف: العدد 156).
في هذا القول يعطي غسان شيئاً قريباً إلى القانون العلمي الذي يصلح للأمس واليوم وغد، وهو بذلك لا يبدأ بتحليل الواقع السياسي معتمداً على معطيات النهار، بل يرجع إلى تاريخ يعرفه جيداً، يؤكد هذه المعطيات، أي أن غسان يعيش تاريخه من الداخل، وفي كل علاقاته، يدرك معنى تشكل المأساة الفلسطينية وتشكل الطريق المطلوب لتجاوز هذه المأساة. ويقول أيضاً: "ولذلك فإننا ينبغي أن ندرك دائماً بأن السياسة الإسرائيلية المستندة إلى مبدأ تقادم الأمر الواقع تتجه ببطء ولكن بإصرار إلى نوع من "التسوية" هو في الواقع استسلام كامل وشامل لآلة الحرب وآلة الاقتصاد الإسرائيليين. إن العلاج الوحيد لسياسة الأمر الواقع الإسرائيلية هو فقط، في تخريب هذا الأمر الواقع، في ضربه على مفاصله بقوة" (الهدف: العدد 156).
يأخذ الوضوح عند غسان مداه الكامل، فتصبح نتائج التحليل جملة من البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان، أو تغدو جملة من الحقائق الثابتة، التي إذا قفز الوطني الفلسطيني فوقها، شج رأسه، ويمكن أن نلاحظ بسهولة أن هذا الوضوح الذي يأخذ شكل البداهة، لا يصدر عن فكر مغلق، متشنج، متطرف.. وغيرها من الصفات التي يكررها "العقل المعتدل"، إنما يصدر عن وعي الفلسطيني الصحيح، بوصفه كفلسطيني يقاتل مؤامرة حقيقية ومستمرة. إن وضوح غسان كنفاني ليس أكثر من تحليله للقضية الوطنية الفلسطينية، كما هي، بدون زيادة أو نقصان، فالوضوح هو الموضوعية، هو الواقعية، ولذلك يمكن أن يبدو قول غسان "متطرفاً" عند داعية "الاعتدال" لسبب بسيط هو أن هذا "المعتدل" يطرح القضية الوطنية بعد أن يحذف منها شيئاً، أي يطرح القضية الوطنية بشكل لا وطني.
يمارس غسان في كتابته السياسية الواقعية، وهذه ليست موقفاً سياسياً – أيديولوجياً، وإن كانت تتضمن ذلك لأنها أولاً مقاربة عملية للواقع، تحدد معنى الوطن، والعدو، وتحالفات العدو، والتحالفات الضرورية لمواجهة العدو، وتدرس الإمكانيات الراهنة وتطويرها، وترجع إلى الماضي وتستخلص الدروس منه، وتعيش الحاضر، وتعرف ميزان القوى فيه، وتناضل من أجل ميزان قوى جديد، يخدم أهداف القضية الوطنية.
إن هذا الوضوح الفكري الذي هو مرآة الوعي الوطني، هو الذي يعطي كلمات غسان شكل الأحكام الصارمة، وبهذا المعنى، فإن الوضوح لا يصدر عن الفكر الوطني، إنما يصدر عن نضال الإنسان الوطني من أجل حل صحيح لقضيته الوطنية وهذا التحالف الذي لا انفكاك فيه، بين وعي الهوية الوطنية والنضال من أجلها، هو الذي يعطي كتابة غسان نبرة تربوية صارمة، ويخلق له أسلوباً خاصاً جوهره المقايسات العقلية والأحكام العقلانية... تساوي اللغة والفكر، إن كان الفكر ضائعاً أو ملتبساً أو مناوراً، جاءت اللغة ملتبسة ومختلطة الدلالات، وقد تهرب من التجديد بالاتكاء على بوح ساذج أو إنشائية عالية، أما إن كان الفكر واضحاً ومحدداً، فإن اللغة تتخفف من البوح والإنشاء، وتمارس الاقتصاد الدقيق الذي يعطي الفكر شكل القانون، وفكر غسان السياسي ينزع في وضوحه ورقته إلى لغة القانون العلمي.
الوضوح والحياة والبحث
وضوح غسان كنفاني الفكري مرآة لوعيه الوطني الواضح وانعكاس لهوية وطنية، تقاتل كل من يلقي عليها بالضباب أو يحاول أن يبتر منها جزءاً، لكن هذا الوضوح الذي يصل إلى حدود الإيمان المطلق لا يجعل من رؤية غسان للعالم رؤية إيمانية، فالموضوعية والإيمانية لا تتعايشان، مع ذلك فإن غسان كان يمارس إيمانه المطلق بعدالة القضية الفلسطينية ويمارس موضوعية عالية في رؤية هذه القضية وسبل الدفاع عنها. يقوم الإيمان المطلق في المبادئ الوطنية وتقوم الموضوعية في ممارسة هذه المبادئ والموضوعية تحتمل النسبي والمتحول والمباشر والاستراتيجي والمطلق لا يحتمل التغيير.
إن الايمان بفلسطين العربية كمطلق هو الذي جعل من غسان كاتباً ثورياً، ومقاتلاً لا يعرف المساومة وقيادياً محترفاً، كان يريد أن يكون الفعل والكلمة والنظرية السياسية والثقافة والقيادة، الواحد في الكل والكل في واحد والصحفي والأديب وعاشق الأشبال، إيمانية خلاقة تفجر كل إمكانيات الإنسان العظيمة وتوحد في إطار الممارسة بين إمكانية الإنسان المجردة وامكانيته الفعلية حتى يصبح الفعلي هو الصورة العليا للمجرد.
مع هذا، فإن الممارسة الفعلية من أجل ترجمة هذه الإيمانية الخلاقة هي التي كسرت دلالات الإيمانية القديمة وجعلت العقل يتحرر من المبادئ الساذجة والقيم المنغلقة على ذاتها، لنقاء صياغته باستمرار، على ضوء التجارب/اليومي، ومن اليومي/التجربة، أدرك غسان معنى الموضوعية والموضوعي والواقعي والواقعية، فلم يكن يمارس السياسة في الفراغ بل كان يحاول أن يسد فراغاً سياسياً متوارثاً عن طريق شكل من العمل جديد، يوحد بين رومانسية الوطن وموضوعية العمل السياسي المتكئ على وعي صحيح.
كتب غسان:
"لقد كتب براتراند رسل قبل حوالي ربع قرن يقول "إن علم الطبيعة يقترب من المرحلة التي فيها الكمال"، وليس ثمة الآن ما هو أكثر غطرسة من مثل هذا الادعاء" (الهدف: العدد 124).
مهما كانت حدود معرفة غسان بفلسفة براتراند رسل، فإن ما أراد أن يقوله هو التالي: كلما تقدم المجتمع الإنساني أنتج حقائق جديدة تسائل وضع الحقائق التي سبقتها كي تبرهن أن بعض الحقائق كان ناقصاً أو كاذباً، في هذا الموقف كان غسان في تعامله مع الواقع ينكر كل إيمانية مطلقة ويدافع عن الجديد والتجدد، لكن الجديد أو التجدد لا يُعدل دائماً المبادئ المطلقة، فالاستبداد جريمة في كل العصور، والأفعى تلدغ في كل الأحوال والصهيونية استبداد أبداً، وفلسطين أرض الفلسطينيين العرب.
تلازم النسبية كل تصور موضوعي للعالم، ومرجع غسان كان الموضوعية والدفاع عن فلسطين ممارسة موضوعية، بل يمكن القول لا يمكن للعقل السليم المدافع عن الحقائق الموضوعية، إلا أن يكون مدافعاً عن القضية الفلسطينية، لأن الصهيونية مستبدة واستعمارية من وجهة نظر القانون الموضوعي أيضاً، أي أن الدفاع عن فلسطين استجابة للعقل الإنساني في شكله العقلاني.
في ممارسة غسان ما يضيء بشكل مدهش، العلاقة بين العملي الصحيح والنظري الصحيح، أو بشكل أدق العلاقة بين الممارسة السياسية التي تسعى إلى محاربة الاستبداد وإنتاج الوعي الفكري الصحيح استناداً إلى هذه الممارسات، ومما لا شك فيه أن هذا الانفتاح على اليومي في تفاصيله كلها، من حيث هو يومي أساسه الصراع، هو الذي كان يجعل الموقف الصحيح ملازماً للممارسة الصحيحة، لكان ممارسة غسان الحياتية، في وجوهها كلها، صورة لنظرية صحيحة مضمرة، يمكن للقارئ أن يلملم قوانينها شيئاً فشيئاً ويمنحها شكلها المكتوب.
حين حكم على غسان بالسجن في عام 1972 بتهمة الذم والقدح والإساءة إلى ملكين عربيين، كتب مقالاً بعنوان ".. ولو قدر لي أن أعيد كتابة المقال" قال فيه:
"أنني أطرح هذه الأسئلة على نفسي فيما يتعلق بحالة تقوم فيها الدولة بحبس صحافي أو كاتب، لأنه قال رأيه واعتبرت الدولة ذلك الرأي يشكل قدحاً وذماً لشخص ملك ما، بينما يعتبر الكاتب أن هذه التهمة بالذات تفقد المقال قيمته وتجعله بلا معنى، فالمقال ليس إلا نقداً لموقف سياسي، مسؤول عنه ذلك الملك، الذي هو بدوره نتيجة منطقية لبنية النظام الذي يجلس على قمته" (الهدف: العدد 128).
نلمح في هذه السطور عقلانية الكتابة عند غسان، ودور الكتابة أيضاً. إن الكتابة العاقلة لا تحفل بالأشخاص وبالألقاب والمراتب، بل تتوجه مباشرة إلى الشروط الاجتماعية التي أنتجت شخصاً له ممارسات معينة، وفي هذا التوجه تبحث الكتابة عن الآثار السياسية الصادرة عن هذه الممارسات، وكان غسان يبدأ بالقضية الوطنية وينتهي دائماً إلى وضع الملوك في هذه القضية ويسعى إلى طرد الملوك واستقبال البسطاء.
أمام تعقد القضية الفلسطينية والشروط التي تجعل من قضية عادلة حاملاً لكل أشكال الظلم والعسف والقمع والجور والاضطهاد، كان غسان يبحث واعياً عن السبيل اللاملكي لصناعة الثورة، وينتقل من قراءة التجربة الصينية إلى التجربة البلغارية، ومن حرب الغوار إلى حرب المدن، ومن نظريات التخلف إلى تجارب المقاومة الكونية، ومن يعود إلى "هدف" غسان يقرأ مأخوذاً ذلك "المناخ النفسي- الثقافي – الثوري" الذي يحكم المجلة من غلافها إلى صفحة "المفكرة" الأخيرة، انسجام غريب ومتابعة حريصة وأسلوب قوامه العقل والنار وأفكار تمتد من بيوت الصفيح التي تتمرد بالغريزة إلى سطور النظرية التي تدعو إلى عالم جديد، وقد تبدو المجلة مرآة لغسان وتحمل ناره، بينما يفيض غسان عن سطور المجلة وصفحاتها.
فلسطيني حتى الرمق النهائي والصباح الأخير ونهاية السطور ويفتش عن نار ونور في صفحات كل من كتب سطراً فوق هذه البسيطة، يدعو فيه إلى كرامة الإنسان وتقديس الأوطان، وفي هذا البحث عن الحقيقة، وفلسطين حقيقة كبرى، كان غسان يعثر على المعرفة وهو يفتش عن فلسطين، ويصبح أممياً وهو يدعو من أجل فلسطين، ويغدو واقعياً وعقلانياً وثورياً وموضوعياً وإشعال الثورة وهزيمة الأوهام وفرض الحق الفلسطيني كمبدأ مطلق يرفض النسبية.
كيف تكون فلسطينياً جيداً؟ هذا كان سؤال غسان الصريح والمضمر، والفلسطيني الجيد هو الذي لا يحب فلسطين، بل ذاك الذي يفتش عن الأسباب التي جعلت الفلسطيني لاجئاً والملوك خونة والصهيوني محتلاً والاستسلام راية ترفعها كل الأنظمة القمعية، هذا هو درس غسان الأساسي. وإذا كان سقراط يقول: اِعرف نفسك، ويعتبر هذا السؤال رأس المعرفة، فإن غسان كان يقول: لماذا أصبح الفلسطيني لاجئاً؟ ويعتبر السؤال هذا رأس المعرفة مع فرق بسيط، هو أن سقراط كان يعتبر التأمل الفلسفي طريقاً إلى المعرفة، بينما كان غسان الذي يتعلم من تجارب الشعوب، يعتبر أن رفض اللجوء والتمرد عليه هما السبيل إلى المعرفة، أي أنه كان يرى المعرفة والوضوح وفلسطين في أمر واحد ومحدد هو: الفلسفة العملية. وفي منهج الفلسفة العملية أو الثقافة العملية، كان غسان يقطع مع المثقف البرجوازي الذي يبحث عن فلسطين في الكتب والوثائق ويحول فلسطين إلى دراسة تاريخية أو مقالة صحفية، أو قصة قصيرة تأملية، أو قصيدة جوهرها الرمز القائم والصورة المجردة ولغة الغيوم. كان غسان يفتش عن الثورة والثورة تعريفاً، نفي لثقافة الاختصاص ومناهج الأكاديميين وقد نسأل هنا: ما هو علم الثورة؟ ومتى يساوي اتساع الثورة خصوبة الحياة؟ وهل من يجهل خصوبة الحياة يستطيع أن يقود ثورة؟ وكيف ينفتح الإنسان على الحياة كي يصل إلى أبواب الثورة؟
في هذه الأسئلة الممتدة والمعقدة والتي تشمل السياسة والاقتصاد والتنظيم والأسلوب والتاريخ كان يتكون غسان، يتوزع ويتشتت لا بحثاً عن معرفة شاملة بل بحثاً عن معرفة يتوسلها من يتوق إلى ثورة شاملة.
البحث عن الثورة والذات المتغيرة
يقول غسان:
"وأنني شخصياً أتكلم كماركسي لينين ي وشيوعي، وأؤمن نظرياً وعملياً بقيادة الطبقة العاملة للثورة الاشتراكية" (الهدف: العدد 36).
بالتأكيد ليس المهم هنا الصفة الأيديولوجية – السياسية التي يحدد بها غسان ذاته كمثقف وسياسي، بل إن الأساسي هو السؤال التالي: لماذا أصبح غسان شيوعيا؟ وما العلاقة بين "أرض البرتقال الحزين" ونظرية فائض القيمة؟ وما الذي يجعل غسان لا يقتصد في مديحه لامرأة فلسطينية كثيرة الكبرياء والدموع وسياسي روسي اسمه لينين؟
إن غسان لا يحب الدموع ولا تصله بـ "أدب الأحزان" الذي صاغه المنفلوطي أية صلة، كما أنه لا يتعامل مع الماركسية كـ "منهج في البحث الاجتماعي"، أو كـ "أفيون" يقطع به أوقات الفراغ، ولأنه كذلك فإن السبب الذي يربطه بـ"أم سعد" هو نفس السبب الذي يربطه بكتابات قائد الثورة الروسية، يرى في الأولى ملامح الإنسان الحالم بتحرير فلسطين، ويرى في الثاني الحـالم بتحرير الإنسان قاطبة، أي أن فلسطين كمشروع للحرية والتحرر، هي المرجع الوحيد الذي يحدد موقف غسان في الحياة والكتابة بهذا المعنى، فإن الأشخاص والنظريات والأفكار لا معنى لها، إلا فيما تمثله في علاقتها بالثورة الشاملة، وفلسطين جزء من هذه الثورة، أي أن النظرية أداة للعمل، وعلاقة في العمل، وأن الإنسان لا معنى له خارج دوره النبيل في تحقيق النظرية عملا أو إلغاء النظرية والعمل عن طريق تحقيق الثـورة، التي هي البـدء الحقيقي لتحرير فلسطين، في إطار الانفتاح المستمر على الدرب الذي يقود إلى الثورة. كان غسان يتخفف من كل إرث قديم سلبي، ليأخـذ بكـل جديد، يكون على مستوى الثورة ومستوى مواجهة المشروع الإمبريالي في القرن العشرين.
نحو رؤية ثورية للمستقبل
كان تطور غسان المستمر صورة لبحثه الذي لا ينقطع وفاعليته الصاعدة بلا تراجع وكان بحثه لا يغادر المحرق الأساسي الذي به يبدأ واليه يعود: كيف تواجه قوى الثورة العربية والفلسطينية المشروع الصهيوني؟ ومن أجل ذلك كان عليه أن يحدد الأطراف القائمة والمحددة للصراع وهي الصهيونية، الرجعية العربية، قوى الثورة العربية.
يتجدد الكيان الصهيوني بوظيفته والوظيفة هي: إنتاج وإعادة إنتاج الهيمنة الإمبريالية على العالم العربي، ومثل هذه الوظيفة تتطلب أن تكون إسرائيل مسلحة حتى الأسنان، ويساوي تسليحها تسليح الجيوش العربية مجتمعة، وتكون الكفاءة العلمية والتقنية والعسكرية متفوقة كيفياً على كفاءة العسكري العربي، في المجالات كلها.
لا تتحدد إسرائيل كدولة طبيعية بل كوظيفة سياسية قادمة دورها الاخضاع والهيمنة، أي إعادة إنتاج العلاقات في العالم العربي، عن طريق القوة، بحيث يصبح هذا الواقع قابلا للسيطرة الصهيونية والهيمنة الإمبريالية.
أما الأنظمة العربية فهي بسبب بنيتهـا عـاجـزة عضوياً عن مواجهة الكيان الصهيوني، لأن إعداد الشروط لمواجهة هذا الكيان يهدد مصالح هذه الأنظمة نفسها، لأن مواجهة الإمبريالية يعني إطلاق المبادرة الشعبية، وهذا ما لا ينسجم مع طبيعة الأنظمة، ينتج عن ذلك أن هذه الأنظمة لن تأخذ إلا بالحل البديل وهو قمع الحركة الشعبية إلى حدود التدمير الكامل، واللجوء إلى كل الأدوات الإعلامية والفكرية والبوليسية لإنهاء الإنسان العربي: كياناً وفكراً وعملاً.
إن منظور الأنظمة العربية إلى الصراع يجعلها تأخذ باستراتيجية واحدة هي: استراتيجية الاستسلام، والتي تعتبر أن إسرائيل أقل خطراً على الأنظمة من الحركة الشعبية، ومنطق كهذا يفرض تقارباً موضوعياً بين الأنظمة والكيان الصهيوني، أي يلغي شكل الصراع السياسي الكلاسيكي الذي حكم علاقة العالم العربي بإسرائيل، ويفرض شكلاً جديداً من الصراع، تقف فيه الحركة الشعبية في طرف وإسرائيل والأنظمة الرجعية في طرف آخر.
وبقدر ما كانت القوى الإمبريالية تتقدم في مشروعها المعادي للشعوب العربية، فتساهم في خلق الحرب الأهلية اللبنانية، إخراج المقاومة من بيروت، هندسة وبعث التيارات الظلامية، إشعال الحرب العراقية الإيرانية، تأجيج الصراع الإقليمي في المنطقة... كانت الأنظمة العربية التي كانت مهزومة في داخلها قبل قيام الهزيمة، تمارس كل ما من شأنه أن يزيد تبعيتها للإمبريالية، اقتصاداً وفكراً وسياسة، وتستخدم الخبرة الإمبريالية كلها في تدمير طاقات الشعب العربي.
إزاء هذا الواقع الجديد الذي تتحالف فيه موضوعياً الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني، كان غسان يكتب عن ضرورة توحيد الحركة الشعبية العربية والفلسطينية منها، من أجل خلق رد الفعل المطلوب ضد المشروع الصهيوني – الرجعي ومن أجل الانتقال فيما بعد إلى مرحلة الفعل والهجوم، وبذلك يكون المطلوب: الإعداد – الصمود اللذان يؤديان شيئاً فشيئاً إلى مرحلة النمو الثوري وتزايد الدور السياسي للجماهير الشعبية التي دمرت الأنظمة هويتها السياسية.
إن النضال ضد الكيان الصهيوني لا معنى له إن لم يكن نضالاً في ذات الوقت ضد الأنظمة الرجعية العربية، فبقدر ما يلعب الكيان المذكور دوراً في دعم هذه الأنظمة وتلعب هذه الأنظمة دوراً أساسياً في تأمين سلامة الكيان الصهيوني، لأن دور الأنظمة العربية هو أن تكون حائطاً متيناً يعزل بين الفعل الثوري الوطني وإسرائيل، فتكون الأنظمة حليفاً لإسرائيل بدلاً من أن تكون عدواً لها. وهكذا حققت حرب حزيران أهدافها بالشكل التالي: أعلنت هزيمة الأنظمة العربية، ثم أجبرت هذه الأنظمة أن تعلن رسمياً عن هزيمتها، ثم فرضت فكرة انتهاء مرحلة المواجهة العسكرية، لأنها برهنت أن الجيش الإسرائيلي لا يقهر، أو بشكل أدق أن الجيوش العربية الرسمية عاجزة عن قهر الجيش الإسرائيلي.
أمام هذا الوضوح يكون بديهياً أن يصبح هدف غسان الأعلى الدعوة إلى ثورة عربية شاملة، تتحرر فيها الجماهير، وتكتسح في طريقها الأنظمة العربية القائمة، لأن سقوط هذه الأنظمة هو سقوط وظيفة الكيان الصهيوني، أي مقدمة لسقوط الكيان الذي اغتصب فلسطين، ويمكن أن نرى ملامح الفكر السياسي عند غسان بما يتعلق بالثورة في التعليقات التالية:
- "فالتراجع الرسمي العربي، الذي لم يستوقف وسائل الإعلام العربية كثيراً لأسباب معروفة، هو في الواقع الذي جعل وسائل الإعلام الغربية، وكبار الساسة الغربيين، يلاحظون بارتياح الاستجابات العربية لمبادرات الحل السلمي، أنه غني عن القول أن هذه الاستجابات، هي باللغة الواقعية نزول عند الاشتراطات الإمبريالية" (الهدف: 20 آذار 1971 – العدد 92).
- "إن قائمة الاحتمالات المطروحة أمام الأنظمة ميالة الى احتمالات الاستسلام، أكثر مما هي ميالة إلى احتمالات القدرة على الاحتمال والتبـديـل ولو الجزئي، بميزان القوى لتحصيل شروط أفضل مقارنة مع الشروط الراهنة" (الهدف: 20 آذار 1971 – العدد 92).
- "إن أي دراسة موضوعية وعلمية التقدير تؤدي على الفور إلى الاقتناع بأنه لا بد من إجراء تعديل أساسي في طرق عمل المقاومة الفلسطينية، وهذا التعـديـل يتعلق بضرورة حسم مسألة التعرف على قوى العدو وطبيعته وأطرافه، وبالتالي على القوى القادرة على مواجهته" (الهدف: 24 نيسان 1971 – العدد 97).
- "تقوم الدول العـربيـة المحيطة بنشر جيـوشـهـا على الحدود انتظاراً ليوم الهجوم الذي كانت تعرف أنه لن يأتي خلال هذه الحقبة على الأقل، ولكنها لا تصارح الجماهير بذلك" (الهدف: 27 آذار 1971).
- "تجـاهـد الدول العربية الأخرى وخاصة البترولية بمالها وإذاعتها وخطب زعمائها حتى آخر فدائي على أرض المعركة!!" (الهدف: 27 آذار 1971).
- "إن المسالة الآن، وعلى ضوء ذلك كله، لا يمكن أن تكون مسألة وتكتيك تمارسه أنظمة ضد الطرف القـوي والمتفوق. عربية مهزومة ومفككة ومعزولة والمنتصر، فمثل هذا الاعتقاد هو اقتحام لا مبرر له لشعور بعظمة غير موجودة" (الهدف: 29 آب 1970 – العدد 57).
- " إن المسألة الأساسية الآن أمام المقاومة الفلسطينية هي القيام بتقدير علمي للموقف، والاستفادة إلى أقصى مدى من مجموع التناقضات القائمة بصورة أو بأخرى أو المحتدمة بمستوى أو بأخـر في معسكر الحل السلمي (إذا جاز التعبير)" (الهدف: 13 آذار 1971 – العدد 90).
- "إن المقاومة المسلحة لا تستطيع بأية صورة من الصور أن تخرج من مرحلة الانحسار إلا إذا رفضت أسلوب المهادنة رفضاً كلياً، شرط أن تدرك خطورة قرار من هذا النوع ونتائجه الصعبة والخطرة، ولكن التي تقود في النهاية نحو النصر.." (الهدف: 16 كانون الثاني 1971 – العدد 83).
- "فالحركة الصهيونية التي هي حركة استعمار إسكاني مرتبطة بالإمبريالية، تجد أنها مغبونة نوعاً، إذا ما حاولت الإمبريالية التي تعتبر الهيمنة الاقتصادية أكثر جدوى من المكاسب الجغرافية، إقناعها بعدم إمكانية تحقيق هذين الأمرين معاً" (الهدف: 30 آذار 1971 – العدد 93).
وتظل أفكار غسان درساً راهناً وواضحاً ودقيقاً لكل فلسطيني، يريد فعلاً أن يبرهن أن الفلسطيني يرفض الهزيمة والخيانة.
(مجلة الهدف: العدد الخاص "892"، 21/12/1987، ص148-161)

