Menu

العربُ في عالم "ما بعد الغرب"

حسن شاهين

نشر هذا المقال في العدد 41 من مجلة الهدف الإلكترونية

منذُ سنواتٍ يجري الحديثُ في الأوساط السياسيّة والأكاديميّة الغربيّة عن تحوّلٍ راديكاليٍّ يشهدُهُ النظامُ السياسيُّ الدوليّ، لا لتجاوز ما عُرف بنظام القطب الواحد الذي ساد لعقودٍ ثلاثةٍ ماضيةٍ تقريبًا فحسب، بل المركزيّةُ الغربيّةُ للنظام الدولي التي هيمنت على العالم لقرون، منذ العصر الحديث المبكّر في القرن الخامس عشر.

لسنواتٍ تردّد حديثٌ عن تآكل الهيمنة الأميركيّة - الغربيّة، تزامنًا مع الصعود السريع، اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا وعسكريًّا، لدول الاقتصاديات الناشئة وفي مقدّمتها الصين، وقدّمت شركة "برايز ووتر هاوس كوبر"، اختصار "E7" دلالةً على الاقتصادات الناشئة السبعة الأكبر التي تنبّأت بأنّها ستتجاوز الاقتصادات المتطوّرة السبعة الكبرى "G7" بحلول عام 2050.

الولاياتُ المتّحدةُ بدأت برسم سياساتٍ يمكن وصفها بالراديكاليّة لمواجهة التغيّر الحاصل في موازين القوى الدوليّة منذ عهد للرئيس باراك أوباما، حين أطلقت استراتيجيّة "التحوّل نحو آسيا"، وأخذت تقلّص نفقات انتشارها في الخارج لتركّز على النطاق الآسيوي المحيط بالصين. هذه الأخيرة لم تقف ساكنة، وبدأت تستعدّ لحرب تجارية طويلة الأمد مع أميركا والغرب، فأطلقت مشروعها الطموح "الحزام-الطريق" لتعزيز التعاون مع العالم خاصة غير الغربي، واتخذ الحزب الشيوعي الصيني في مؤتمره الثامن عشر عام 2017 قراراً بالتركيز على رفع الكفاءة والجودة حتى لو على حساب النمو الاقتصادي، وربط ذلك برفع مستوى معيشة المواطن الصيني ما يعزز قدرته الاستهلاكية ويقلل الاعتماد على التدفقات المالية الخارجية المتأتية من التصدير.

في مرحلةٍ لاحقةٍ انتقلت الولايات المتحدة إلى خطوات أكثر عدائية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، حيث فرضت عقوبات تجارية على الصين شملت عشرات الشركات الصينية، وعلمت على بناء تحالف يطوّق الصين سمي "الرباعي" (The Quad) يضم كل من أميركا واليابان والهند وأستراليا، ومارست ضغوطات على عدد من دول العالم لوقف التعاون مع الشركات الصينية في تقديم خدمات الجيل الخامس للإنترنت.

في خضم التوتر المتصاعد بين أميركا والصين، كان لافتاً أن الحرب الروسية على أوكرانيا اندلعت بعد أسبوع واحد من لقاء الرئيس الروسي بوتين بالصيني شي واتفاقهما على استراتيجية تعاون طويلة الأمد بين البلدين، وربما لم تكن روسيا لتقدم على هذه الخطوة لو لم تتلقَ ضوءاً أخضر من بكين.

هل تحاول الولايات المتحدة المحافظة على "نظام القطب الواحد"؟

من السلوك والسياسات التي اتبعتها منذ نهاية العقد الماضي يمكن استشفاف أن أميركا تدرك أنه ليس بإمكانها إيقاف أفول المركزية الغربية - فمن يريد الحفاظ على القطبية لا يقلص قواته في الخارج ويحد من تدخلاته الإقليمية - لكن يمكنها العمل على تشكيل مرحلة ما بعد الغرب بما يضمن عدم بروز مركزية شرقية بديلة.

لذلك ركزت جهودها على بناء تحالفات مع دول وقوى وازنة في أقاليم العالم المختلفة لتنظم خروجها المباشر من تلك الأقاليم، مع الحفاظ على مصالحها فيها إلى أقصى درجة ممكنة، وانتقلت في علاقتها بدول العالم الثالث الخاضعة لهيمنتها من التبعية إلى ما يشبه التحالف، وفق صيغة أقرب إلى بناء تفاهم منها إلى الإملاء.

النظام العربي بعد ارتخاء القبضة الأميركية

يبدو أن عالم متعدد الأقطاب يستهوي الأنظمة العربية بعد أن خذلها القطب الواحد (أميركا) في مواجهة انتفاضات الشعوب العربية، حينها رفعت الولايات المتحدة يدها عن الأنظمة المترنحة تحت ضغط الجماهير في الشارع، بل وأبدت استعداداً للتعاطي مع البديل الإسلامي. إن هذا الدرس المُر جعل عدداً من الدول العربية التي كانت تقليدياً تحت المظلة الأميركية، تبحث عن مظلة قوى أخرى في العالم.

وبالتأكيد ما كان ذلك ليحصل لولا تراجع فاعلية أدوات الهيمنة الأميركية المباشرة، فوجدت الأنظمة العربية نفسها قادرة لأول مرة على بناء علاقات، لا بل تحالفات خارج المجال الغربي، دون أن يصل ذلك إلى مستوى التناقض مع الولايات المتحدة؛ فأخذت تنفتح على الصين وروسيا تجارياً وعسكرياً، خاصة وأنها تتفق مع هاتين الدولتين على مبدأ عدم التدخل في الشأن الداخلي، فلا اشتراطات لدى الصين ولا روسيا حول شكل نظام الحكم، والحريات العامة، وحقوق الإنسان.

والملفت هنا أن المعسكرين المنقسمين في المنطقة، "الممانعة" و"الاعتدال"، أبديا حماسة لنشوء عالم متعدد الأقطاب ولصعود روسيا والصين أمام الغرب، الأول بشكل علني والثاني بشكل مبطن؛ رغم الاختلاف الظاهر بينهما خاصة فيما يخص العلاقة مع إسرائيل. بالتأكيد لكل طرف أسبابه في ذلك، لكن هذا ما كان ليحدث لو أن طبيعة الصراع بينهما تناحرية. على كلٍ قد نشهد تغيرات في المستقبل بعد إنجاز الاتفاق النووي الإيراني الجديد.

هل نظام متعدد الأقطاب في مصلحة الدول العربية؟

هناك مقولة تتردد بالأوساط السياسية الرسمية والحزبية والمستقلة العربية وكأنها بديهة، وهي أن نظام دولي متعدد الأقطاب أفضل بالضرورة من نظام القطب الواحد؛ ارتباطاً بالإرث السيء للهيمنة الغربية في نظر معظم القوى العربية غير الرسمية، أما بالنسبة للنظام الرسمي، فإن تعدد الأقطاب يتيح مجالاً أكبر للمناورة.

أعتقد أن هذه المقولة بحاجة لمناقشة ولا يجب التعاطي معها كمسلمة؛ فالسنوات الأخيرة شهدت تصدعاً لمنظومة الأمم المتحدة والقانون الدولي، ورأينا كيف أطاح ترامب بجملة من الاتفاقات الدولية وقواعد القانون الدولي في خطة إدارته التي سميت صفقة القرن دون أن يحرك أحد ساكناً، لا بل بمباركة بعض النظام الرسمي العربي، واليوم نشهد كيف يُقابل عدوان روسيا العسكري على بلد ذات سيادة (بغض النظر عن الموقف من نظامها) من معظم دول العالم غير الغربي بالحياد وكأنه نزاع إقليمي.

إن عالم متعدد الأقطاب قد يكون في صالح الدول القوية التي تطمح لأن تكون قطباً من أقطابه، أما الدول الضعيفة فستكون عرضة لتدخل مجموعة من الدول في شأنها الداخلي عوضاً عن دولة واحدة، ورأينا أين وصلت كل سوريا و ليبيا واليمن والعراق ولبنان وفلسطين؛ نتيجة تدخل عدد من الدول متضاربة المصالح فيها.

لنتذكر أن وعد بلفور وسايكس بيكو جاءا في زمن كان فيه العالم متعدد الأقطاب. إن التحديات التي تواجه العرب اليوم ومن الواضح أنها ستستمر وقد تتفاقم في ظل نظام ما بعد الغرب لا يمكن التصدي لها إلا بنظام إقليمي عربي فاعل ومنظم، دون ذلك ستبقى الدول العربية تحوم في دوامة الفوضى وعدم الاستقرار، وساحة لصراع الأقطاب المختلفة. وقد يكون الطريق الأفضل للدول العربية إلى جانب دول أخرى متضررة من حالة الاستقطاب العالمي أن تعمل على إعادة إحياء منظمة عدم الانحياز، لبناء تكتل متعاون يسعى إلى نظام عالمي غير قطبي.