ببساطة: لماذا يوافق صاحب الحق على اقتسام حقه مع السارق ولا يوافق السارق على اقتسام المسروق مع صاحبه؟
مثل هذه المعادلة كفيلة بأن تردع كل شعبنا الفلسطيني عن القبول مجرد الحديث عن القسمة، بعد أن أصبح واضحا أن الحل المطروح بإقامة دولتين هو حل وهمي يتلاعب به الاحتلال، مستخدما قبولنا به لإطالة الأمد حتى الوصول إلى مرحلة يمكنه من خلالها أن ينهي كافة الأعمال الضرورية لتنفيذ مشاريعه في التهويد والاستيطان، وتطبيق مبدأ القومية اليهودية، بالتخلص من كل المواطنين العرب، عبر منحهم حقوق السكن في مناطق حكم ذاتي معزولة، تشبه المحميات التي يعيش فيها أصحاب البلاد الأصليين في أمريكا، دون أي قيمة لوجودهم، بعد أن تحولوا إلى أقلية تصل نسبتهم إلى أقل من 2% وهو ما تسعى دولة الاحتلال وصاحبة مشروع الاحلال الأول في التاريخ الحديث، وهي الولايات المتحدة من تكرار تجربتها الفريدة على أرض بلادنا.
بعد عام 1967م بدأت حكومات حزب العمل حملة الاستيطان على الأراضي المحتلة، بعد عام وكانت تلك المستوطنات آنذاك عبئا كبيرا على دولة الاحتلال، وكان كل مستوطن بحاجة إلى جيب عسكري لمرافقته في أي انتقال له داخل بلادنا، واليوم صار الاستيطان ظاهرة طبيعية تملأ بلادنا في كل مكان، وصرنا نحن من يخشى التنقل على أرضنا، بل أن الاحتلال تمكن من تغيير صورة مناطق بأكملها، تحديدا في الجنوب، وما بين نابلس ورام الله، وكذا مناطق الأغوار و القدس ، وتمكن بذلك من تنفيذ خطة آلون ومشروع شارون النجوم الخمس، وهو يقترب بسرعة جنونية من الانتهاء من تنفيذ الخطتين، ولا يبدو في الأفق أن هناك ما أو من قد يمنعه أو يردعه عن ذلك، ما دمنا نسمي غودو بالدولتين وننتظر هذا الغودو المزعوم ونحن ندرك جيدا أنه لن يأتي مهما طال انتظارنا فالمسافات لا تقترب بالانتظار.
خطاب الرئيس في الأمم المتحدة هذه المرة جاء مُكرسا لحالة الياس والإحباط، والتي لم تحمل أصحابها إلى الثورة رسميا، بل إلى حالة من القبول اليائس بانتظار أمل، يدرك المنتظرين بأنهم ينتظرون سرابا لن يأتي أو كمن يقول سأنتظر حتى أموت وبعدها لتفعل الأجيال من بعدي ما تراه مناسبا، وبعكس ما أراد الرئيس لخطابه أن يؤثر في دول العالم، فقد جاءت النتيجة امعانا احتلاليا بمواصلة الجريمة وتكثيفها حتى يلغي أي أمل بحل قد يسعى العالم يوما وإن متأخرا لفرضه، وكما قبلنا بأنفسنا بمستوطني " بتاح هتكفا " كأول مستوطنة أقامها المهاجرين اليهود الأوائل عام 1878م، كأصحاب حق لا يطالب أحد اليوم بخروجهم من بلادنا، فان أحدا غدا لن يعود يقبل خروج مستوطني "أريئيل" وسيتم تكريس القدس كعاصمة لدولة الاحتلال ويقبل العالم عندها بطلبنا المتواصل بالحصول على الحماية الدولية لمحميات السكان الأصليين. وكما نسي العالم بما فيهم نحن أولئك المواطنين أصحاب الأمريكيتين، فإنه سينسى غدا وننسى نحن معه، حقنا بعد أن ندير ظهورنا بنفسنا لهذا الحق يأسا وإحباطا.
إن مواصلة البكاء هي الجريمة الأبشع بتاريخنا وهي ستكرس حالة الإحباط واليأس وتقود الأجيال القادمة إلى النكوص عن القيام بما يجب، للحصول على الحق المنهوب علنا، وبالتالي فإن عدم القيام اليوم بالكفاح من أجل حقنا في العيش في فلسطين حرة واحدة موحدة على قدم المساواة وخالية من أي تمييز عنصري أو غيره، فإن الغد سيحمل لنا انحسارا عن وجونا ووجود فعلنا والتسليم بالأمر الواقع والانتهاء إلى ما انتهت إليه أمة كاملة كالهنود الحمر، ما دمنا نواصل الانقسام، فيما بيننا ونحن تحت الاحتلال وننشغل بقضايا تبعدنا مسافات ومسافات عن إحقاق الحق ونستجدي حقنا من الآخرين أن يمنحونا إياه بعد تحويل قضيتنا إلى قضية إنسانية معيشية وتحويل كفاح شعبنا ودم أبطالنا إلى استجداء.
أحد على الإطلاق على وجه الأرض لا يقف إلى جانب من يشحذ وكلما اقترب منك من يمد يده تصرخ به "اِذهب للعمل ولا تستجدي"، تلك هي المقولة التي يقولها لنا الشباب المقاوم اليوم، الذي يقدم نفسه قربانا فرديا على مذبح الوطن، بعد أن يأس من قيادته، فإذا لم نشمر عن سواعدنا وسيقاننا، فإن أحدا لن يمنح الحرية لمن يشحذها بالبكاء.

