ينعقد في بروكسل يوم الاثنين 3 أكتوبر 2022 لقاء على مستوى وزراء خارجية دول الاتحاد الاوروبي مع الكيان الإسرائيلي، حيث يترأس الوفد الإسرائيلي رئيس وزراء الكيان يائير لابيد، يأتي هذا اللقاء بعد برودة طغت على العلاقات بينهما في عهد حكومات نتنياهو ولمدة عشر سنوات تقريبا، بسبب انتقاد البرلمان الأوروبي على استمرار وتوسع سياسة الاستيطان واستمرار الحصار على قطاع غزة.
يرتبط الاتحاد الأوروبي باتفاق شراكة مع الكيان الصهيوني وقع عام 1995 ودخل حيز التنفيذ في حزيران من عام 2000، بعد أن تمت المصادقة عليه من كافة البرلمانات في الدول الأوروبية الأعضاء، وكذلك من الكنيست ومن البرلمان الأوروبي، ويشكل هذا الاتفاق الإطار الأرضية لعلاقات تطورت ونمت على جميع الاصعدة، اقتصاديًا واستثماريًا وأمنيًا وثقافيًا وفي مجال البحوث، وهنا لا بد من التأكيد أن الاتحاد الأوروبي يشكل الشريك الأول لإسرائيل، حيث تصدر ما يقرب من 33% من مجمل صادراتها لدول الاتحاد وتستورد ما يقرب من 40 % من وارداتها من دوله، مما يعطي أوراق ضغط مهمة للاتحاد الاوروبي على إسرائيل إن رغب في استخدامها، في الوقت الذي يشكل الاتحاد الاوروبي الشريك التجاري الأول لإسرائيل في العالم، نجد على الصعيد السياسي أن إسرائيل تحظى رغم كل ممارساتها غير القانونية والعدوانية تجاه الشعب الفلسطيني بموقف أوروبي رسمي متواطئ، رغم أن هذه الممارسات تضرب قواعد القانون والمعاهدات الدولية بالصميم.
في بيان صحفي صادر عن مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب برويل ردًا على انتقادات وجهت لعقد هذا اللقاء وعلى هذا المستوى وبهدف واضح، أي تطوير اتفاق الشراكة الأوروبي الإسرائيلي، جاء في البيان أن الاتحاد الاوروبي رحب بما جاء بكلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وحديثه عن حل الدولتين، وأضاف البيان أن الاتحاد سيتطرق لخروقات إسرائيل في الأراضي المحتلة وسوف يحث إسرائيل على احترام قواعد قانونية دولية تجاه السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
طغت على سياسة الاتحاد الأوروبي مبدأ الكيل بمكيالين، نجده في أوكرانيا يصعد ويلتحق باستراتيجية أمريكا تجاه روسيا، عبر فرض حزم من العقوبات لم تترك مجالًا إلا وكان له نصيب من هذه العقوبات. لا يوجد أي جواب لانتقادات كثيرة تجاه هذه السياسات التي تفتقد للمبادئ ولأخلاق العمل السياسي الذي يدعي الاتحاد الأوروبي، أنه البوصلة التي يبني عليها مواقفه في علاقاته الدولية.
كثرت في الآونة الأخيرة مواقف مؤسسات دولية ترى وتؤكد أن كيان الاحتلال يمارس تجاه الشعب الفلسطيني سياسة تمييز وفصل عنصري أي نظام أبارتهايد، هذا ما أكده تقرير منظمة العفو الدولية أمنستي، وكذلك تقرير لجنة التحقيق التي شكلها مجلس حقوق الانسان بجنيف بعد عدوان إسرائيل على قطاع غزة في شهر أيار 2021، وكذلك تقارير منظمات بيت سيلم الإسرائيلية ومنظمة هيومان رايتس الأمريكية، كل هذه المنظمات أكدت عبر تقارير صدرت عنها على وجود نظام أبارتايد إسرائيلي، تجاه الشعب الفلسطيني في الضفة كما في قطاع غزة عبر الحصار المفروض عليه منذ 2007.
أمام آفاق تطور قادم لعلاقات أوروبية مع إسرائيل ستشمل قطاع الغاز، من خلال تصدير الغاز الذي تنتجه إسرائيل للاتحاد الأوروبي، عبر اتفاق ثلاثي وقع مؤخرًا ويشمل كل من الاتحاد الأوروبي وإسرائيل ومصر، فإن القضية الفلسطينية هي الخاسر الأكبر لهذا التطور، خاصة وأن رياح التطبيع بين مجموعة من الأنظمة العربية وإسرائيل، هبت بقوة في أواخر عهد ترامب، واستفادت من هذا الجو التطبيعي إسرائيل، عبر تعاونها الأمني والسياسي مع مجموعة الانظمة المطبعة.
إن دول الاتحاد الأوروبي مقبلة على التعايش مع مرحلة اقتصادية صعبة، يسودها الركود الاقتصادي مع تصاعد في احتجاجات اجتماعية ستشهدها كافة دول الاتحاد الأوروبي، يضاف لهذه الحقائق أي الركود الاقتصادي والاحتجاجات الاجتماعية، حيث بدأنا نشهد تغير في خريطة القوى السياسية الاوروبية بسبب تداعيات الحرب الاوكرانية الروسية أو بشكل أدق حرب روسيا مع دول الغرب المنخرطة بحلف الناتو، صعود قوى اليمين المتطرف وقوى اليمين القومي المحافظ واليمين الشعبوي وصعود أحزاب عنصرية ومناهضة لوجود الأجانب في دول أوروبا، هذا الصعود الذي شاهدناه في السويد وفي إيطاليا مؤخرًا وخسارة ماكرون في فرنسا لأغلبية برلمانية ثابتة لتمرير سياساته، هذه الوقائع تثبت أننا أمام تشكل خارطة سياسية أوروبية مغايرة لما عرفته دول الاتحاد الأوروبي منذ نشأته، خارطة ستطرح مجموعة من التساؤلات أولها: هل القواعد الناظمة لمسار الاتحاد الأوربي الاقتصادية والسياسية، وخاصة القانونية، ستستطيع الصمود والاستمرار أمام صعود وضغوط منظومة أيدلوجية وسياسية مبنية على نزعات انعزالية، تفضل التقوقع على الساحة الداخلية لكل بلد ومبدأ رأيناه في فكر اليمين المتطرف مثل مقولة: فرنسا أولًا، والمجر أولًا، وإيطاليا أولًا؟
أتوقع أن منظومة الاتحاد الأوروبي التي سارت على فكرة توسع تدريجي للمشترك بين مكوناته، أصبحت مهددة أمام تصاعد فكرة التقوقع والأنا أولًا.
أخطأت أوروبا بعدم امتلاكها لسياسة مستقلة عن سياسة التبعية للولايات المتحدة، وهذا الخطأ بدأت تدفع ثمنه في مستقبل اقتصادها وتطوره في عالم يغلب عليه التنافس وكسب وتوسيع الأسواق، أما الشعوب الأوروبية فهي التي تدفع وبدأت بدفع فاتورة الأخطاء التي ارتكبتها حكومات لم تمتلك رؤية دقيقة لعالم يتغير، نحو تعدد الأقطاب، وعلى الشعب الفلسطيني وقواه السياسية أن يحسنوا خياراتهم وتوجهاتهم المستقبلية في عالم يتغير.

