Menu

وحدة الساحات وانقسام الصالونات

عدنان الصباح 

منذ معركة سيف القدس التي وحدت كل ساحات الوطن والشعب، وحتى معركة وحدة الساحات، مرورا بعملية العبور إلى الحرية التي نفذها الأبطال الاسرى الستة، وواقع الحال يقول: أن فلسطين المقاومة موحدة، وقد قدمت غزة ومن بعدها جنين ونابلس وغيرهما النماذج الحية لذلك، بمعارك واشتباكات مع جيش الاحتلال، شارك بها كل أذرع المقاومة الفلسطينية بدون تمييز. ولم يعد فصيلا واحدا يتحدث عن معركته الخاصة، بل صار الجميع يتحدث عن معركة المقاومة، وصار اسم المقاومة موحدا للجميع، ببنما ظل أصحاب الصالونات من ذوي الياقات البيضاء وربطات العنق الوردية، يواصلون هرطقاتهم وخلافاتهم ويمعنون في انقسامهم، بلا معنى وبلا هدف، سوى سفسطاتهم أو مصالحهم أو أجنداتهم. وأيا كان تصنيف فعلهم، فإن النتيجة الإضرار المباشر والكامل بالقضية الوطنية الفلسطينية، حد إلغائها، ودفع الشعب لفقدان الامل بالتحرير والحرية، ولولا الإيمان الفطري بالحرية لدى كل شعوب الأرض لكان علينا أن نقرأ السلام على قضيتنا ونشيعها إلى جثمانها الأخير.      

المقاومة التي توحدت تحت هذا الاسم، وبات أحد لا تعنيه بيانات التبني للعمليات الفدائية، وانتساب الشهيد إلى هذا الفصيل أو ذاك، لتعمق الانقسام، ووصل حد القاعدة. لكن الدم الفلسطيني المقدس بأفواه الساسة في الكلام فقط، ظل مقدسا بإيمان المقاومين أنفسهم ومارسوا فعل القداسة هذا، ووحدة الدم على الأرض وفي الميدان، وصرنا نرى أن المشاركين في كل معركة بين جيش الاحتلال والمقاومة ينتمون لكل الأطياف السياسية، حتى بات لا أحد يستطيع أن يدعي الأمر لنفسه فقط، وحين استهدفت دولة الاحتلال الجهاد الإسلامي في غزة، في معركة وحدة الساحات، لم تخرج قيادة الجهاد لتخون أحد، ولم تدعِ البطولة لنفسها فقط، بل تحدثت عن انتصار المقاومة ووحدتها في المعركة، وهي لغة تجعل الحقيقة على الأرض، غير تلك التي نتابعها من أفواه ساسة الصالونات والسيارات السوداء.

لا شيء يبقى على حاله وعادة ما تتطور النجاحات إلى ما هو أكبر من البداية، وحين يكتشف المقاومون أنهم يشكلون حالة متقدمة وسابقة، لساسة الصالونات، سيجدون أنفسهم مجبرين على أن يمسكوا بزمام الأمور لحماية أنفسهم، وساعتها لن يجد الساسة بدا من اللحاق بهم، شاءوا ام أبوا. يعني أن لا بديل اليوم عن المقاومة بعد أن أسقطت

دولة الاحتلال، بدعم ورعاية إمبريالية كل الطرق التي كان يأمل الجميع أن تجد حلا سياسيا للقضية الفلسطينية، وبعد أن أفاق الشعب من صدمة أوسلو، ليجد نفسه أن كل ما فعلته أوسلو ومفاوضاتها هو منح الاحتلال فرصة ذهبية، لبسط سيطرته العملية على الأرض، وتقطيع أوصال الوطن، وتهويد ما استطاع تهويده، وتحويل جيش الاحتلال المحدود إلى مئات الألوف من المستوطنين الذين باتوا يشكلون وجعا حقيقيا لشعبنا ولغدنا الساعي للتحرير والحرية.   

يحاول الفلسطيني العائد من رام الله إلى نابلس أو جنين، أن يتفادى ساعات الذروة، وقد يحتاج ثلاث ساعات أو أكثر، لمسافة لا تحتاج إلى ساعة واحدة، بسبب الأعداد الكبيرة للسيارات، ولكن في "يوم الغفران اليهودي"، كانت الطرق شبه خالية في ساعة الذروة، وهذا يعني أن علينا أن ننتبه لناقوس الخطر، هذا الذي يقول لنا: أن أعداد المستوطنين في الضفة الغربية هي أكبر بكثير من الأرقام المُعلن عنها. وبالتالي، فإن الوضع الديمغرافي في الضفة الغربية تغير كليا، وأن الغد سيجعلنا نكتشف أننا نعيش في جزر فلسطينية معزولة، تسمى بأسمائها، لا باسم فلسطين، وهي الحالة التي تسعى دولة الاحتلال للوصول إليها حين يستطيعون إلصاق اسم سكان البلاد الأصليين بنا.

قد تكون أوسلو جريمة في تاريخ شعبنا، لكن الجريمة الأبشع، من كل الجرائم، هي جريمة الانقسام، واسوأ ما فيها أننا نواصل تعميقها يوميا ونمنح الاحتلال كل الإمكانية، لتحقيق أحلامه على أيدي السادة المنقسمين وإمعانهم في انقسامهم.