اسمحوا لي بداية ان أتقدم بأجمل التحيات الرفاقية الى الأمين العام الرفيق احمد سعدات القابع في زنازين المخابرات، والى الرفاق أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية وكوادر وأعضاء وأصدقاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ولحركة المقاومة الفلسطينية، وأبطال الانتفاضة، وللشعب الفلسطيني كافة، واخص بالذكر المناضلين الاشداء في سجون الاحتلال، والجرحى واسر الشهداء، بمناسبة انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وانني على ثقة ان هذه المناسبة ستكون حافزا لتشديد النضال ضد العدو الصهيوني، وشد ازر المقاومين الابطال الذين يسطرون بدمائهم الزكية أروع الصور النضالية وأنبل التضحيات.
ولعلني اوكد حقيقة؛ ان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احتلت مكانة خاصة لدى الشعب الفلسطيني عامة، فقد اتسمت بمجموعة من الخصائص التي تميزت بها، فهي من أولى الفصائل الفلسطينية التي امتشقت السلاح وخاضت اعنف المعارك الوطنية ضد الاحتلال الصهيوني بلا هوادة، ففي الثاني عشر من كانون اول عام 1967، استقبل الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، نبأ اعلان تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بارتياح عميق، أي بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة بنحو ستة اشهر.
صحيح ان الاحتلال البغيض شكل لها تحديا جديدا؛ الا ان نواة العمل المسلح ضد العدو الصهيوني برز قبل حزيران 67، فالجبهة امتداد لتجربة نضالية خاضتها حركة القوميين العرب منذ اعقاب نكبة 1948 بقيادة الحكيم الشخصية الوطنية والاممية الراحل د. جورج حبش .
تميزت الجبهة كونها فصيل فلسطيني مسلح يحمل رؤية فكرية وسياسية، تستند للمنهج المادي الجدلي الماركسي، في تفسير الظواهر الاجتماعية، واستنباط المهام والبرامج السياسية وفق قراءات علمية منهجية، كما حملت الجبهة برنامجا وطنيا واجتماعيا لتحرير الأرض والانسان من الاضطهاد والعبودية، وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، فهي عدا عن كونها من اولى منظمات حركة المقاومة الفلسطينية التي خاضت النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، فقد ربطت بين النضال الوطني التحرري، والافاق المستقبلية بالدولة الديمقراطية الاشتراكية، وارست اوثق العلاقات مع الحركات الثورية في الوطن العربي وفي العالم اجمع، مع الاحزاب الشيوعية والديمقراطية التقدمية، كما ارتبطت بعلاقات اممية مع الدول الاشتراكية فهي تقيم علاقات نضالية مع دول اميركا اللاتينية وفي مقدمتهم كوبا وفنزويلا، ومع مختلف الدول المتحررة في العالم، وناصبت العداء المحكم للإمبريالية والرجعية، وشكلت بتاريخها النضالي المجيد تراثا ثوريا زاخرا تعتز به الحركة الثورية العربية عامة والفلسطينية على وجه الخصوص.
وكان للحكيم ورفاقه من الرعيل الاول الشهيد أبو علي مصطفي ووديع حداد و غسان كنفاني وغيرهم ممن وضعوا اللبنات الأولى لبناء منظمة ثورية الدور الحاسم برسم سياسات ونهج الجبهة، وتقديم التضحيات ومواكب الشهداء الابرار، كما للقيادة الحالية وعلى رأسها الرفيق المناضل احمد سعدات – الذي يتحدى الاحتلال مع مروان البرغوثي والاف الاسرى الفلسطينيين- هذه القيادة التي حافظت على مسار الجبهة؛ واضعة نصب اعينها ان "التناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني"، وان المهمة المركزية في هذه المرحلة تحرير التراب الفلسطيني، وضمان حق العودة، وصولا للأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.
يسجل للجبهة أيضا ، رفضها المبكر لاتفاقية أوسلو وللمفاوضات العبثية.. فبعد أكثر من عقدين على هذه الاتفاقية، أعلن عن فشلها، بعد ابتلاع حوالي 60% من أراضي الضفة الغربية في ظل اتفاق مشين، ولم يبق من اوسلو سوى القيود التي فرضها العدو الصهيوني على الشعب الفلسطيني؛ "التنسيق الأمني المذل، واتفاقية باريس التي شكلت عبئا على الاقتصاد الفلسطيني".
وفي هذا الإطار تلخص منظمة "أوكسفام" الحالة المتردية التي وصل إليها الاقتصاد الفلسطيني في تقرير لها ان "حياة ملايين الفلسطينيين اصبحت اسوأ مما كانت عليه قبل عشرين عاما. ومع ذلك تجاهلت السلطة قرار المجلس المركزي الفلسطيني بإلغاء التنسيق الأمني، "وتحميل سلطة الاحتلال الصهيوني مسؤولياتها كافة تجاه الشعب الفلسطيني في دولة فلسطين المحتلة كسلطة احتلال وفقا للقانون الدولي".
إنَّ المنطقة تمر بمنعطف خطير، فالتحالف الوثيق بين رأس المال الصهيوني والاحتكارات الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وتبعية معظم النظام العربي للإمبريالية وراء ما يجري من حروب إقليمية، وإغراق الوطن العربي بالصراعات الطائفية التي اغرقت بعض مجتمعاتنا العربية بشلالات من الدماء واضعين الشعوب العربية أمام خيارين؛ إما القبول بنظم الفساد والتخلف والاستبداد والتبعية للسياسات الليبرالية، وإما الحروب الأهلية والحركات الظلامية المتطرفة. خشية من تمكين الشعوب العربية من انتزاع استقلالها السياسي والاقتصادي وفرض سيادتها الوطنية، والنهوض بالوطن العربي نحو تحولات جذرية سياسية واجتماعية، وتصويب البوصلة السياسية باتجاه الصراع الرئيسي التناحري في المنطقة، ضد العدو الصهيوني والإمبريالية الأمريكية ، وباتجاه الصراع الرئيسي السياسي ضد انظمة الرجعية والتبعية .
وهنا لا بد من التحذير من الخداع والتضليل الذي ما زال يمارس من قبل الإمبريالية الأميركية حول عودة المفاوضات، ومراهنات السلطة الفلسطينية على كيري. فقد طرحت الولايات المتحدة الأميركية اقصى ما في جعبتها، والذي تضمن تصفية القضية الفلسطينية وفرض الاعتراف بيهودية الدولة، والغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وإقامة دويلة فلسطينية، منزوعة السيادة على 55% من اراضي الضفة الغربية، مقطعة الاوصال ومحاطة بقوات الاحتلال الصهيوني من مختلف الاتجاهات بما في ذلك الحدود الاردنية، والسيطرة على كافة المعابر، والابقاء على جدار الفصل العنصري، والمستوطنات التي حولت الضفة الغربية الى جزر منفصلة، والاستيلاء على القدس عاصمة فلسطين. فالقدس قضية سيادة وطنية فلسطينية بالدرجة الأولى، كما هي قضية مقدسات للمسلمين والمسيحيين، وأنَّ الفلسطينيين من مختلف الأديان والطوائف توحدهم العروبة والنضال المشترك ضد الاحتلال البغيض الجاثم على أرض فلسطين.
ومع ذلك رفض العدو الصهيوني مشروع كيري، فهو يعتبر المرحلة الحالية؛ العصر الذهبي "لإسرائيل"، فالصراعات الدائرة في الاقطار العربية وتدمير اهم دول المنطقة سوريا والعراق، واشغال المقاومة اللبنانية بصراعات جانبية، سبب كاف للتشدد “الاسرائيلي” فهي تعتقد ان المناخ السياسي مناسبا لابتلاع المزيد من الاراضي الفلسطينية.
إزاء هذه الأوضاع وفي ضوء استمرار الانقسام الفلسطيني البغيض ، وتكريس النهج اليميني في رام الله، وارتباط سلطة حماس في محاور الصراع في الوطن العربي بتغليب البعد الأيديولوجي الاخواني على المصالح الوطنية، وما يسببه ذلك من ضرر على القضية الفلسطينية، وعدم المراعاة لخصاًئص المرحلة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، فإن على اليسار الفلسطيني مسؤولية اضافية في هذه المرحلة التاريخية، وفي ظل المنعطف الخطير الذي تمر به حركة التحرر العربي عامة والقضية الفلسطينية خاصة، وبعد ما آلت اليه الاوضاع العربية من تداعيات الصراعات الداخلية التي تستهدف النيل من المقاومة العربية والفلسطينية للاحتلال الصهيوني والمشروع الامبريالي.
ولكي لا يبقى الشعب الفلسطيني اسير ثنائية "فتح وحماس" المحكومة بمصالح فئوية لم تراع الظروف الدقيقة التي تمر بها القضية الفلسطينية، فان اللحظة التاريخية تستدعي التقدم ببرنامج البديل الديمقراطي الذي يجمع أحزاب وفصائل اليسار الفلسطيني كافة، ومختلف القوى التقدمية، برنامج يحمل مهام المرحلة في التحرر الوطني وانتزاع حق تقرير المصير، خاصة وان الفصائل والأحزاب اليسارية الفلسطينية تكاد تجمع على الاسترشاد بالمنهج الماركسي في استنباط برامجها، التي تشكل قاسما مشتركا بين مختلف أطراف اليسار، مما يستدعي القيام بمبادرة لإقامة تحالف قوى اليسار لتشكيل الكتلة التاريخية.
فقد استحدث المفكر الإيطالي غرامشي مفاهيم لم تكن مطروقة في حقل الفكر الماركسي، مثل مفهوم الهيمنة الثقافية التي تعني أن الطبقة البرجوازية تهيمن على المجتمع لا بامتلاكها وسائل الإنتاج وإدارتها والتحكم بمؤسسات الدولة فحسب، وإنما عن طريق فرض تصوراتها وأفكارها على المجتمع أيضاً، إلى الحد الذي تستدرج معها الطبقة العاملة لِتَبنّي تِلْكُ التصورات والأفكار، والتي تغدو كما لو أنها تصورات وأفكار المجتمع برمته.
وهذا ما يجري حقيقة في الأراضي الفلسطينية فقد نجح الفكر البرجوازي الفلسطيني بتياريه اليمينيين ، التصفوي والديني باقتسام الشارع الفلسطيني، مستفيدين من مواقع السلطة ومؤسساتها المتعددة والتي أصبحت تشكل قيودا على المبادرات الخلاقة التي ابتكرتها الجماهير الشعبية والتي يعبر عنها يوميا الجيل الجديد من الطلائع الثورية للشعب الفلسطيني باستهداف الإسرائيليين بأدوات ووسائل بسيطة، شكلت حالة من الرعب للعدو الصهيوني، فمواكب الشهداء التي يقدمها الشعب الفلسطيني يوميا جاءت لكي تتحدى الاثار النفسية المدمرة للانهيار العربي، ولترفض تداعيات هذا الانهيار، وتنقل الشعب الفلسطيني من حالة الإحباط التي يعيشها الوطن العربي، الى حالة الكفاح والتضحيات والمقاومة وتشحذ الهمم في مواجهة الاحتلال الصهيوني، ولسان حال شهداء فلسطين الابرار؛ يقول اذا كان الهدف من تدمير سوريا، تصفية القضية الفلسطينية، فان شعب فلسطين لن يركع.. هذا الشعب يستحق من الأحزاب والفصائل اليسارية الفلسطينية ان تشكل له غطاء سياسيا بوحدة العمل والإرادة.
وفي هذا السياق، يصف المفكر الراحل محمد الجابري، الكتلة التاريخية بأنها "ليست مجرد جبهة بين أحزاب، بل هي كتلة تتكون من القوى التي لها فعل في المجتمع أو القادرة على ممارسة ذلك الفعل ، ولا يُسْتَثنى منها بصورة مسبقة أي طرف من الأطراف، إلا الطرف أو الحزب الذي يضع نفسه خارجها وضدها وضد أهدافها، كما أن هذه الكتلة لا تلغي الفصائل والأحزاب والحركات السياسية والمجتمعية، ولا تقوم مقامها، ذلك لأن ما يجعل منها كتلة تاريخية، ليس قيامها في شكل تنظيم واحد، بل انتظام القوى والأطراف المكونة لها انتظاماً فكرياً وسياسياً ومجتمعياً حول الاهداف الوطنية التحررية والديمقراطية، والعمل الموحد من أجل تحقيقها.
* ناشط سياسي اردني، كاتب باحث اقتصادي

