Menu

عدي التميمي، السينمائي الشهيد

وليد عبد الرحيم

كاتب وسينمائي فلسطيني

لنتحدث بخصوص التقنية، فقد أدهشتني براعة الرسالة المرئية التي تركها الفدائي عدي التميمي لشعبه لكي يقرأها بعد انتهاء مراسيم الوداع.

كسينمائي، من وجهة نظر فنية وتقنية، لاحظتُ بأن الشاب ذا البنية الرياضية فهم وأدرك جيداً سطوة وأهمية الصورة، فألَّف السيناريو ووضع نقاط ارتكاز وزوايا الكاميرا ومساحة الحركة مستغلاً الفراغات المتاحة والبؤر البصرية والأبعاد الأساسية، وتوقع أماكن تواجد الكومبارس - جنود النازية الصهيونية- واحتمالات تحركهم ضمن مساحة اللوكيشن، كما ضبط بدقة إيقاع سرعة وحركية الصورة.

في مثل هذه المشاهد عندما نصورها سينمائياً نستجلب خبراء في تصميم المعارك وفنيي مونتاج وغالباً مختصين في الخدع السينمائية، وهذا ما لم يكن عدي بحاجته فقد عمل لسنوات طوال في تصميم المشهد "الماستر" باعتباره حلمه الأبرز الذي بثته لنا عبر الكاميرا غير المحترفة دون تبديل في العدسات البؤرية من قصيرة إلى طويلة إلى متوسطة...

يمكن تحليل المسألة كالتالي: لقد حلم التميمي لسنوات بأن يسجل حبه لفلسطينه الجميلة الحرة الخالية من القتلة والإرهابيين بطريقة فريدة وبلغة استثنائية، مستعيناً بخبرته البصرية، ربما وجب عليَّ القول الآن بأنه وبمنتهى التأكيد كان قبل احترافه الثوري الفني هذا ولسنوات عدة من هواة مشاهدة أفلام الأكشن، تحديداً تلك التي يكون فيها البطل- الممثل مجسداً لدوره عبر مبالغة في الأداء والفعل والتأثير، مستعيناً بتقنيات القطع المونتاجي وتبديل زوايا الكاميرا وعدساتها والإضاءة واللون...

أفلام الأكشن التي شاهدها عدي، والتي غالباً ما تكون هوليودية، كانت قد استهلكت في صناعتها عشرات آلاف الدولارات وعشرات الفنيين والأدوات وأنتجت خالية من المعنى أو الهدف، فقرر على ما يبدو تغيير فلسفة المعادلة، ويبدو من الطبيعي أن تغيير فلسفة المعادلة السائدة المكرورة، بحاجة إلى عمق معرفي ثقافي مختلف عما هو سائد ليُنتج منظومة رؤيوية مختلفة، مُستقياً أدواتها من إمكانيات الذات والواقع لا من تقنيات أدوات الإنتاج والعرض، وبلا أية مساعِدات أخرى.

يتقلب المؤدي البارع برشاقة وذكاء متفادياً طلقات قناص جيش النازية الصهيونية الذي صرفت عليه البنوك أموالاً طائلة ليتدرب على حِرفيِّة القتل، لكن الفدائي الوحيد في المكان المرصع بمسدس صغير ومخزنين فلت أحدهما، يحيل خبرة القناص إلى مجرد مسخرة! ذلك أن القناص غير المرئي يبدو من آثاره مرتعداً مرتعشاً وهو في قفص الحماية يمكث مثل قرد مريض.

إن ما يذهل في ذلك كله هو الهدوء الداخلي الذي يكتنز جوانية المؤدي- عدي التميمي، فلا توتر في أعصابه وهو لا يهتز أبداً، بل يناور ويتقلب بحرفية مذهلة، ذلك بسبب القدرة الهائلة على الفصل بين الجسد والروح- الفكرة، فقد ترجم الشهيد البارع بكل دقة وعمق معنى مقولة غسان كنفاني بحرفية عالية "تسقط الأجساد لا الفكرة"، إذ كان الجسد بحركيته ومرونته يجسد رشاقة الفكرة أكثر منه يطلق الرصاص بهذه الثقة والشجاعة المذهلة ويتفادى طلقات القناصة، ببراعة فيزيائية ورياضية، دُرست بعناية واحتسبت سرعة تحرك القناص الإرهابي وزمن ضغطه المرتعش على الزناد، لكأنه قرأ جيداً ولسنوات أيضاً ملامح وشخصية وسيكولوجيا القناص النازي الجبان الذي يمتلك أداة القتل، دون امتلاك الفكرة، سوى فكرة واهمة مفادها: أن الرب الوثن يهوه بارك له بالقتل واللصوصية!ٍ

من يشاهد الفيديو المسجل بلا مونتاج وبعمق سوف يصاب بذهول حقيقي، إنْ هو دقق في التفاصيل، وليست المسألة الآن هي أن فدائياً قاتل واستشهد، بل أنها انتقالة أسطورية واقعية في آلية وذهنية وثقافة الفدائي ذاته، هي ابتكارة مبدعة لرسم طريق الحياة لشعب حي لا مجرد خطوة أخرى نحو الموت كما يُرى سطحياً.

ظاهرة التميمي سوف تحظى بقراءات عدة، وسوف تقوم مراكز أبحاث الإرهابيين في تل أبيب ووسائل الإعلام، وربما مع الاستعانة بخبراء سينمائيين وعلماء نفس بمحاولة فهم الحالة، في حين سيبدأ أغبياؤنا بالبحث فيما إذا كان عدي فعلاً ينتمي لكتائب شهداء الأقصى، وهل ترك فذهب من فتح إلى الشعبية أو الجهاد؟ وهذه هي الوصفة المثلى لكي تكون التجربة قبض الريح.

ختاماً فقد ارتقى عدي شهيداً سينمائياً بكامل واقعيته من أجل الإنسانية برمتها، وعلى الفدائيين التعلم منه من أجل تحقيق الفكرة لا من ـجل الحصول على أفخاذ ونهود الحوريات وهرطقات أصحاب أمراض الترويج المتخلف المبرمج، مع أنني شخصياً متأكد بأن من يرتقي شهيداً في سبيل فلسطين سوف يقيم الله عرساً له في الجنة، ويقف الأنبياء والشرفاء بكل هيبتهم لاستقباله، فهو ليس مجرد نجم سينمائي، بل يمثل فلسفة الثورة المُثلى، وسوف يُشار إليه بالبنان لسنوات طويلة: بأنه لم يصنع فيلماً لمجرد المشاهدة، بل لترسيخ الفعل وشحذ الفكرة مجدداً.