Menu

حكومة تدس يدها في جيوب الفقراء

جبريل محمد

سلسلة متتالية من القرارات الحكومية التي صدرت في الآونة الأخيرة وقبل ذلك أيضا، تثبت أن هذه الحكومة هي  هيئة جباية عامة بامتياز، ففي ظل غياب رقابة شعبية وبرلمانية على قراراتها، وفي ظل تعطل منظمات المجتمع المدني واستيعابها من قبل الحكومة حيث فقدت استقلاليتها بالحاقها غير الرسمي بالمؤسسة الدولانية، تستبيح الحكومة أرزاق الفقراء، عبر فرض الرسوم أو رفعها، أو فرض ضرائب جديدة، وهذا يجعلها صنوا في هذه الممارسة للأتاوات التي يفرضها حكم الأمر الواقع في قطاع غزة وهناك بمباركة تشريعية موصوفة سلفا.

فخلال هذا الشهر  فرضت الحكومة رسوما على تقديم الشكاوى في المحاكم ودخلت في عراك مع نقابة المحامين، وها هي تفتش في دفاترها العتيقة عن طلبة لم يسددوا قروضهم الجامعية، عدا عن التلاعب بسعر النفط وغيرها من أشكال الريع الذي يصب في زكيبة حكومة، لا توفر الدواء في المستشفيات، ولا تقدم تعليما بنوعية جيدة ولا توجد أي مظهر يعبر عن تحسن جودة الحياة للمواطنين أو مستوى معيشتهم.

أما ثالثة الأثافي فهي تلك التخريجة التي تفتق ذهن وزارة المالية عنها، وهي فرض الضريبة على الدخل الناتج من العمل الزراعي،  وهذه دعوة صريحة لتبوير الأرض وضرب الأمن الغذائي، مع أن اكثر الدول المتقدمة في العالم تعفي المزارعين الصغار من الضريبة بصفتهم حراس الأمن الغذائي فيها.

هذه الحكومة التي تسترشد بوصفات البنك الدولي وتخضع لشروطه التي هي غير إقتصادية وإن بدت كذلك، ليست سوى منفذة  للوصفات خوفا من انقطاع الريع وليذهب الاقتصاد الوطني والصمود والمقاطعة وغير ذلك من مفاهيم خشبية إلى الجحيم فالعالم "يتقدم" وعلينا اقتفاء طريق النيوليبرالية المتوحشة حتى لو كنا تحت احتلال فاشي هو صنيعة مثل هذه الليبرالية.

هذه الحكومة التي تعفي نفسها من المساهمة في الانتاج الوطني وتفتح السوق سداحا مداحا أمام  كل بضائع العالم ولا تحمي المنتوج الوطني تريد للاستيطان أن يتوسع، لأنها تدفع المزارع بقراراتها إلى ترك أرضه ما دامت لا توفر له لقمة عيش كريمة، دون أن تعرف هذه الحكومة أن 90% من الاستثمارات الزراعية هي  عائلية صغيرة وأن معدل الحيازة للأسرة الواحدة لا يزيد عن 8 دونمات، وأن الدخل الناتج عن العمل الزراعي لا يغطي المصاريف السنوية للأسرة الفلاحية التي تعيش حالة الكفاف.

هل تدرك الحكومة أنها تستعدي الشعب أكثر بهذه القرارات التي أوصلت موازنة وزارة الزراعة إلى 1% من موازنة الحكومة، وأن نسبة مساهمة الزراعة بعد عشرين عاما من السلطة في الناتج المحلي الإجمالي هي 4,6% اليوم بعد أن كانت أيام الاحتلال واستيطانه 25% منه؟

لماذا كلما ضاقت الأمور على الحكومة تدس يدها في جيوب الفقراء الفارغة؟ أو تحرم أسرى من حقوقهم أو تقتر في دعم العائلات الفقيرة مما دفع وزير الشؤون الاجتماعية للاستقالة؟  لماذا لا تنتج الحكومة، أو تحمل مشروعا وطنيا عاما يشجع على الإنتاج، كي تفرض الضريبة.

أمس كنا أمام مؤتمر لمكافحة الفساد، فلماذا ينظر إلى الفساد وكأنه معشش في القطاع العام فقط، ولا ينظر للتهرب الضريبي المعلن الذي يمارسه القطاع الخاص وكبار رجال الأعمال، اليس هذا سرقة من حقوق المواطن؟ هل تجرؤ الحكومة على الفقراء فقط؟

لكننا في جانب آخر لماذا لا نسمع صوتا قويا في وجه هذه السياسات من الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني؟ هل الديمقراطية تحت الاحتلال أهم من الخبز؟ وأية ديمقراطية هذه؟ أين اليسار الذي يدعي تبني قضايا الطبقات الشعبية، أين منظمات المجتمع المدني؟ وأين النقابات المحتواة في عب السلطة؟

إن من يقدمون دمهم الآن لأجل حرية الوطن هم أبناء الفقراء المسطو على جيوب آبائهم، أبناء العاطلين عن العمل، وأبناء الفلاحين من الريف، ورغم ذلك يضاف إلى عبئهم أعباء، فأين العدل والعدالة هنا؟

آن الاوان لأن توضع الحدود لهذا الفلتان في فرض الضرائب والرسوم التي يدرك الصغير قبل الكبير أنها لا تعود إلى المواطن بل إلى أجهزة بيروقراطية أغلبها معطلة عن العمل.

 وآن الأوان للقوى التي لا توافق الحكومة أن تربط نضالها الوطني بقضايا وهموم الناس اليومية وأن تشكل درعا واقيا من طغيان السياسات النيوليبرالية. كما آن الأوان لان تتفعل الرقابة الشعبية على سياسات الحكومة، وأن يمارس الإعلام دوره في ذلك.