Menu

غرفةُ الموتِ (816) وراهنيةُ الفعلِ المقاوِم

أيوب الشنباري

نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة الهدف الإلكترونية

في السابع والعشرين من أغسطس/ آب عامَ 2001؛ حيثُ الأشجارُ الخضراءُ تبتسمُ للرّيح، والعصافيرُ تغرّدُ مع نسائمِ رام الله في أزقّةِ شوارعِها الفتيّة؛ وعلى إحدى نوافذِ بيوتِها الخجولةِ امراةٌ تسقي نبتةَ الرّيحان؛ وأطفالٌ يلعبون في حاراتِها العابقةِ برائحةِ التينِ والعنب؛ وبائعُ الكعكِ بالسمسمِ بين أحيائها ينادي: "ساخنْ يا كعكْ"؛ وصوتُ السياراتِ يتمتمُ للإسفلت؛ كأنّهُ يقولُ شيئًا، أو ربّما هو متوجّسٌ من شيءٍ ما!

يسيرُ الوقتُ – كالعادةِ – بلا قدمينِ زحفًا على صدرِهِ العاري المنتفضِ دومًا دونما كلل!

هذا وقتُ رام الله الجميلة؛ هي لم تكنْ تعلمُ أنّها على موعدٍ مع خسّة المعتدي، وحقارةِ المحتلّ!

وبينما رام الله تمازحُ بساتينها الخضر، وتلوّح للقدسِ بكفّيها، وتغنّي: "فلسطينيين، وبدنا نحمي هالبلاد" دوّى صوتُ انفجارٍ قويّ. وفجأةً سكت كلُّ شيء؛ لم يُسمعْ سوى صوتِ الإسعاف، وصوتِ صراخِ أطفالٍ يأتي من كلِّ حَدَبٍ وصوب، وصوتِ امراةٍ عجوزٍ بلهفةٍ تقول: اغتالوه اغتالوه!

لقد كان صاروخَ طائرةٍ من نوعِ أباتشي غادرة؛ وتأكّدَ المحتلُّ الفاشيُّ من إصابةِ الهدف، وتوهّم أنّه أحرزَ انتصارًا سياسيًّا وعسكريًّا بهذا الاغتيال، متجاهلًا وفاءَ الجبهةِ الشعبيّةِ لرفاقها الأوفياء. وفي الحقيقةِ كان اغتيالُهُ خسارةً عظيمةً للصفّ القياديّ الفلسطينيّ الوحدويّ، فضلًا عن خسارةِ الميدانِ السياسيّ والعسكريّ والنضاليّ الفلسطينيّ قائدًا بوزنِه، وهو يعدُّ أوّلَ قياديٍّ فلسطينيٍّ مقاوِمٍ تغتالُهُ دولةُ الاحتلالِ بعدَ نشوبِ الانتفاضةِ الثانية!

نعم، لقد اغتالتْ دولةُ الاحتلالِ الكولونياليّةُ قمرَ الشّهداء، أبا علي مصطفى، الأمينَ العام للجبهةِ الشعبيّةِ لتحريرِ فلسطين؛ لتبدأَ رحلةُ الوفاءِ بالعهدِ والبارود.

بالطبع، خسرتْ فلسطينُ قائدًا عظيمًا من قادتِها العظام، الذين صاغوا بدمائهم أصدقَ الانتماء لفلسطين، وأعظمَ التضحياتِ لها ولشعبِها البطل؛ حيثُ ارتقى الأمينُ العام القائد أبو علي مصطفى إلى علياء المجد شهيدًا دون أن يساوم، أو يتخلّى عن الفعل المقاوم؛ فعمَّ الحزنُ كلَّ فلسطين، وشعرَ أحرارُها بعِظَمِ الفقدِ لعِظَمِ المفقود، وتوشّحتْ جبهةُ الأمين العام بالعهد والثأر.

وفي الثالث من تشرين أول/ أكتوبر عامَ 2001، انتُخب القائدُ أحمد سعدات أمينًا عامًّا بإجماعٍ من اللجنة المركزيّة خَلَفًا للأمين الشهيد أبي علي مصطفى. ومنذ تولّيه الأمانةَ العامةَ للحزب، أعلنَ في أوّل لقاءٍ له عن استراتيجيّةِ الجبهةِ ومبدئها: "العين بالعين، والسن بالسن، والرأس بالرأس".

هكذا استفتحَ عهدَهُ القائدُ أحمد سعدات أمينًا عامًّا لحزبٍ عريقٍ مشهودٍ له بالمبدأ والانتماء والتضحية والوفاء؛ فكان عهدُ القائد سعدات أوّلَ شرارةٍ في فتيلِ الثأر والانتقام.

شكّلتْ عميلةُ الاغتيال الجبانة ضربةً قاسيةً ل فلسطين عامة، وللجبهةِ الشعبيّةِ خاصة؛ إذ وضعتْ تلك العمليةُ الجبهةَ في اختبارٍ صعبٍ أمامَ مبادئها الثوريّة المنطلقة من تاريخها الفلسطيني النضالي الطويل، فضلًا عن وفائِها المتجذّر الضارب في عمق الهُويّة اليساريّة الكفاحية لها، فكانت جبهةُ الحكيمِ بقيادة الأمين الأسير القائد أحمد سعدات أمامَ المسؤولية الثوريّة بكلِّ وفاءٍ وثبات؛ انطلاقًا من إيمانها العميق بمشروعيّةِ النضال الفلسطينيّ ضدَّ هذا الاحتلال الفاشي، وبوجوب الردّ على تلك العمليّةِ الجبانةِ بشكلٍ يعكسُ صورةً حيّةً عن العقيدة العسكريّة في تنفيذ النضال النوعيّ للجبهة، ويحافظُ على حضورها في الميدان الكفاحي الفلسطيني قوّةً قادرةً على الفعلِ المقاومِ المؤثّر، وعلى التزامها بإيفاء العهود، والوفاء لرفاقها الأبطال.

بعد أن باتتْ رؤيةُ الجبهةِ الشعبيّةِ واضحةً في مسألة الثأر ردًّا على اغتيال أمينها العام أبي علي مصطفى؛ انبرت نسورُها بوضعِ الاستراتيجيّاتِ اللازمة لعمليّة الردّ، فكانت على قدرٍ كبيرٍ من المسؤوليّة الكفاحيّة والتضحويّة، بل كسَرتْ كلَّ قواعدِ الرّهانِ على تراجعِ العسكريّةِ الجبهاويّة على القيام بالفعل النوعيّ المقاوِم، لذلك كان التخطيطُ لعمليّةِ الردِّ ينمُّ عن عقليّةٍ عسكريّةٍ فذّة، قادرةٍ على وضعِ خططِ المناورةِ والتنفيذِ والانسحابِ بسلام.

لم يكنْ في حسبانِ الجبهة – آنذاك – سوى الردِّ بعمليّةٍ نوعيّةٍ يكون لها صدًى واسعٌ وتأثيرٌ كبير، تستطيع من خلالها استنهاضَ الفعلِ الفلسطينيّ المقاوِم، وإحياءَ نزعةِ الاشتباكِ المسلّح مع العدوِّ بشكلٍ يَظهرُ فيه الثائرُ الفلسطينيُّ أكثرَ قوةً وتأثيرًا، وتهيئةَ الأجواءِ الميدانيّة لمرحلةٍ جديدةٍ شعارُها: "الرأس بالرأس" في محاولةٍ لكسرِ سياسةِ الاغتيالاتِ الجبانة.

بالفعل، نجحت الجبهةُ الشعبيّةُ حينما قرّرت أن تكونَ عمليّةُ الردّ في القدس ؛ تأكيدًا منها على أنّ القدسَ عربيّةٌ فلسطينيّة، وأنّها العاصمةُ الأبديّةُ لفلسطين التاريخيّة كلّها، وأنّها لا تقبلُ القسمةَ على اثنين، فضلًا عن أنّها تخضعُ لإجراءاتٍ أمنيّةٍ مشدّدةٍ هي الأكثرُ دائمًا؛ فكان فندق (حياة ريجنسي) تحت مجهر الجبهة.

 بعدما أشعلَ الأمينُ العام القائد الأسير أحمد سعدات فتيلَ الوفاء والثأر بكلّ ثباتٍ ووضوح، وتخندقَ بإيمانِهِ العميقِ في ميدانِ الفعل الكفاحي مخطِّطًا ومراقبًا، وحملَ رايةَ الثأر بكلِّ بسالةٍ وتحدٍّ وإصرار؛ بدأت جبهةُ الحكيم بقيادة صاحب الوعد الصادق سعدات بالتجهيز لعمليّة الردّ، فكان اختيارُ الهدفِ يسيرُ بكلّ دقّةٍ وعناية، حتى وقع خيارُ الاستهداف على رأس العنصريّة المقيتة، صاحب نظرية حرب "الترانسفير" التي تدعو إلى تهجير الفلسطينيين عن أراضيهم قسرًا؛ "رحبعام زئيفي".

فمن يكون رحبعام زئيفي؟

–     وُلِدَ في مدينةِ القدسِ عامَ 1926.

– خدم في صفوف "البالماخ" عام 1942، ثمّ التحق بجيش الاحتلال مدة 31 سنة.

–     عيّنه إسحاق رابين مستشارًا لمكافحة الإرهاب عقبَ تقاعده من الخدمة العسكريّة عام 1973، وتقلّد بعدها منصبًا استخباراتيًّا لرئاسة الوزارة.

–     أسّس زئيفي حركةً سياسيّةً باسم "موليديت" عام 1989، وتعني الوطن بالعربيّة، كانت تنادي بضرورة تهجير الفلسطينيين إلى البلدان العربيّة المجاورة. وفي أعقاب اتفاقيّة مدريد للسّلام الموقّعة عام 1991، ضغطت قياداتُ الحركة على زئيفي؛ الأمرُ الذي اضطرَّهُ إلى الانسحاب من حزب الليكود الإسرائيليّ/الصهيوني.

–     كان رحبعام زئيفي قبلَ موتِهِ يحملُ أفكارًا غايةً في التطرّف والإرهاب، حيث كان يدعو باستمرارٍ إلى إخضاعِ الفلسطينيّين لعمليّة تطهيرٍ عرقيٍّ واسعة.

–     كان يصفُ الفلسطينيين والعرب بالقمل تارةً، والسرطان تارةً أخرى.

–     كان باستمرارٍ يجدّدُ دعوتَهُ لغزو الأردن وتوطين الفلسطينيّين فيها.

–     اندمجتْ حركةُ زئيفي السياسيّة مع "هيروت" و"تكوما" لتكوين "الاتّحاد الوطني" عام 1999.

–     وبعدَ انتخابِ أرئيل شارون رئيسًا للوزراء في فبراير/شباط 2001، التحق زئيفي في حكومة شارون الائتلافيّة وعُيّن (وزيرًا للسياحة).

–     وفي أعقاب اغتياله، وتحديدًا عام 2015، كشفت الصحفيّةُ الاستقصائيّة، إيلانا ديان، عن "تورّط زئيفي في جرائم اغتصاب، وتعاقدٍ مع عصاباتٍ إجراميّة، فضلًا عن قضايا فساد، واستغلالِ منصبِهِ لمنافع شخصيّة".

لقد حددّت نسورُ الجبهة الشعبيّة فريستها الثمينة، وجهّزت كلَّ ما يلزم لتنفيذ العمليّة في سريّةٍ تامّة، ضمنَ منظومةٍ جبهاويةٍ أمنيةٍ معقّدة، استطاعت أن تخترقَ المنظومةَ الأمنيّةَ الصهيونيّةَ الأقوى في العالم – كما تزعمُ دولةُ الاحتلال – وتمكّنت في أقلّ من شهرين على عمليّة اغتيال أمينها العام أبي علي مصطفى، من التخطيط والتجهيز والاستعداد للتضحيّة والتنفيذ بكلّ صلابةٍ ونجاح.

وبالفعل، نجح الأبطال الثلاثة: مجدي الريماوي، وحمدي قرعان، وباسل الأسمر، من الدخول إلى فندق حياة ريجنسي في السادس عشر من أكتوبر/تشرين أوّل؛ أي قبلَ موعدِ التنفيذ بيومٍ واحد؛ باستخدام جوازاتِ سفرٍ مزوّرة، وتمكنّوا من حجزِ غرفةٍ في الطابق السابع أسفل غرفة المجرم زئيفي بطابقٍ واحدٍ فقط، واستعدّوا لتنفيذ الخطّة باستخدامِ مسدّساتهم الكاتمة للصوت التي كانت بحوزتهم.

وفي صباح اليوم التالي؛ أي السابع عشر من أكتوبر/تشرين أول 2001، خرج الأبطالُ الثلاثة من غرفتهم بكلِّ شموخٍ ووفاء، وتوزّعوا في أماكنهم حسبَ الخطّة؛ أحدُهم يراقبُ مداخلَ الفندق، والآخرُ يراقبُ مدخلَ الطابق الثامن، واتّجه الثالثُ بسرعةِ البرق إلى درج الطوارئ نحو الطابقِ الثامن؛ تحديدًا غرفة (816) التي كان يقيمُ فيها المجرمُ رحبعام زئيفي، وتمكّن البطل حمدي قرعان من إطلاقِ ثلاثِ رصاصاتٍ من مسدّسِهِ الكاتم للصوت على رأسِ التطرّف زئيفي دون أن يرفّ له جفن، وغادروا الفندق بسلام. وما مكثَ المجرم زئيفي في المستشفى سوى القليل حتى فارقت روحُهُ الترانسفيريّة القذرة إلى السماء على أيدي أبطال الوفاء والتضحيّة.

 أحدثَ مقتلُ زئيفي صدمةً كبيرةً في دولة الاحتلال، حتّى قال رئيس وزرائها حينها، أرئيل شارون: "إنّ كلَّ شيءٍ قد تغيّر بعدَ مقتل زئيفي".

نفّذتْ بعدها دولةُ الاحتلال عمليّاتٍ عسكريّةً وأمنيّةً موسّعةً في الضفّة الغربيّة من أجل إلقاء القبض على منفذي عمليّة الاغتيال، إلا أنّها باءت جميعُها بالفشل. إلى أن تمكّنت (أجهزة السلطة الفلسطينيّة) من إلقاء القبض على الأبطال الثلاثة، إضافةً إلى اعتقال الأمين العام أحمد سعدات، وعاهد أبو غلمي – القائد العام لكتائب الشهيد أبو علي مصطفى، في يناير/كانون الثاني 2002، وسُجنوا في المقرّ الرئاسيّ في رام الله، إلا أنّ هذا الاعتقال لم يُرضِ دولةَ الفاشيّة الصهيونيّة، فحاصرت مقرَّ ياسر عرفات ، وأجبرته على توقيع اتّفاقٍ يقضي بنقل المسؤولين عن العمليّة إلى سجن أريحا بمرافقةٍ أمنيّةٍ مشدّدةٍ شاركتْ فيها قوّاتٌ خاصّةٌ أمريكيّةٌ وبريطانيّة.

وفي الرابع عشرَ من مارس/آذار 2006، شنّتْ دولةُ الاحتلالِ عمليّةً عسكريّةً وأمنيّةً ضدّ سجن أريحا، أطلقت عليها اسم (عمليّة جلب البضائع) اعتقلت خلالها المجموعة، وقدّمتهم أمامَ القضاء الصهيوني الذي حكم على مجدي الريماوي 106 سنوات، و125 سنة على حمدي قرعان، و60 سنة على باسل الأسمر، بالإضافة إلى الحكم بالسجن 30 سنة على أحمد سعدات بتهمة رئاسة تنظيمٍ سياسيٍّ محظور، و31 سنة على عاهد أبو غلمة بتهمة قيادة منظّمةٍ عسكريّة.

إنّ راهنيّة الفعل المقاوم للصهيونيّة اليوم في كلّ بقاعِ فلسطين التاريخيّة، تشي بنجاحِ فكرةِ ترسيخ الكفاح المسلّح في النزعة الوطنيّة الفلسطينيّة، بصورةٍ تكشف لنا عن مدى فهم الأمين العام أحمد سعدات لطبيعة الصراع مع هذا المحتلّ، عندما فرض معادلة الرأس بالرأس، وها نحن اليوم على مدار الساعة نسمع ونشاهد عملياتٍ بطوليّةً ينفّذها أبطال فلسطين، ويعزفها الرصاصُ لحنًا بطوليًّا أسطوريًّا، أو نشيدًا وطنيًّا كفاحيًّا؛ هذه الصورةُ المشرّفةُ من التضحيّة والكفاح، ما كانت لتكون لولا أبطالٌ آمنوا بقضيّتهم، وعشقوا ترابَ بلادِهم، وفرضوا معادلاتٍ ت قطر ُ عزّة وكرامة.

المجد للشهداء، والحرية للأسرى، والشفاء للجرحى، وعاشت فلسطين حرّة عربيّة.