تشهدُ الأصوليّةُ الدينيّةُ اليهوديّةُ انتشارًا واسعًا في داخل "إسرائيل" منذُ أوائلِ سبعيناتِ القرنِ المنصرم، وتجذبُ لها أوساطًا جديدة؛ خالقةً معها انزياحاتٍ واضحةً في داخل "المجتمع" الإسرائيليّ ذي التوجّه العلماني في الأعم، الذي يعدُّ نفسه نموذجًا للعلمانيّة الغربيّة وثقافتها المتقدّمة؛ دون أن يعني التسليم بهذا التصور الذي تطرحه إسرائيل عن نفسها، خاصة وأن الصراع بين المتدينين والعلمانيين على هوية وشكل الدولة كان وما زال صراعًا حقيقيًا، وصولًا إلى طرح مسألة الفصل بين الأمة والدين أو بين الدين والدولة في حالتها.
إنّ تحليلَ البنية والتركيبة المجتمعيّة الإسرائيليّة وانعكاساتها السياسيّة، يجب أن تكون ضمنَ أولوياتِ قراءتنا للعدوّ، ومعرفة طبيعة تلك التركيبة والانزياحات التي تحدث داخل الكيان الإسرائيلي، التي ينطبق عليها مفهوم "النمذجة" الجارية لتكون جميعها على ذات الشاكلة - إن لم تكن أصلًا - تنهل من نبع اليمين الدينيّ والسياسيّ؛ كون المعرفة العلميّة المتطوّرة والمترابطة لهذا الكيان، تعدُّ أولى حلقات البدء في عمليّة صياغةٍ استراتيجيّةٍ شاملةٍ للمواجهة، ونقطة البدء هنا؛ يُفترض أن تنطلق من الإقرار بأن "إسرائيل" عام 2022 ليست على الإطلاق إسرائيل عام 1948– لا بالمعايير الاقتصاديّة والاجتماعيّة ولا بالمعايير العسكريّة والسياسيّة – وإنّه لجزءٌ أساسيٌّ من هذه المعايير هو البنية والتركيبة التي يمثّلها ويشغلها الحريديم؛ اجتماعيًّا وسياسيًّا، وهذا متوقّفٌ إلى حدٍّ كبيرٍ على فهم العناصر الأساسيّة للسياسات الحريديّة – بغض النظر– عن الاختلافات والانشقاقات وجهود التوحّد باستمرارٍ بين أفرادها وطوائفها.
فمن المعروف أن "الحريديم/الجماعات الدينيّة" أقاموا في مناطقَ منعزلةٍ أو مستقلّة بذاتها في المدن الإسرائيليّة، وعاش أفراد طوائفها المختلفة حياةً فيها الكثير من التصادم الحاد والإشكاليّات المتعدّدة مع النظام السياسيّ الإسرائيليّ من جهة، والقسم العلماني من المجتمع الذي كان - وما يزال - ينظر لهم بدونيّةٍ كبيرةٍ من جهةٍ أخرى، وإن اكتسبوا في فترة ظهورهم على المسرح السياسيّ بدايةَ سبعينيات القرن المنصرم قليلًا من الاهتمام، إلا أن ما حقّقوه من نجاحٍ سياسيٍّ في انتخابات الكنيست عام 1988، الذي لم يستطع أيٌّ من مستطلعي الرأي المحترفين التنبؤ به؛ وضعهم في قلب المشهد السياسيّ الإسرائيلي، حيث توالت نجاحاتهم في الانتخابات اللاحقة وصولًا إلى توقّع حصولهم على 13 مقعدًا في الانتخابات القادمة للكنيست، المنوي إجراؤها مطلع نوفمبر القادم، بحيث تحلُّ الكتلة الثانية فيه، وهذا ما يؤهّلها لأن تكون في مكانة؛ تجعلهم (أي الحريديم) قادرين في أوقاتٍ متعدّدةٍ من الإملاء على الغالبيّة العلمانيّة الإسرائيليّة. وتعدُّ هنا القضيتان المهمتان اللتان من الواجب التوقّف عليهما وتحليلهما، هما:
- كيف ضمنت الأحزابُ الحريديّة تأثيرها السياسي وصولًا لتعميم نموذجها الخاص؟
- أي بنية تنظيميّة توفّرت لها ووظفتها للحصول على أقصى نجاحٍ وتمثيلٍ سياسي؟
لقد وفّر الاهتمام بالتعليم الإجابة الكبرى على السؤالين/القضيتين، بحيث استطاع الحريديم/المتدينين الاستحواذ على تعليم أبنائهم وأبناء غيرهم من اليهود أيضًا، من خلال نيلهم الوصاية عليهم بطريقةٍ تكفل الاستمراريّة القصوى لسيطرتهم لاحقًا، وحصولهم على سلطةٍ مباشرةٍ على شبكات مدارس عديدة، وبالتأثير بشكلٍ غير مباشرٍ على عددٍ من المدارس الأخرى أو مدارس الدولة عمومًا، حيث نجد أنّ تعليم الوزارة وهو إلزاميٌّ من الصفّ الأوّل، وحتى الصف الثاني عشر؛ يفرض تعليم التوراة، والذي يغطي كل المرحلة العمريّة – التعليميّة للطالب اليهودي. أضف إلى ذلك، أنّه في بعض مناهج التعليم، وفي عددٍ من المدارس؛ ألزموا الطلاب دراسة التفاسير وفقًا لمدارسَ دينيّةٍ مختلفة، ما يعين أن جهاز التعليم في إسرائيل؛ يُولي تعليم التوراة أهمية كبيرة لفهم واقع حياة الإسرائيلي[1].
منذ عام 1980، توسّعت المدارسُ الدينيّة بشكلٍ كبير، وهي التي كانت مقيّدة قبل تلك السنة من الحكومات السابقة، بالتزامن مع الدعم السخيّ الذي تلقته الأحزاب الدينية/الحريدية من حكومة الليكود آنذاك، حيث عملوا بنجاح على تحسين النوع المبّكر للتعليم اليهودي ونظام شبكة المدارس المبّكرة في الكثير من المدن الإسرائيلية الريفية والأكثر فقرًا وفي مناطق الأحياء الفقيرة من المدن الإسرائيلية؛ فلقد كان هدفهم بوضوحٍ إدامة تأثير تعليمهم على قطاع متزايد من الجيل الإسرائيلي الأصغر، حيث حققوا نجاحاتٍ لافتةً على هذا الصعيد، وسّعت من قاعدتهم الاجتماعيّة، وعكست نفسها وتأثيرها على البنية السياسيّة الداخليّة.
يركّز "الحريديم" على الأهميّة الأساسيّة والرئيسيّة للدراسات المقدّسة؛ فهم يؤمنون أن الفضيلة الناشئة من أولئك المنشغلين في الدراسات المقدّسة مسؤولة عن كلّ الأحداث الخيرة الحاصلة لليهود، ولأجل ذلك السبب ليس مطلوبًا من أولئك المنشغلين في الدراسات المقدّسة أن يسعوا لكسب عيشهم؛ إذ ضُمنت لهم العديد من الامتيازات والمزايا والإعفاءات من الواجبات المجتمعيّة، "إنّ عمليّة منح المزايا لمواصلة الدراسات المقدّسة موجودةٌ في مجتمع إسرائيل الحديث، وأحد المواضيع الأكثر إثارة للجدل في إسرائيل، وما يزال مستمرًّا التأجيلُ للخدمة العسكرية لمعظم طلاب وخريجي اليشيفوت"[2]. وهذه المسألة بالذات تُشعر أقسامًا واسعةً من الإسرائيليين العلمانيين وغيرهم بعدم مشاركة "الحريديم" لهم بتساوٍ في الواجبات والأعباء المفروضة على مجتمعهم، الذي يعدّونه مجتمعًا خاصًا وسطَ بيئةٍ معادية، وعليه يجب أن يتكفّل الجميع أمر حمايته فعليًّا.
لقد سبق القول، إنّ الحريديم/الجماعات الدينيّة تلقّت دعمًا غيرَ محدودٍ من حكومة الليكود منذ بداية ثمانينيات القرن المنصرم، لم يتوقّف عندها بل استمرَّ مع الحكومات التي جاءت بعدها، بما في ذلك حكومات العمل (أي اليسار!)، ليس فقط على صعيد توسّع قاعدتها الدينيّة ودعم أنشطتها وبرامجها على هذا الصعيد، بل دعمت مخططاتها الاستيطانيّة، التي بدورها كانت بحاجةٍ لتشكيل أحزابها السياسيّة التي تعطيها قوّةً أكبر في وضع هذه المخطّطات قيد التنفيذ، دون أن يخلو الأمر أيضًا من منافسةٍ داخليّةٍ بين الحريديم الاشكناز والسفارديم، الّذين تبلورا في حزبين أساسيين منفصلين، وهما: ديجل هتوارة (علم الشريعة)، وكان اشكنازيًّا صرفًا، وشاس (القائمة السفاردية من أجل التراث)، وكان شرقيًّا صرفًا، وعدَّ زعماء الحزبين أنّ الحاخام شاخ هو مرجعيتهم الروحية العليا، وأجمعوا على طاعته، في سياق تأكيد وحدة توجهاتهم الدينية والسياسية وفق "الشريعة اليهودية" من جهة، ولدور إسرائيل السياسي في إطار مرجعية تلك الشريعة.
لقد حققت الأحزاب الحريدية قوة سياسية ملحوظة؛ فاجأت أهم السياسيين؛ حين حصلت على 8 مقاعد في انتخابات الكنيست سنة 1988، ومن بعدها ظهرت هذه الأحزاب أكثر تنظيمًا وقوة وقدرة على تنفيذ برامجها، إلى جانب توسع قاعدتها الاجتماعية وبروز أحزاب حريدية/دينية جديدة، بحيث لم تتأخر الأحزاب اليمينية القومية من مجاراتها في أطروحاتها الدينية والسياسية؛ رغم ما يبدو من اختلافات تتعلق بالخدمة الإلزامية في الجيش أو الإشراف الخاص على المدارس الدينية والامتيازات الأخرى التي تأتي على حساب دافع الضرائب الإسرائيلي.
إنّ السمة الأبرز للحياة السياسيّة في إسرائيل هي توسيعُ قاعدةِ اليمين واستمرار تراجع مواقع "اليسار الصهيوني"، ولسنا هنا بحاجة إلى القول أن تعابير "اليمين واليسار"؛ تحمل حين يتعلق الأمر بإسرائيل مضامين أيديولوجيّة واحدة؛ إذ إنّ جوهر الخلاف يدور هنا حول القدرة على تحويل الشعار الأيديولوجي إلى شعار سياسي والقدرة على تحويل الهدف الحقيقي إلى هدف معلن.
ولقد كشفت التجربة الطويلة من الصراع كم كان الاتفاق جوهريًّا بين قطبي الحياة السياسية في إسرائيل حول كل ما يتصل بالاستراتيجية والأهداف البعيدة للمشروع الصهيوني، وأثبتت أن حدود الخلاف لا تخرج عن إطاره السياسي ولا يتعدى حدود الوسائل الواجب اتباعها للوصول إلى الغاية ذاتها.
ولعل أبرز مثال على صحة ما ذهبنا إليه، هو أن الكيان الإسرائيلي بكليته يندغم مع اليمين الحريدي وينحو باستمرار نحوه، خاصة فيما يتعلق بالموقف من المسألة الفلسطينية؛ من خلال تحقق إجماع داخل مختلف مكوناته على ثوابت العداء ل فلسطين اسمًا وشعبًا وقضيةً وحقوقًا مشروعةً، وهو ما يبدو جليًا في برامج الأحزاب الصهيونية الأساسية كافة، حيث تبرز فلسطين بوصفها النفي الكلي لفكرة الصهيونية.
كما يظهر الأمر واضحًا في السياسة الخارجية التي اتبعتها وتتبعها أقطاب السياسة الإسرائيلية ضد قوى التحرر والتقدم ولجان المقاطعة والتضامن مع الشعب الفلسطيني؛ عربيًا ودوليًا ومواجهتها بفزاعة "العداء للسامية"، والتي أتت وتأتي امتدادًا وتعبيرًا عن السياسة الداخلية التي تقوم على الصهيونية؛ فكرًا وممارسةً وتلتقي مع الإمبريالية العالمية في الخندق والموقع الواحد، وخصوصًا مع دوائرها الأكثر عدوانية ورجعية.
في ضوء ما تقدم؛ يبقى السؤال الحيوي بالنسبة لنا نحن الفلسطينيون: لماذا مطلوبًا أن تبقى السياسة الانتظارية والخطابية البلاغية أو البكائيات التاريخية هي التي تسيطر بديلًا عن الفعل السياسي المبني على استراتيجية نقيضة تمامًا لأي وجود صهيوني على أرضنا؟
إن المسألة تبدو أكثر من مصيرية؛ خاصة إذا ما اتفقنا أن الصراع يطال الوجود ذاته، وهو كذلك بالضبط.

