Menu

الاعتقالُ الإداريّ "غيابُ العدالة"

جميل سرحان

نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة الهدف الإلكترونية

يشكّلُ الاعتقالُ الإداريّ أحدَ أبرزِ انتهاكاتِ حقوق الإنسان الفلسطيني؛ لمخالفتِهِ الإعلانَ العالميّ لحقوق الإنسان، والعهد الدوليّ للحقوق المدنيّة والسياسيّة، ولقواعد المحاكمة العادلة وقيمها ومعاييرها كافةً، فهو قرارٌ صادرٌ من قائدِ منطقةِ جيش الاحتلال الإسرائيليّ بحقّ فلسطينيٍّ بادّعاء اعتزامه بالقيام بعملٍ مخالفٍ لقانونهم، ويتمُّ القرارُ دون محاكمةٍ بالاعتماد على أدلّةٍ سريّة.

يخضعُ للاعتقال الإداري 780 معتقلًا فلسطينيًّا لدى مراكز احتجاز قوّات الاحتلال الإسرائيلي، بينهم 6 أطفال وامرأتين، وجميعهم موزّعون على معتقلي النقب الصحراويّ وعوفر، بزيادةٍ عن العام الماضي تصل إلى 51% من أوامر الاعتقال الإداري عن هذا العام.

يستندُ قادةُ الجيش في إصدارهم لقرار الاعتقال الإداري إلى قانون يسمّى "أمر بخصوص تعليمات الأمن"، هذا الأمرُ العسكريُّ يعطي الصلاحية لقائد قوات الجيش في الضفّة الغربيّة اعتقال فلسطينيٍّ لفترة مدتها تصل إلى ستة شهورٍ كلّ مرة، إذا كان لديه التقدير بأن هذا الفلسطيني قد يقوم بأي عملٍ يمسُّ الأمن، بدلالة الأمر العسكري أعلاه، الذي ينص على: "إذا كان هناك أساسٌ معقولٌ وَفْقَ دواعي أمن المنطقة أو أمن الجمهور أن تتحفظ على فلان رهن الاعتقال"، ومن ثَمَّ فهذا إجراءٌ تحفّظيٌّ وقائيّ.

تتمُّ عمليّةُ الاعتقال الإداري بالحبس مدّةً لا تزيد عن ستة شهور، تبدأ من اليوم الأوّل المحدّد بقرار الاعتقال وتستمرُّ لفتراتٍ تراكميّةٍ تصلُ لسنواتٍ طويلة، حيث إن القانون لدي قوات الاحتلال يخوّل القائد العسكري "إذا ما استمرّت نفس الدواعي الأمنية"، أن يعمل على تجديد أمر الاعتقال إلى مدة أخرى، ومدة ثالثة دون تحديد المدة القصوى، الأمرُ الذي أدّى إلى احتجاز عددٍ كبيرٍ من الفلسطينيّين لما يزيد عن عشر سنوات، مثل المعتقل الفلسطيني منتصر شديد الذي أمضى ما يقارب 10 أعوام إداريًّا تضاف إلى 11 عامًا أمضاها محكومًا، ومن المعتقلين الفلسطينيين من يكون قد صدر بحقه على قضيّةٍ أمنيّةٍ حكمٌ من محكمةٍ عسكريّة، وعند انتهاء فترة محكوميته، يتمُّ إصدارُ قرارٍ باعتقاله إداريًّا، دون أن يغادر السجن ويجري تحويله من قسم المحكومين إلى أقسام الاعتقال الإداري، مثل المعتقل الفلسطيني بلال كايد الذي أنهى في العام 2016، حكمه بالحبس مدة 14 عام ونصف وتمَّ تحويلُهُ مباشرةً للاعتقال الإداري مدة ستة أشهر.

ومن الثابت أن هذا الاعتقال يتم كإجراء وقائي دون ارتكاب المواطن الفلسطيني أي فعلٍ أو عملٍ ماديٍّ أو مخالفةٍ واقعيّةٍ محدّدة، وبموجب قرارٍ إداريٍّ فقط، وتبدأ عملية الاعتقال دون أن يعلم المعتقل الفلسطيني بأسباب احتجازه ودون أن يتم استجوابه أو التحقيق معه حول أي ادّعاءاتٍ محدّدة، وفي بعض الأحيان يخضع الفلسطيني لتحقيق جهاز المخابرات الإسرائيليّة ولعدم إقراراه بأيّ ادّعاء، يتمُّ اعتقالُهُ إداريًّا، بدلًا من الإفراج عنه لعدم وجود أية بيّنةٍ أو دليلٍ ضدّه. ولتحسين هذه الصورة تعرض مصلحة السجون المعتقل الفلسطيني خلال ثمانية أيام على محكمةٍ عسكريّة، تختص تلك المحكمة بالمصادقة على أمر الاعتقال الإداري، وللقاضي العسكري إلغاء الأمر أو تقصير المدة المحددة بأمر الاعتقال أو المصادقة عليه.

ووفقًا لتوثيقات المؤسّسات الحقوقيّة، فإنّ القضاء العسكري عادةً ما يصادق على أوامر الاعتقال الإداري بنسبة تصل إلى 85% أصدر القضاء العسكري ما نسبته 15% قراراً يقضي بتقصير المدة الزمنية، ولكن دون تقييد امكانية تمديد ثانية.

وبالنظر إلى أداء المحاكم العسكرية، فإنّها محاكمُ صوريّةٌ تسعى لتوفير مشروعيّةٍ لقرارات الاعتقال التعسفيّة، وتشكّل غطاء على انتهاكات الاحتلال باعتقال المواطنين دون مسوغٍ قانونيٍّ وبشكلٍ غير إنسانيّ، حيث لا يتوفر لدى المعتقل الفلسطيني حق الدفاع عن نفسه وتقدم النيابة العسكرية أدلّة الإثبات والمستندات للقضاة دون إبلاغ المعتقل بذلك، ودون التعرّف على التهم أو أي تفاصيل.

وحين تتقدم النيابة بطلب فرض السرية يوافق القضاة على طلب النيابة، ويحرم المعتقل من امكانية أن يرد على أي ادعاء أو يواجه أي تفاصيل أو ينكر أي وقائع، فجميع البينات من صناعة أجهزة الأمن الإسرائيلية دون تعقيب.

وأثناء فترة الاحتجاز الإداري يتعرض المعتقلين الفلسطينيين إلى انتهاكات جسيمة ولظروف لا إنسانية، وأبرز تلك الانتهاكات ما يتعرض له المرضى من إهمال طبي، عبر سياسة الإهمال الطبي المتعمدة، تؤدي إلى زيادة عدد المرضى، حيث تتم معاينة المرضى بالنظر بدلاً من الكشف السريري، ولا يتم تقديم الأدوية المناسبة، ومنها ما هو منتهي الصلاحية، ويتم ذلك في ظل ظروف حياتية صعبة يعشيها الأسير يومياً كسوء التهوية والاكتظاظ، ونقص كمية وجودة الأطعمة.

ونظراً لعدم توفر معايير المحاكمات العادلة وسوء الظروف التي يتعرض لها المعتقلين، فقد أصدر المقرر الدولي الخاص للأراضي المحتلة عدد من المواقف التي تؤكد أن هذا الاعتقال "احتجاز تعسفي" يفتقر إلى الضمانات التي أكدت عليها كافة القوانين الدولية، ويشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان، ومن أجل ذلك يجب الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين الإداريين.

وأمام تعنت قوات الاحتلال واستمرار سياسة الاعتقال الإداري لجأ عدد من المعتقلين إلى إعلان الإضراب الفردي المفتوح عن الطعام، وقد انتصر الكثير منهم على السجان وتم الإفراج عنهم، كان آخرها خلال شهر أكتوبر 2022 الماضي، حيث لجأ ثلاثون معتقلاً إلى الإضراب رفضاً لسياسة الاعتقال الإداري.

وفي إطار مساندة موقف المضربين عن الطعام أعلنت المؤسسات الحقوقية لمرات متكررة موقفها التضامني مع المعتقلين باعتبار مطالبهم مشروعة، وحملت مصلحة السجون وسلطات الاحتلال المسئولية عن صحة وحياة المضربين عن الطعام، والتأكيد على حقهم في الإفراج الفوري دون قيد أو شرط.

وفي سبيل تحقيق العدالة، يجب تفعيل أدوات وآليات الضغط والمناصرة من أجل إلغاء سياسة الاعتقال الإداري والإفراج عن المعتقلين جميعاً، وفضح وكشف سياسات الاحتلال التعسفية، وبناء ملفات قانونية متكاملة بانتهاكات الاحتلال، يتم تقديمها للمحاكم الدولية وعلى رأسها محكمة الجنايات الدولية، لمحاكمة مقترفي جرائم الحرب الإسرائيليين على جرائمهم بحق الأسرى والإنسان الفلسطيني.